[[ملف:قران55.png
تعليق]]
آل عمران
{30} يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ
" يَوْم " مَنْصُوب مُتَّصِل بِقَوْلِهِ : " وَيُحَذِّركُمْ اللَّه نَفْسه . يَوْم تَجِد " . وَقِيلَ : هُوَ مُتَّصِل بِقَوْلِهِ : " وَإِلَى اللَّه الْمَصِير . يَوْم تَجِد " . وَقِيلَ : هُوَ مُتَّصِل بِقَوْلِهِ : " وَاَللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير . يَوْم تَجِد " وَيَجُوز أَنْ يَكُون مُنْقَطِعًا عَلَى إِضْمَار اُذْكُرْ ; وَمِثْله قَوْله : " إِنَّ اللَّه عَزِيز ذُو اِنْتِقَام . يَوْم تُبَدَّل الْأَرْض " [إِبْرَاهِيم : 47 , 48]
{30} يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ
حَال مِنْ الضَّمِير الْمَحْذُوف مِنْ صِلَة " مَا " تَقْدِيره يَوْم تَجِد كُلّ نَفْس , مَا عَمِلْته مِنْ خَيْر مُحْضَرًا . هَذَا عَلَى أَنْ يَكُون " تَجِد " مِنْ وُجْدَان الضَّالَّة .
{30} يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ
و " مَا " مِنْ قَوْله " وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوء " عَطْف عَلَى " مَا " الْأُولَى .
{30} يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ
و " تَوَدّ " فِي مَوْضِع الْحَال مِنْ " مَا " الثَّانِيَة . وَإِنْ جُعِلَتْ " تَجِد " بِمَعْنَى تَعْلَم كَانَ " مَحْضَرًا " الْمَفْعُول الثَّانِي , وَكَذَلِكَ تَكُون " تَوَدّ " فِي مَوْضِع الْمَفْعُول الثَّانِي ; تَقْدِيره يَوْم تَجِد كُلّ نَفْس جَزَاء مَا عَمِلَتْ مُحْضَرًا . وَيَجُوز أَنْ تَكُون " مَا " الثَّانِيَة رَفْعًا بِالِابْتِدَاءِ , و " تَوَدّ " فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى أَنَّهُ خَبَر الِابْتِدَاء , وَلَا يَصِحّ أَنْ تَكُون " مَا " بِمَعْنَى الْجَزَاء ; لِأَنَّ " تَوَدّ " مَرْفُوع , وَلَوْ كَانَ مَاضِيًا لَجَازَ أَنْ يَكُون جَزَاء , وَكَانَ يَكُون مَعْنَى الْكَلَام : وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوء وَدَّتْ لَوْ أَنَّ بَيْنهَا وَبَيْنه أَمَدًا بَعِيدًا ; أَيْ كَمَا بَيْنَ الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب . وَلَا يَكُون الْمُسْتَقْبَل إِذَا جُعِلَتْ " مَا " لِلشَّرْطِ إِلَّا مَجْزُومًا ; إِلَّا أَنْ تَحْمِلهُ عَلَى تَقْدِير حَذْف الْفَاء , عَلَى تَقْدِير : وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوء فَهِيَ تَوَدّ . أَبُو عَلِيّ : هُوَ قِيَاس قَوْل الْفَرَّاء عِنْدِي ; لِأَنَّهُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى : " وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ " [الْأَنْعَام : 121] : إِنَّهُ عَلَى حَذْف الْفَاء . وَالْأَمَد : الْغَايَة , وَجَمْعه آمَاد . وَيُقَال : اِسْتَوْلَى عَلَى الْأَمَد , أَيْ غَلَبَ سَابِقًا . قَالَ النَّابِغَة : إِلَّا لِمِثْلِك أَوْ مَنْ أَنْتَ سَابِقه سَبْق الْجَوَاد إِذَا اِسْتَوْلَى عَلَى الْأَمَد وَالْأَمَد : الْغَضَب . يُقَال : أَمِدَ أَمَدًا , إِذَا غَضِبَ غَضَبًا .
{30} يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ
قَالَ الزَّجَّاج : أَيْ وَيُحَذِّركُمْ اللَّه إِيَّاهُ . ثُمَّ اسْتَغْنَوْا عَنْ ذَلِكَ بِذَا وَصَارَ الْمُسْتَعْمَل ; قَالَ تَعَالَى : " تَعْلَم مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَم مَا فِي نَفْسك " [الْمَائِدَة : 116] فَمَعْنَاهُ تَعْلَم مَا عِنْدِي وَمَا فِي حَقِيقَتِي وَلَا أَعْلَم مَا عِنْدك وَلَا مَا فِي حَقِيقَتك . وَقَالَ غَيْره : الْمَعْنَى وَيُحَذِّركُمْ اللَّه عِقَابه ; مِثْل " وَاسْأَلْ الْقَرْيَة " . وَقَالَ : " تَعْلَم مَا فِي نَفْسِي " أَيْ مَغِيبِي , فَجُعِلَتْ النَّفْس فِي مَوْضِع الْإِضْمَار لِأَنَّهُ فِيهَا يَكُون .
{31} قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
الْحُبّ : الْمَحَبَّة , وَكَذَلِكَ الْحِبّ بِالْكَسْرِ . وَالْحِبّ أَيْضًا الْحَبِيب ; مِثْل الْخِدْن وَالْخَدِين ; يُقَال أَحَبَّهُ فَهُوَ مُحِبّ , وَحَبَّهُ يَحِبّهُ ( بِالْكَسْرِ ) فَهُوَ مَحْبُوب . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَهَذَا شَاذّ ; لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي فِي الْمُضَاعَف يَفْعَل بِالْكَسْرِ . قَالَ أَبُو الْفَتْح : وَالْأَصْل فِيهِ حَبُبَ كَظَرُفَ , فَأُسْكِنَتْ الْبَاء وَأُدْغِمَتْ فِي الثَّانِيَة . قَالَ اِبْن الدَّهَّان سَعِيد : فِي حَبّ لُغَتَانِ : حَبّ وَأَحَبَّ , وَأَصْل " حَبّ " فِي هَذَا الْبِنَاء حَبُبَ كَظَرُفَ ; يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلهمْ : حَبُبْت , وَأَكْثَر مَا وَرَدَ فَعِيل مِنْ فَعُلَ . قَالَ أَبُو الْفَتْح : وَالدَّلَالَة عَلَى أَحَبَّ قَوْله تَعَالَى : " يُحِبّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ " [الْمَائِدَة : 54] بِضَمِّ الْيَاء . و " اِتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه " [آل عِمْرَان : 31] و " حَبّ " يَرِد عَلَى فَعُلَ لِقَوْلِهِمْ حَبِيب . وَعَلَى فَعُلَ كَقَوْلِهِمْ مَحْبُوب : وَلَمْ يَرِد اِسْم الْفَاعِل مِنْ حَبّ الْمُتَعَدِّي , فَلَا يُقَال : أَنَا حَابّ . وَلَمْ يَرِد اِسْم الْمَفْعُول مِنْ أَفْعَل إِلَّا قَلِيلًا ; كَقَوْلِهِ : مِنِّي بِمَنْزِلَةِ الْمُحَبّ الْمُكْرَم وَحَكَى أَبُو زَيْد : حَبَّبَتْهُ أُحِبّهُ . وَأَنْشَدَ : فَوَاَللَّهِ لَوْلَا تَمْرُهُ مَا حَبَبْته وَلَا كَانَ أَدْنَى مِنْ عُوَيْف وَهَاشِم وَأَنْشَدَ : لَعَمْرك إِنَّنِي وَطِلَابَ مِصْر لَكَالْمُزْدَادِ مِمَّا حَبَّ بُعْدَا وَحَكَى الْأَصْمَعِيّ فَتْح حَرْف الْمُضَارَعَة مَعَ الْيَاء وَحْدهَا . وَالْحُبّ الْخَابِيَة , فَارِسِيّ مُعَرَّب , وَالْجَمْع حِبَاب وَحِبَبَة ; حَكَاهُ الْجَوْهَرِيّ . وَالْآيَة نَزَلَتْ فِي وَفْد نَجْرَان إِذْ زَعَمُوا أَنَّ مَا اِدَّعَوْهُ فِي عِيسَى حِبّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ; قَالَهُ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر . وَقَالَ الْحَسَن وَابْن جُرَيْج : نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ أَهْل الْكِتَاب قَالُوا : نَحْنُ الَّذِينَ نُحِبّ رَبّنَا . وَرُوِيَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , وَاَللَّه إِنَّا لَنُحِبّ رَبّنَا ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي " . قَالَ اِبْن عَرَفَة : الْمَحَبَّة عِنْد الْعَرَب إِرَادَة الشَّيْء عَلَى قَصْد لَهُ . وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : مَحَبَّة الْعَبْد لِلَّهِ وَرَسُوله طَاعَته لَهُمَا وَاتِّبَاعه أَمْرهمَا ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي " . وَمَحَبَّة اللَّه لِلْعِبَادِ إِنْعَامه عَلَيْهِمْ بِالْغُفْرَانِ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْكَافِرِينَ " [آل عِمْرَان : 32] أَيْ لَا يَغْفِر لَهُمْ . وَقَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه : عَلَامَة حُبّ اللَّه حُبّ الْقُرْآن , وَعَلَامَة حُبّ الْقُرْآن حُبّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَلَامَة حُبّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُبّ السُّنَّة ; وَعَلَامَة حُبّ اللَّه وَحُبّ الْقُرْآن وَحُبّ النَّبِيّ وَحُبّ السُّنَّة حُبّ الْآخِرَة , وَعَلَامَة حُبّ الْآخِرَة أَنْ يُحِبّ نَفْسه , وَعَلَامَة حُبّ نَفْسه أَنْ يُبْغِض الدُّنْيَا , وَعَلَامَة بُغْض الدُّنْيَا أَلَّا يَأْخُذ مِنْهَا إِلَّا الزَّاد وَالْبُلْغَة . وَرَوَى أَبُو الدَّرْدَاء عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله تَعَالَى : " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه " قَالَ : ( عَلَى الْبِرّ وَالتَّقْوَى وَالتَّوَاضُع وَذِلَّة النَّفْس ) خَرَّجَهُ أَبُو عَبْد اللَّه التِّرْمِذِيّ . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( مَنْ أَرَادَ أَنْ يُحِبّهُ اللَّه فَعَلَيْهِ بِصِدْقِ الْحَدِيث وَأَدَاء الْأَمَانَة وَأَلَّا يُؤْذِيَ جَاره ) . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيل فَقَالَ إِنِّي أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ قَالَ فَيُحِبّهُ جِبْرِيل ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاء فَيَقُول إِنَّ اللَّه يُحِبّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبّهُ أَهْل السَّمَاء - قَالَ - ثُمَّ يُوضَع لَهُ الْقَبُول فِي الْأَرْض , وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيل فَيَقُول إِنِّي أُبْغِض فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ قَالَ فَيُبْغِضهُ جِبْرِيل ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْل السَّمَاء إِنَّ اللَّه يُبْغِض فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ - قَالَ - فَيُبْغِضُونَهُ ثُمَّ تُوضَع لَهُ الْبَغْضَاء فِي الْأَرْض ) . وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيد بَيَان فِي آخِر سُورَة " مَرْيَم " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَرَأَ أَبُو رَجَاء الْعُطَارِدِيّ ( فَاتْبَعُونِي ) بِفَتْحِ الْبَاء , " وَيَغْفِر لَكُمْ " عَطْف عَلَى " يُحْبِبْكُمْ " . وَرَوَى مَحْبُوب عَنْ أَبِي عَمْرو بْن الْعَلَاء أَنَّهُ أَدْغَمَ الرَّاء مِنْ " يَغْفِر " فِي اللَّام مِنْ " لَكُمْ " . قَالَ النَّحَّاس : لَا يُجِيز الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ إِدْغَام الرَّاء فِي اللَّام , وَأَبُو عَمْرو أَجَلّ مِنْ أَنْ يَغْلَط فِي مِثْل هَذَا , وَلَعَلَّهُ كَانَ يُخْفِي الْحَرَكَة كَمَا يَفْعَل فِي أَشْيَاء كَثِيرَة .
{32} قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ
فَأَمَرَ بِطَاعَتِهِ جَلَّ وَعَزَّ أَوَّلًا , وَهِيَ اِمْتِثَال أَوَامِره وَاجْتِنَاب نَوَاهِيه , ثُمَّ بِطَاعَةِ رَسُوله ثَانِيًا فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ " فَإِنْ تَوَلَّوْا " شَرْط , إِلَّا أَنَّهُ مَاضٍ لَا يُعْرَب . وَالتَّقْدِير فَإِنْ تَوَلَّوْا عَلَى كُفْرهمْ وَأَعْرَضُوا عَنْ طَاعَة اللَّه وَرَسُوله
{32} قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ
أَيْ لَا يَرْضَى فِعْلهمْ وَلَا يَغْفِر لَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ . وَقَالَ " فَإِنَّ اللَّه " وَلَمْ يَقُلْ " فَإِنَّهُ " لِأَنَّ الْعَرَب إِذَا عَظَّمَتْ الشَّيْء أَعَادَتْ ذِكْره ; وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ : لَا أَرَى الْمَوْت يَسْبِق الْمَوْت شَيْء نَغَّصَ الْمَوْت ذَا الْغِنَى وَالْفَقِيرَا
{33} إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ
اِصْطَفَى اِخْتَارَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَة . وَتَقَدَّمَ فِيهَا اِشْتِقَاق آدَم وَكُنْيَته , وَالتَّقْدِير إِنَّ اللَّه اِصْطَفَى دِينهمْ وَهُوَ دِين الْإِسْلَام ; فَحَذَفَ الْمُضَاف . وَقَالَ الزَّجَّاج : اِخْتَارَهُمْ لِلنُّبُوَّةِ عَلَى عَالَمِي زَمَانهمْ . " وَنُوحًا " قِيلَ إِنَّهُ مُشْتَقّ مِنْ نَاحَ يَنُوح , وَهُوَ اِسْم أَعْجَمِيّ إِلَّا أَنَّهُ اِنْصَرَفَ لِأَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَة أَحْرُف , وَهُوَ شَيْخ الْمُرْسَلِينَ , وَأَوَّل رَسُول بَعَثَهُ اللَّه إِلَى أَهْل الْأَرْض بَعْد آدَم عَلَيْهِ السَّلَام بِتَحْرِيمِ الْبَنَات وَالْأَخَوَات وَالْعَمَّات وَالْخَالَات وَسَائِر الْقَرَابَات , وَمَنْ قَالَ : إِنَّ إِدْرِيس كَانَ قَبْله مِنْ الْمُؤَرِّخِينَ فَقَدْ وَهِمَ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي " الْأَعْرَاف " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
{33} إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ
تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَة مَعْنَى الْآل وَعَلَى مَا يُطْلَق مُسْتَوْفًى . وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : آل إِبْرَاهِيم وَآل عِمْرَان الْمُؤْمِنُونَ مِنْ آل إِبْرَاهِيم وَآل عِمْرَان وَآل يَاسِين وَآل مُحَمَّد ; يَقُول اللَّه تَعَالَى : " إِنَّ أَوْلَى النَّاس بِإِبْرَاهِيم لِلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَاَللَّه وَلِيّ الْمُؤْمِنِينَ " [آل عِمْرَان : 68] وَقِيلَ : آل إِبْرَاهِيم إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَالْأَسْبَاط , وَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ آل إِبْرَاهِيم . وَقِيلَ : آل إِبْرَاهِيم نَفْسه , وَكَذَا آل عِمْرَان ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَبَقِيَّة مِمَّا تَرَكَ آل مُوسَى وَآل هَارُون " [الْبَقَرَة : 248] . وَفِي الْحَدِيث : ( لَقَدْ أُعْطِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِير آل دَاوُد ) ; وَقَالَ الشَّاعِر : وَلَا تَبْكِ مَيْتًا بَعْد مَيْت أَحَبَّهُ عَلِيّ وَعَبَّاس وَآل أَبِي بَكْر وَقَالَ آخَر : يُلَاقِي مِنْ تَذَكُّر آل لَيْلَى كَمَا يَلْقَى السَّلِيمُ مِنْ الْعِدَاد أَرَادَ مِنْ تَذَكُّر لَيْلَى نَفْسهَا . وَقِيلَ : آل عِمْرَان آل إِبْرَاهِيم ; كَمَا قَالَ : " ذُرِّيَّة بَعْضهَا مِنْ بَعْض " [آل عِمْرَان : 34] . وَقِيلَ : الْمُرَاد عِيسَى , لِأَنَّ أُمّه اِبْنَة عِمْرَان . وَقِيلَ : نَفْسه كَمَا ذَكَرْنَا . قَالَ مُقَاتِل : هُوَ عِمْرَان أَبُو مُوسَى وَهَارُون , وَهُوَ عِمْرَان بْن يصهر بن فاهاث بْن لاوى بْن يَعْقُوب . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : هُوَ عِمْرَان أَبُو مَرْيَم , وَهُوَ مِنْ وَلَد سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام . وَحَكَى السُّهَيْلِيّ : عِمْرَان بْن ماتان , وَامْرَأَته حَنَّة ( بِالنُّونِ ) . وَخُصَّ هَؤُلَاءِ بِالذِّكْرِ مِنْ بَيْن الْأَنْبِيَاء لِأَنَّ الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل بِقَضِّهِمْ وَقَضِيضهمْ مِنْ نَسْلهمْ . وَلَمْ يَنْصَرِف عِمْرَان لِأَنَّ فِي آخِره أَلِفًا وَنُونًا زَائِدَتَيْنِ . وَمَعْنَى قَوْله : " عَلَى الْعَالَمِينَ " أَيْ عَلَى عَالَمِي زَمَانهمْ , فِي قَوْل أَهْل التَّفْسِير . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن عَلِيّ : جَمِيع الْخَلْق كُلّهمْ . وَقِيلَ " عَلَى الْعَالَمِينَ " : عَلَى جَمِيع الْخَلْق كُلّهمْ إِلَى يَوْم الصُّور , وَذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ رُسُل وَأَنْبِيَاء فَهُمْ صَفْوَة الْخَلْق ; فَأَمَّا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ جَازَتْ مَرْتَبَته الِاصْطِفَاء لِأَنَّهُ حَبِيب وَرَحْمَة . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة لِلْعَالَمِينَ " [الْأَنْبِيَاء : 107] فَالرُّسُل خُلِقُوا لِلرَّحْمَةِ , وَمُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُلِقَ بِنَفْسِهِ رَحْمَة , فَلِذَلِكَ صَارَ أَمَانًا لِلْخَلْقِ , لَمَّا بَعَثَهُ اللَّه أَمِنَ الْخَلْق الْعَذَاب إِلَى نَفْخَة الصُّور . وَسَائِر الْأَنْبِيَاء لَمْ يَحِلُّوا هَذَا الْمَحَلّ ; وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( أَنَا رَحْمَة مُهْدَاة ) يُخْبِر أَنَّهُ بِنَفْسِهِ رَحْمَة لِلْخَلْقِ مِنْ اللَّه . وَقَوْله ( مُهْدَاة ) أَيْ هَدِيَّة مِنْ اللَّه لِلْخَلْقِ . وَيُقَال : اِخْتَارَ آدَم بِخَمْسَةِ أَشْيَاء : أَوَّلهَا أَنَّهُ خَلَقَهُ بِيَدِهِ فِي أَحْسَن صُورَة بِقُدْرَتِهِ , وَالثَّانِي أَنَّهُ عَلَّمَهُ الْأَسْمَاء كُلّهَا , وَالثَّالِث أَمَرَ الْمَلَائِكَة بِأَنْ يَسْجُدُوا لَهُ , وَالرَّابِع أَسْكَنَهُ الْجَنَّة , وَالْخَامِس جَعَلَهُ أَبَا الْبَشَر . وَاخْتَارَ نُوحًا بِخَمْسَةِ أَشْيَاء : أَوَّلهَا أَنَّهُ جَعَلَهُ أَبَا الْبَشَر ; لِأَنَّ النَّاس كُلّهمْ غَرِقُوا وَصَارَ ذُرِّيَّته هُمْ الْبَاقِينَ , وَالثَّانِي أَنَّهُ أَطَالَ عُمْره ; وَيُقَال : طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمْره وَحَسُنَ عَمَله , وَالثَّالِث أَنَّهُ اِسْتَجَابَ دُعَاءَهُ عَلَى الْكَافِرِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ , وَالرَّابِع أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى السَّفِينَة , وَالْخَامِس أَنَّهُ كَانَ أَوَّل مَنْ نَسَخَ الشَّرَائِع ; وَكَانَ قَبْل ذَلِكَ لَمْ يَحْرُم تَزْوِيج الْخَالَات وَالْعَمَّات . وَاخْتَارَ إِبْرَاهِيم بِخَمْسَةِ أَشْيَاء : أَوَّلهَا أَنَّهُ جَعَلَهُ أَبَا الْأَنْبِيَاء ; لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ صُلْبه أَلْف نَبِيّ مِنْ زَمَانه إِلَى زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالثَّانِي أَنَّهُ اِتَّخَذَهُ خَلِيلًا , وَالثَّالِث أَنَّهُ أَنْجَاهُ مِنْ النَّار , وَالرَّابِع أَنَّهُ جَعَلَهُ إِمَامًا لِلنَّاسِ , وَالْخَامِس أَنَّهُ اِبْتَلَاهُ بِالْكَلِمَاتِ فَوَفَّقَهُ حَتَّى أَتَمَّهُنَّ . ثُمَّ قَالَ : " وَآل عِمْرَان " فَإِنْ كَانَ عِمْرَان أَبَا مُوسَى وَهَارُون فَإِنَّمَا اِخْتَارَهُمَا عَلَى الْعَالَمِينَ حَيْثُ بَعَثَ عَلَى قَوْمه الْمَنّ وَالسَّلْوَى وَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاء فِي الْعَالَم . وَإِنْ كَانَ أَبَا مَرْيَم فَإِنَّهُ اِصْطَفَى لَهُ مَرْيَم بِوِلَادَةِ عِيسَى بِغَيْرِ أَب وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ فِي الْعَالَم . وَاَللَّه أَعْلَم .
{34} ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَة مَعْنَى الذُّرِّيَّة وَاشْتِقَاقهَا . وَهِيَ نَصْب عَلَى الْحَال ; قَالَ الْأَخْفَش . أَيْ فِي حَال كَوْن بَعْضهمْ مِنْ بَعْض , أَيْ ذُرِّيَّة بَعْضهَا مِنْ وَلَد بَعْض . الْكُوفِيُّونَ : عَلَى الْقَطْع . الزَّجَّاج : بَدَل , أَيْ اِصْطَفَى ذُرِّيَّة بَعْضهَا مِنْ بَعْض , وَمَعْنَى بَعْضهَا مِنْ بَعْض , يَعْنِي فِي التَّنَاصُر فِي الدِّين ; كَمَا قَالَ : " الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَات بَعْضهمْ مِنْ بَعْض " [التَّوْبَة : 67] يَعْنِي فِي الضَّلَالَة ; قَالَهُ الْحَسَن وقَتَادَة . وَقِيلَ : فِي الِاجْتِبَاء وَالِاصْطِفَاء وَالنُّبُوَّة . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِهِ التَّنَاسُل , وَهَذَا أَضْعَفهَا .
{35} إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : " إِذْ " زَائِدَة . وَقَالَ مُحَمَّد بْن يَزِيد : التَّقْدِير اُذْكُرْ إِذْ . وَقَالَ الزَّجَّاج : الْمَعْنَى وَاصْطَفَى آل عِمْرَان إِذْ قَالَتْ اِمْرَأَة عِمْرَان . وَهِيَ حَنَّة ( بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون ) بِنْت فاقود بْن قنبل أُمّ مَرْيَم جَدَّة عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام , وَلَيْسَ بِاسْمٍ عَرَبِيّ وَلَا يُعْرَف فِي الْعَرَبِيَّة حَنَّة اِسْم اِمْرَأَة . وَفِي الْعَرَبِيَّة أَبُو حَنَّة الْبَدْرِيّ , وَيُقَال فِيهِ : أَبُو حَنَّة ( بِالْبَاءِ بِوَاحِدَةٍ ) وَهُوَ أَصَحّ , وَاسْمه عَامِر , وَدَيْر حَنَّة بِالشَّامِ , وَدَيْر آخَر أَيْضًا يُقَال لَهُ كَذَلِكَ ; قَالَ أَبُو نُوَاس : يَا دَيْر حَنَّة مِنْ ذَات الْأُكَيْرَاحِ مَنْ يَصْحُ عَنْك فَإِنِّي لَسْت بِالصَّاحِي وَحَبَّة فِي الْعَرَب كَثِير , مِنْهُمْ أَبُو حَبَّة الْأَنْصَارِيّ , وَأَبُو السَّنَابِل بْن بَعْكك الْمَذْكُور فِي حَدِيث سُبَيْعَة حَبَّة , وَلَا يُعْرَف خُنَّة بِالْخَاءِ الْمَعْجَة إِلَّا بِنْت يَحْيَى بْن أَكْثَم الْقَاضِي , وَهِيَ أُمّ مُحَمَّد بْن نَصْر , وَلَا يُعْرَف جَنَّة ( بِالْجِيمِ ) إِلَّا أَبُو جَنَّة , وَهُوَ خَال ذِي الرُّمَّة الشَّاعِر . كُلّ هَذَا مِنْ كِتَاب اِبْن مَاكُولَا .
{35} إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
تَقَدَّمَ مَعْنَى النَّذْر , وَأَنَّهُ لَا يَلْزَم الْعَبْد إِلَّا بِأَنْ يَلْزَمهُ نَفْسه . وَيُقَال : إِنَّهَا لَمَّا حَمَلَتْ قَالَتْ : لَئِنْ نَجَّانِي اللَّه وَوَضَعْت مَا فِي بَطْنِي لَجَعَلْته مُحَرَّرًا . وَمَعْنَى " لَك " أَيْ لِعِبَادَتِك . " مُحَرَّرًا " نُصِبَ عَلَى الْحَال , وَقِيلَ : نَعْت لِمَفْعُولِ مَحْذُوف , أَيْ إِنِّي نَذَرْت لَك مَا فِي بَطْنِي غُلَامًا مُحَرَّرًا , وَالْأَوَّل أَوْلَى مِنْ جِهَة التَّفْسِير وَسِيَاق الْكَلَام وَالْإِعْرَاب : أَمَّا الْإِعْرَاب فَإِنَّ إِقَامَة النَّعْت مَقَام الْمَنْعُوت لَا يَجُوز فِي مَوَاضِع , وَيَجُوز عَلَى الْمَجَاز فِي أُخْرَى , وَأَمَّا التَّفْسِير فَقِيلَ إِنَّ سَبَب قَوْل اِمْرَأَة عِمْرَان هَذَا أَنَّهَا كَانَتْ كَبِيرَة لَا تَلِد , وَكَانُوا أَهْل بَيْت مِنْ اللَّه بِمَكَانٍ , وَإِنَّهَا كَانَتْ تَحْت شَجَرَة فَبَصُرَتْ بِطَائِرٍ يَزُقّ فَرْخًا فَتَحَرَّكَتْ نَفْسهَا لِذَلِكَ , وَدَعَتْ رَبّهَا أَنْ يَهَب لَهَا وَلَدًا , وَنَذَرَتْ إِنْ وَلَدَتْ أَنْ تَجْعَل وَلَدهَا مُحَرَّرًا : أَيْ عَتِيقًا خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى , خَادِمًا لِلْكَنِيسَةِ حَبِيسًا عَلَيْهَا , مُفَرَّغًا لِعِبَادَةِ اللَّه تَعَالَى . وَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي شَرِيعَتهمْ , وَكَانَ عَلَى أَوْلَادهمْ أَنْ يُطِيعُوهُمْ . فَلَمَّا وَضَعَتْ مَرْيَم قَالَتْ : " رَبّ إِنِّي وَضَعْتهَا أُنْثَى " يَعْنِي أَنَّ الْأُنْثَى لَا تَصْلُح لِخِدْمَةِ الْكَنِيسَة . قِيلَ لِمَا يُصِيبهَا مِنْ الْحَيْض وَالْأَذَى . وَقِيلَ : لَا تَصْلُح لِمُخَالَطَةِ الرِّجَال . وَكَانَتْ تَرْجُو أَنْ يَكُون ذَكَرًا فَلِذَلِكَ حُرِّرَتْ .
قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : " لَا خِلَاف أَنَّ اِمْرَأَة عِمْرَان لَا يَتَطَرَّق إِلَى حَمْلهَا نَذْر لِكَوْنِهَا حُرَّة , فَلَوْ كَانَتْ اِمْرَأَته أَمَة فَلَا خِلَاف أَنَّ الْمَرْء لَا يَصِحّ لَهُ نَذْر فِي وَلَده وَكَيْفَمَا تَصَرَّفَتْ حَاله ; فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ النَّاذِر عَبْدًا فَلَمْ يَتَقَرَّر لَهُ قَوْل فِي ذَلِكَ ; وَإِنْ كَانَ حُرًّا فَلَا يَصِحّ أَنْ يَكُون مَمْلُوكًا لَهُ , وَكَذَلِكَ الْمَرْأَة مِثْله ; فَأَيّ وَجْه لِلنَّذْرِ فِيهِ ؟ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ - وَاَللَّه أَعْلَم - أَنَّ الْمَرْء إِنَّمَا يُرِيد وَلَده لِلْأُنْسِ بِهِ وَالِاسْتِنْصَار وَالتَّسَلِّي , فَطَلَبَتْ هَذِهِ الْمَرْأَة الْوَلَد أُنْسًا بِهِ وَسُكُونًا إِلَيْهِ ; فَلَمَّا مَنَّ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهَا بِهِ نَذَرَتْ أَنَّ حَظّهَا مِنْ الْأُنْس بِهِ مَتْرُوك فِيهِ , وَهُوَ عَلَى خِدْمَة اللَّه تَعَالَى مَوْقُوف , وَهَذَا نَذْر الْأَحْرَار مِنْ الْأَبْرَار . وَأَرَادَتْ بِهِ مُحَرَّرًا مِنْ جِهَتِي , مُحَرَّرًا مِنْ رَقِّ الدُّنْيَا وَأَشْغَالهَا ; وَقَدْ قَالَ رَجُل مِنْ الصُّوفِيَّة لِأُمِّهِ : يَا أُمّه : ذَرِينِي لِلَّهِ أَتَعَبَّد لَهُ وَأَتَعَلَّم الْعِلْم , فَقَالَتْ نَعَمْ . فَسَارَ حَتَّى تَبَصَّرَ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا فَدَقَّ الْبَاب , فَقَالَتْ مَنْ ؟ فَقَالَ لَهَا : اِبْنك فُلَان , قَالَتْ : قَدْ تَرَكْنَاك لِلَّهِ وَلَا نَعُود فِيك .
{35} إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
مَأْخُوذ مِنْ الْحُرِّيَّة الَّتِي هِيَ ضِدّ الْعُبُودِيَّة ; مِنْ هَذَا تَحْرِير الْكِتَاب , وَهُوَ تَخْلِيصه مِنْ الِاضْطِرَاب وَالْفَسَاد . وَرَوَى خَصِيف عَنْ عِكْرِمَة وَمُجَاهِد : أَنَّ الْمُحَرَّر الْخَالِص لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَشُوبهُ شَيْء مِنْ أَمْر الدُّنْيَا . وَهَذَا مَعْرُوف فِي اللُّغَة أَنْ يُقَال لِكُلِّ مَا خُلِّصَ : حُرّ , وَمُحَرَّر بِمَعْنَاهُ ; قَالَ ذُو الرُّمَّة : وَالْقُرْط فِي حُرَّة الذِّفْرَى مُعَلَّقه تَبَاعَدَ الْحَبْل مِنْهُ فَهُوَ يَضْطَرِب وَطِين حُرّ لَا رَمْل فِيهِ , وَبَاتَتْ فُلَانَة بِلَيْلَةٍ حُرَّة إِذَا لَمْ يَصِل إِلَيْهَا زَوْجهَا أَوَّل لَيْلَة ; فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْهَا فَهِيَ بِلَيْلَةٍ شَيْبَاء .
{36} فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ
قَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّمَا قَالَتْ هَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقْبَل فِي النَّذْر إِلَّا الذُّكُور , فَقَبِلَ اللَّه مَرْيَم . " وَأُنْثَى " حَال , وَإِنْ شِئْت بَدَل . فَقِيلَ : إِنَّهَا رَبَّتهَا حَتَّى تَرَعْرَعَتْ وَحِينَئِذٍ أَرْسَلَتْهَا ; رَوَاهُ أَشْهَب عَنْ مَالِك : وَقِيلَ : لَفَّتْهَا فِي خِرْقَتهَا وَأَرْسَلَتْ بِهَا إِلَى الْمَسْجِد , فَوَفَّتْ بِنَذْرِهَا وَتَبَرَّأَتْ مِنْهَا . وَلَعَلَّ الْحِجَاب لَمْ يَكُنْ عِنْدهمْ كَمَا كَانَ فِي صَدْر الْإِسْلَام ; فَفِي الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم أَنَّ اِمْرَأَة سَوْدَاء كَانَتْ تَقُمّ الْمَسْجِد عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَاتَتْ . الْحَدِيث .
{36} فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ
هُوَ عَلَى قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ " وَضَعْت " بِضَمِّ التَّاء مِنْ جُمْلَة كَلَامهَا ; فَالْكَلَام مُتَّصِل . وَهِيَ قِرَاءَة أَبِي بَكْر وَابْن عَامِر , وَفِيهَا مَعْنَى التَّسْلِيم لِلَّهِ وَالْخُضُوع وَالتَّنْزِيه لَهُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء , وَلَمْ تَقُلْهُ عَلَى طَرِيق الْإِخْبَار لِأَنَّ عِلْم اللَّه فِي كُلّ شَيْء قَدْ تَقَرَّرَ فِي نَفْس الْمُؤْمِن , وَإِنَّمَا قَالَتْهُ عَلَى طَرِيق التَّعْظِيم وَالتَّنْزِيه لِلَّهِ تَعَالَى . وَعَلَى قِرَاءَة الْجُمْهُور هُوَ مِنْ كَلَام اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَدِمَ , وَتَقْدِيره أَنْ يَكُون مُؤَخَّرًا بَعْد " وَإِنِّي أُعِيذهَا بِك وَذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم " [آل عِمْرَان : 36] وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا وَضَعَتْ ; قَالَ الْمَهْدَوِيّ . وَقَالَ مَكِّيّ : هُوَ إِعْلَام مِنْ اللَّه تَعَالَى لَنَا عَلَى طَرِيق التَّثْبِيت فَقَالَ : وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا وَضَعَتْ أُمّ مَرْيَم قَالَتْهُ أَوْ لَمْ تَقُلْهُ . وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ كَلَام أُمّ مَرْيَم لَكَانَ وَجْه الْكَلَام : وَأَنْتَ أَعْلَم بِمَا وَضَعْت ; لِأَنَّهَا نَادَتْهُ فِي أَوَّل الْكَلَام فِي قَوْلهَا : رَبّ إِنِّي وَضَعْتهَا أُنْثَى . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس " بِمَا وَضَعْت " بِكَسْرِ التَّاء , أَيْ قِيلَ لَهَا هَذَا .
{36} فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ
اِسْتَدَلَّ بِهِ بَعْض الشَّافِعِيَّة عَلَى أَنَّ الْمُطَاوِعَة فِي نَهَار رَمَضَان لِزَوْجِهَا عَلَى الْوَطْء لَا تُسَاوِيه فِي وُجُوب الْكَفَّارَة عَلَيْهَا , اِبْن الْعَرَبِيّ , وَهَذِهِ مِنْهُ غَفْلَة , فَإِنَّ هَذَا خَبَر عَنْ شَرْع مَنْ قَبْلنَا وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ , وَهَذِهِ الصَّالِحَة إِنَّمَا قَصَدَتْ بِكَلَامِهَا مَا تَشْهَد لَهُ بِهِ بَيِّنَة حَالهَا وَمَقْطَع كَلَامهَا , فَإِنَّهَا نَذَرَتْ خِدْمَة الْمَسْجِد فِي وَلَدهَا , فَلَمَّا رَأَتْهُ أُنْثَى لَا تَصْلُح وَأَنَّهَا عَوْرَة اِعْتَذَرَتْ إِلَى رَبّهَا مِنْ وُجُودهَا لَهَا عَلَى خِلَاف مَا قَصَدَتْهُ فِيهَا . وَلَمْ يَنْصَرِف " مَرْيَم " لِأَنَّهُ مُؤَنَّث مَعْرِفَة , وَهُوَ أَيْضًا أَعْجَمِيّ ; قَالَهُ النَّحَّاس . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .
{36} فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ
يَعْنِي خَادِم الرَّبّ فِي لُغَتهمْ .
{36} فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ
يَعْنِي مَرْيَم .
{36} فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ
يَعْنِي عِيسَى . وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الذُّرِّيَّة قَدْ تَقَع عَلَى الْوَلَد خَاصَّة . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ مَوْلُود يُولَد إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَان فَيَسْتَهِلّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَة الشَّيْطَان إِلَّا اِبْن مَرْيَم وَأُمّه ) ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : " وَإِنِّي أُعِيذهَا بِك وَذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم " . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَأَفَادَ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ اللَّه تَعَالَى اِسْتَجَابَ دُعَاء أُمّ مَرْيَم , فَإِنَّ الشَّيْطَان يَنْخُس جَمِيع وَلَد آدَم حَتَّى الْأَنْبِيَاء وَالْأَوْلِيَاء إِلَّا مَرْيَم وَابْنهَا . قَالَ قَتَادَة : كُلّ مَوْلُود يَطْعَن الشَّيْطَان فِي جَنْبه حِينَ يُولَد غَيْر عِيسَى وَأُمّه جُعِلَ بَيْنهمَا حِجَاب فَأَصَابَتْ الطَّعْنَة الْحِجَاب وَلَمْ يَنْفُذ لَهُمَا مِنْهُ شَيْء , قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَطَلَتْ الْخُصُوصِيَّة بِهِمَا , وَلَا يَلْزَم مِنْ هَذَا أَنَّ نَخْس الشَّيْطَان يَلْزَم مِنْهُ إِضْلَال الْمَمْسُوس وَإِغْوَاؤُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ ظَنّ فَاسِد ; فَكَمْ تَعَرَّضَ الشَّيْطَان لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاء بِأَنْوَاعِ الْإِفْسَاد وَالْإِغْوَاء وَمَعَ ذَلِكَ فَعَصَمَهُمْ اللَّه مِمَّا يَرُومهُ الشَّيْطَان , كَمَا قَالَ تَعَالَى : " إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَك عَلَيْهِمْ سُلْطَان " [الْحِجْر : 42] . هَذَا مَعَ أَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْ بَنِي آدَم قَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينه مِنْ الشَّيَاطِين ; كَمَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرْيَم وَابْنهَا وَإِنْ عُصِمَا مِنْ نَخْسه فَلَمْ يُعْصَمَا مِنْ مُلَازَمَته لَهَا وَمُقَارَنَته . وَاَللَّه أَعْلَم .
{37} فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
الْمَعْنَى : سَلَكَ بِهَا طَرِيق السُّعَدَاء ; عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ قَوْم : مَعْنَى التَّقَبُّل التَّكَفُّل فِي التَّرْبِيَة وَالْقِيَام بِشَأْنِهَا . وَقَالَ الْحَسَن : مَعْنَى التَّقَبُّل أَنَّهُ مَا عَذَّبَهَا سَاعَة قَطُّ مِنْ لَيْل وَلَا نَهَار .
{37} فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
يَعْنِي سَوَّى خَلْقهَا مِنْ غَيْر زِيَادَة وَلَا نُقْصَان , فَكَانَتْ تَنْبُت فِي الْيَوْم مَا يَنْبُت الْمَوْلُود فِي عَام وَاحِد . وَالْقَبُول وَالنَّبَات مَصْدَرَانِ عَلَى غَيْر الْمَصْدَر , وَالْأَصْل تَقَبُّلًا وَإِنْبَاتًا . قَالَ الشَّاعِر : أَكُفْرًا بَعْد رَدّ الْمَوْت عَنِّي وَبَعْد عَطَائِك الْمِائَة الرِّتَاعَا أَرَادَ بَعْد إِعْطَائِك , لَكِنْ لَمَّا قَالَ " أَنْبَتَهَا " دَلَّ عَلَى نَبَتَ ; كَمَا قَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : فَصِرْنَا إِلَى الْحُسْنَى وَرَقَّ كَلَامنَا وَرُضْت فَذَلَّتْ صَعْبَة أَيّ إِذْلَال وَإِنَّمَا مَصْدَر ذَلَّتْ ذُلّ , وَلَكِنَّهُ رَدَّهُ عَلَى مَعْنَى أَذْلَلْت ; وَكَذَلِكَ كُلّ مَا يَرِد عَلَيْك فِي هَذَا الْبَاب . فَمَعْنَى تَقَبَّلَ وَقَبِلَ وَاحِد , فَالْمَعْنَى فَقِبَلهَا رَبّهَا بِقَبُولٍ حَسَن . وَنَظِيره قَوْل رُؤْبَة : وَقَدْ تَطَوَّيْت اِنْطِوَاء الْحِضْب الْأَفْعَى لِأَنَّ مَعْنَى تَطَوَّيْت وَانْطَوَيْت وَاحِد ; وَمِثْله قَوْل الْقَطَامِيّ : وَخَيْر الْأَمْر مَا اِسْتَقْبَلْت مِنْهُ وَلَيْسَ بِأَنْ تَتَبَّعَهُ اِتِّبَاعًا لِأَنَّ تَتَبَّعْت وَاتَّبَعْت وَاحِد . وَفِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود " وَأَنْزَلَ الْمَلَائِكَة تَنْزِيلًا " لِأَنَّ مَعْنَى نَزَّلَ وَأَنْزَلَ وَاحِد . وَقَالَ الْمُفَضَّل : مَعْنَاهُ وَأَنْبَتَهَا فَنَبَتَتْ نَبَاتًا حَسَنًا . وَمُرَاعَاة الْمَعْنَى أَوْلَى كَمَا ذَكَرْنَا . وَالْأَصْل فِي الْقَبُول الضَّمّ ; لِأَنَّهُ مَصْدَر مِثْل الدُّخُول وَالْخُرُوج , وَالْفَتْح جَاءَ فِي حُرُوف قَلِيلَة ; مِثْل الْوَلُوع وَالْوَزُوع ; هَذِهِ الثَّلَاثَة لَا غَيْر ; قَالَ أَبُو عُمَر وَالْكِسَائِيّ وَالْأَئِمَّة . وَأَجَازَ الزَّجَّاج " بِقُبُولٍ " بِضَمِّ الْقَاف عَلَى الْأَصْل .
{37} فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
أَيْ ضَمَّهَا إِلَيْهِ . أَبُو عُبَيْدَة : ضَمِنَ الْقِيَام بِهَا . وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ " وَكَفَّلَهَا " بِالتَّشْدِيدِ , فَهُوَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ ; وَالتَّقْدِير وَكَفَّلَهَا رَبّهَا زَكَرِيَّا , أَيْ أَلْزَمَهُ كَفَالَتهَا وَقَدَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَيَسَّرَهُ لَهُ . وَفِي مُصْحَف أُبَيّ " وَكَفَّلَهَا " وَالْهَمْزَة كَالتَّشْدِيدِ فِي التَّعَدِّي ; وَأَيْضًا فَإِنَّ قَبْله " فَتَقَبَّلَهَا " , وَأَنْبَتَهَا " فَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ نَفْسه بِمَا فَعَلَ بِهَا ; فَجَاءَ " كَفَّلَهَا " بِالتَّشْدِيدِ عَلَى ذَلِكَ . وَخَفَّفَهُ الْبَاقُونَ عَلَى إِسْنَاد الْفِعْل إِلَى زَكَرِيَّا . فَأَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي تَوَلَّى كَفَالَتهَا وَالْقِيَام بِهَا ; بِدَلَالَةِ قَوْله : " أَيّهمْ يَكْفُل مَرْيَم " [آل عِمْرَان : 44] . قَالَ مَكِّيّ : وَهُوَ الِاخْتِيَار ; لِأَنَّ التَّشْدِيد يَرْجِع إِلَى التَّخْفِيف , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى إِذَا كَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كَفَلَهَا بِأَمْرِ اللَّه , وَلِأَنَّ زَكَرِيَّا إِذَا كَفَلَهَا فَعَنْ مَشِيئَة اللَّه وَقُدْرَته ; فَعَلَى ذَلِكَ فَالْقِرَاءَتَانِ مُتَدَاخِلَتَانِ . وَرَوَى عَمْرو بْن مُوسَى عَنْ عَبْد اللَّه بْن كَثِير وَأَبِي عَبْد اللَّه الْمُزَنِيّ " وَكَفِلَهَا " بِكَسْرِ الْفَاء . قَالَ الْأَخْفَش : يُقَال كَفَلَ يَكْفُل وَكَفِلَ يَكْفِل وَلَمْ أَسْمَع كَفُلَ , وَقَدْ ذَكَرْت . وَقَرَأَ مُجَاهِد " فَتَقَبَّلْهَا " بِإِسْكَانِ اللَّام عَلَى الْمَسْأَلَة وَالطَّلَب . " رَبّهَا " بِالنَّصْبِ نِدَاء مُضَاف . " وَأَنْبَتْهَا " بِإِسْكَانِ التَّاء " وَكَفَّلْهَا " بِإِسْكَانِ اللَّام " زَكَرِيَّاء " بِالْمَدِّ وَالنَّصْب . وَقَرَأَ حَفْص وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " زَكَرِيَّا " بِغَيْرِ مَدّ وَلَا هَمْزَة , وَمَدَّهُ الْبَاقُونَ وَهَمَزُوهُ . وَقَالَ الْفَرَّاء : أَهْل الْحِجَاز يَمُدُّونَ " زَكَرِيَّاءَ " وَيَقْصُرُونَهُ , وَأَهْل نَجْد يَحْذِفُونَ مِنْهُ الْأَلِف وَيَصْرِفُونَهُ فَيَقُولُونَ : زَكَرِيّ . قَالَ الْأَخْفَش : فِيهِ أَرْبَع لُغَات : الْمَدّ وَالْقَصْر , وَزَكَرِيّ بِتَشْدِيدِ الْيَاء وَالصَّرْف , وَزَكَر وَرَأَيْت زَكَرِيَّا . قَالَ أَبُو حَاتِم : زَكَرِيّ بِلَا صَرْف لِأَنَّهُ أَعْجَمِيّ وَهَذَا غَلَط ; لِأَنَّ مَا كَانَ فِيهِ " يَا " مِثْل هَذَا اِنْصَرَفَ مِثْل كُرْسِيّ وَيَحْيَى , وَلَمْ يَنْصَرِف زَكَرِيَّاءَ فِي الْمَدّ وَالْقَصْر لِأَنَّ فِيهِ أَلِف تَأْنِيث وَالْعُجْمَة وَالتَّعْرِيف .
{37} فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
الْمِحْرَاب فِي اللُّغَة أَكْرَم مَوْضِع فِي الْمَجْلِس . وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيد بَيَان فِي سُورَة " مَرْيَم " . وَجَاءَ فِي الْخَبَر : إِنَّهَا كَانَتْ فِي غَرْفَة كَانَ زَكَرِيَّا يَصْعَد إِلَيْهَا بِسُلَّمٍ . قَالَ وَضَّاح الْيَمَن : رَبَّةُ مِحْرَابٍ إِذَا جِئْتهَا لَمْ أَلْقَهَا حَتَّى اَرْتَقِي سُلَّمًا أَيْ رَبَّة غَرْفَة . رَوَى أَبُو صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : حَمَلَتْ اِمْرَأَة عِمْرَان بَعْد مَا أَسَنَّتْ فَنَذَرَتْ مَا فِي بَطْنهَا مُحَرَّرًا فَقَالَ لَهَا عِمْرَان : وَيْحك مَا صَنَعْت ؟ أَرَأَيْت إِنْ كَانَتْ أُنْثَى ؟ فَاغْتَمَّا لِذَلِكَ جَمِيعًا . فَهَلَكَ عِمْرَان وَحَنَّة حَامِل فَوَلَدَتْ أُنْثَى فَتَقَبَّلَهَا اللَّه بِقَبُولٍ حَسَن , وَكَانَ لَا يُحَرَّر إِلَّا الْغِلْمَان فَتَسَاهَمَ عَلَيْهَا الْأَحْبَار بِالْأَقْلَامِ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِهَا الْوَحْي , عَلَى مَا يَأْتِي . فَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا وَأَخَذَ لَهَا مَوْضِعًا فَلَمَّا أَسَنَّتْ جَعَلَ لَهَا مِحْرَابًا لَا يُرْتَقَى إِلَيْهِ إِلَّا بِسُلَّمٍ , وَاسْتَأْجَرَ لَهَا ظِئْرًا وَكَانَ يُغْلِق عَلَيْهَا بَابًا , وَكَانَ لَا يَدْخُل عَلَيْهَا إِلَّا زَكَرِيَّا حَتَّى كَبِرَتْ , فَكَانَتْ إِذَا حَاضَتْ أَخْرَجَهَا إِلَى مَنْزِله فَتَكُون عِنْد خَالَتهَا وَكَانَتْ خَالَتهَا اِمْرَأَة زَكَرِيَّا فِي قَوْل الْكَلْبِيّ . قَالَ مُقَاتِل : كَانَتْ أُخْتهَا اِمْرَأَة زَكَرِيَّا . وَكَانَتْ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضَتهَا وَاغْتَسَلَتْ رَدَّهَا إِلَى الْمِحْرَاب . وَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَتْ لَا تَحِيض وَكَانَتْ مُطَهَّرَة مِنْ الْحَيْض . وَكَانَ زَكَرِيَّا إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا يَجِد عِنْدهَا فَاكِهَة الشِّتَاء فِي الْقَيْظ وَفَاكِهَة الْقَيْظ فِي الشِّتَاء فَقَالَ : يَا مَرْيَم أَنَّى لَك هَذَا ؟ فَقَالَتْ : هُوَ مِنْ عِنْد اللَّه . فَعِنْد ذَلِكَ طَمِعَ زَكَرِيَّا فِي الْوَلَد وَقَالَ : إِنَّ الَّذِي يَأْتِيهَا بِهَذَا قَادِر أَنْ يَرْزُقنِي وَلَدًا . و " كُلَّمَا " مَنْصُوب ب " وَجَدَ " , أَيْ كُلّ دَخْلَة .
{37} فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
وَمَعْنَى " أَنَّى " مِنْ أَيْنَ ; قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَة . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا فِيهِ تَسَاهُل ; لِأَنَّ " أَيْنَ " سُؤَال عَنْ الْمَوَاضِع و " أَنَّى " سُؤَال عَنْ الْمَذَاهِب وَالْجِهَات . وَالْمَعْنَى مِنْ أَيّ الْمَذَاهِب وَمِنْ أَيّ الْجِهَات لَك هَذَا . وَقَدْ فَرَّقَ الْكُمَيْت بَيْنهمَا فَقَالَ : أَنَّى وَمِنْ أَيْنَ آبَك الطَّرِب مِنْ حَيْثُ لَا صَبْوَة وَلَا رِيَب
{37} فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
قِيلَ : هُوَ مِنْ قَوْل مَرْيَم , وَيَجُوز أَنْ يَكُون مُسْتَأْنَفًا ; فَكَانَ ذَلِكَ سَبَب دُعَاء زَكَرِيَّا وَسُؤَاله الْوَلَد . وَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَتْ لَا تَحِيض وَكَانَتْ مُطَهَّرَة مِنْ الْحَيْض . وَكَانَ زَكَرِيَّا إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا يَجِد عِنْدهَا فَاكِهَة الشِّتَاء فِي الْقَيْظ وَفَاكِهَة الْقَيْظ فِي الشِّتَاء فَقَالَ : يَا مَرْيَم أَنَّى لَك هَذَا ؟ فَقَالَتْ : هُوَ مِنْ عِنْد اللَّه . فَعِنْد ذَلِكَ طَمِعَ زَكَرِيَّا فِي الْوَلَد وَقَالَ : إِنَّ الَّذِي يَأْتِيهَا بِهَذَا قَادِر أَنْ يَرْزُقنِي وَلَدًا
المراجع
quran.al-islam.com/Page.aspx?pageid=221&BookID=11&Page=1موسوعه الاسلام
التصانيف
تصنيف :تفسير القران الكريم
login |