[[ملف:قران59.png
تعليق]]
آل عمران
{85} وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
" غَيْر " مَفْعُول بِيَبْتَغِ , " دِينًا " مَنْصُوب عَلَى التَّفْسِير , وَيَجُوز أَنْ يَنْتَصِب دِينًا بِيَبْتَغِ , وَيَنْتَصِب " غَيْر " عَلَى أَنَّهُ حَال مِنْ الدِّين . قَالَ مُجَاهِد وَالسُّدِّيّ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي الْحَارِث بْن سُوَيْد أَخُو الْجُلَاس بْن سُوَيْد , وَكَانَ مِنْ الْأَنْصَار , اِرْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَام هُوَ وَاثْنَا عَشَر مَعَهُ وَلَحِقُوا بِمَكَّة كُفَّارًا , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أَخِيهِ يَطْلُب التَّوْبَة . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره . قَالَ اِبْن عَبَّاس : وَأَسْلَمَ بَعْد نُزُول الْآيَات .
{85} وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
قَالَ هِشَام : أَيْ وَهُوَ خَاسِر فِي الْآخِرَة مِنْ الْخَاسِرِينَ ; وَلَوْلَا هَذَا لَفُرِّقَتْ بَيْنَ الصِّلَة وَالْمَوْصُول . وَقَالَ الْمَازِنِيّ : الْأَلِف وَاللَّام مِثْلهَا فِي الرَّجُل . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي الْبَقَرَة عِنْد قَوْله : " وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَة لِمَنْ الصَّالِحِينَ " [الْبَقَرَة : 130] .
{86} كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
قَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار أَسْلَمَ ثُمَّ اِرْتَدَّ وَلَحِقَ بِالشِّرْكِ ثُمَّ نَدِمَ ; فَأَرْسَلَ إِلَى قَوْمه : سَلُوا لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ لِي مِنْ تَوْبَة ؟ فَجَاءَ قَوْمه إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَة ؟ فَنَزَلَتْ " كَيْفَ يَهْدِي اللَّه قَوْمًا كَفَرُوا بَعْد إِيمَانهمْ " إِلَى قَوْله : " غَفُور رَحِيم " [آل عِمْرَان : 89] . فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأَسْلَمَ . أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ . وَفِي رِوَايَة أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار اِرْتَدَّ فَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ , فَأَنْزَلَ اللَّه " كَيْفَ يَهْدِي اللَّه قَوْمًا كَفَرُوا " إِلَى قَوْله : " إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا " [آل عِمْرَان : 89] فَبَعَثَ بِهَا قَوْمه إِلَيْهِ , فَلَمَّا قُرِئَتْ عَلَيْهِ قَالَ : وَاَللَّه مَا كَذَبَنِي قَوْمِي عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا أَكَذَبْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اللَّه , وَاَللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَصْدَق الثَّلَاثَة ; فَرَجَعَ تَائِبًا , فَقَبِلَ مِنْهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرَكَهُ . وَقَالَ الْحَسَن : نَزَلَتْ فِي الْيَهُود لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُبَشِّرُونَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ; فَلَمَّا بُعِثَ عَانَدُوا وَكَفَرُوا , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَة اللَّه وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ " [آل عِمْرَان : 87] . ثُمَّ قِيلَ : " كَيْفَ " لَفْظَة اِسْتِفْهَام وَمَعْنَاهُ الْجَحْد , أَيْ لَا يَهْدِي اللَّه . وَنَظِيره قَوْله : " كَيْفَ يَكُون لِلْمُشْرِكِينَ عَهْد عِنْد اللَّه وَعِنْد رَسُوله " [التَّوْبَة : 7] أَيْ لَا يَكُون لَهُمْ عَهْد ; وَقَالَ الشَّاعِر : كَيْفَ نَوْمِي عَلَى الْفِرَاش وَلَمَّا يَشْمَل الْقَوْم غَارَة شَعْوَاء أَيْ لَا نَوْم لِي .
{86} كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
يُقَال : ظَاهِر الْآيَة أَنَّ مَنْ كَفَرَ بَعْد إِسْلَامه لَا يَهْدِيه اللَّه وَمَنْ كَانَ ظَالِمًا , لَا يَهْدِيه اللَّه ; وَقَدْ رَأَيْنَا كَثِيرًا مِنْ الْمُرْتَدِّينَ قَدْ أَسْلَمُوا وَهَدَاهُمْ اللَّه , وَكَثِيرًا مِنْ الظَّالِمِينَ تَابُوا عَنْ الظُّلْم . قِيلَ لَهُ : مَعْنَاهُ لَا يَهْدِيهِمْ اللَّه مَا دَامُوا مُقِيمِينَ عَلَى كُفْرهمْ وَظُلْمهمْ وَلَا يُقْبِلُونَ عَلَى الْإِسْلَام ; فَأَمَّا إِذَا أَسْلَمُوا وَتَابُوا فَقَدْ وَفَّقَهُمْ اللَّه لِذَلِكَ . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .
{87} أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
أَيْ إِنْ دَامُوا عَلَى كُفْرهمْ . وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى لَعْنَة اللَّه وَالنَّاس فِي " الْبَقَرَة " فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ .
{88} خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ
أَيْ لَا يُؤَخَّرُونَ وَلَا يُؤَجَّلُونَ .
{89} إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
هُوَ الْحَارِث بْن سُوَيْد كَمَا تَقَدَّمَ . وَيَدْخُل فِي الْآيَة بِالْمَعْنَى كُلّ مَنْ رَاجَعَ الْإِسْلَام وَأَخْلَصَ .
{90} إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ
قَالَ قَتَادَة وَعَطَاء الْخُرَاسَانِيّ وَالْحَسَن : نَزَلَتْ فِي الْيَهُود كَفَرُوا بِعِيسَى وَالْإِنْجِيل , ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآن . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة : نَزَلَتْ فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد إِيمَانهمْ بِنَعْتِهِ وَصِفَته " ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا " بِإِقَامَتِهِمْ عَلَى كُفْرهمْ . وَقِيلَ : " اِزْدَادُوا كُفْرًا " بِالذُّنُوبِ الَّتِي اِكْتَسَبُوهَا . وَهَذَا اِخْتِيَار الطَّبَرِيّ , وَهِيَ عِنْده فِي الْيَهُود . " لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ " مُشْكِل لِقَوْلِهِ : " وَهُوَ الَّذِي يَقْبَل التَّوْبَة عَنْ عِبَاده وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَات " [الشُّورَى : 25] فَقِيلَ : الْمَعْنَى لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ عِنْد الْمَوْت . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا قَوْل حَسَن ; كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : " وَلَيْسَتْ التَّوْبَة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدهمْ الْمَوْت قَالَ إِنِّي تُبْت الْآن " [النِّسَاء : 18] . وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَن وَقَتَادَة وَعَطَاء . وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه يَقْبَل تَوْبَة الْعَبْد مَا لَمْ يُغَرْغِر ) . وَسَيَأْتِي فِي " النِّسَاء " بَيَان هَذَا الْمَعْنَى . وَقِيلَ : " لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ " الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قَبْل أَنْ يَكْفُرُوا ; لِأَنَّ الْكُفْر قَدْ أَحْبَطَهَا . وَقِيلَ : " لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ " إِذَا تَابُوا مِنْ كُفْرهمْ إِلَى كُفْر آخَر ; وَإِنَّمَا تُقْبَل تَوْبَتهمْ إِذَا تَابُوا إِلَى الْإِسْلَام . وَقَالَ قُطْرُب : هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ أَهْل مَكَّة قَالُوا : نَتَرَبَّص بِمُحَمَّدٍ رَيْب الْمَنُون , فَإِنْ بَدَا لَنَا الرَّجْعَة رَجَعْنَا إِلَى قَوْمنَا . فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْد إِيمَانهمْ ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ " أَيْ لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ وَهُمْ مُقِيمُونَ عَلَى الْكُفْر ; فَسَمَّاهَا تَوْبَة غَيْر مَقْبُولَة ; لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحّ مِنْ الْقَوْم عَزْم , وَاَللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقْبَل التَّوْبَة كُلّهَا إِذَا صَحَّ الْعَزْم .
{91} إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ
الْمِلْء ( بِالْكَسْرِ ) مِقْدَار مَا يَمْلَأ الشَّيْء , وَالْمَلْء ( بِالْفَتْحِ ) مَصْدَر مَلَأْت الشَّيْء ; وَيُقَال : أَعْطِنِي مِلْأَهُ وَمِلْأَيْهِ وَثَلَاثَة أَمْلَائِهِ . وَالْوَاو فِي " لَوْ اِفْتَدَى بِهِ " قِيلَ : هِيَ مُقْحَمَة زَائِدَة ; الْمَعْنَى : فَلَنْ يُقْبَل مِنْ أَحَدهمْ مِلْء الْأَرْض ذَهَبًا لَوْ اِفْتَدَى بِهِ . وَقَالَ أَهْل النَّظَر مِنْ النَّحْوِيِّينَ : لَا يَجُوز أَنْ تَكُون الْوَاو مُقْحَمَة لِأَنَّهَا تَدُلّ عَلَى مَعْنَى . وَمَعْنَى الْآيَة : فَلَنْ يُقْبَل مِنْ أَحَدهمْ مِلْء الْأَرْض ذَهَبًا تَبَرُّعًا وَلَوْ اِفْتَدَى بِهِ . و " ذَهَبًا " نُصِبَ عَلَى التَّفْسِير فِي قَوْل الْفَرَّاء . قَالَ الْمُفَضَّل : شَرْط التَّفْسِير أَنْ يَكُون الْكَلَام تَامًّا وَهُوَ مُبْهَم ; كَقَوْلِك عِنْدِي عِشْرُونَ ; فَالْعَدَد مَعْلُوم وَالْمَعْدُود مُبْهَم ; فَإِذَا قُلْت دِرْهَمًا فَسَّرْت . وَإِنَّمَا نُصِبَ التَّمْيِيز لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَا يَخْفِضهُ وَلَا مَا يَرْفَعهُ , وَكَانَ النَّصْب أَخَفّ الْحَرَكَات فَجُعِلَ لِكُلِّ مَا لَا عَامِل فِيهِ . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : نُصِبَ عَلَى إِضْمَار مِنْ , أَيْ مِنْ ذَهَب ; كَقَوْلِهِ : " أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا " [الْمَائِدَة : 95] أَيْ مِنْ صِيَام . وَفِي الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يُجَاء بِالْكَافِرِ يَوْم الْقِيَامَة فَيُقَال لَهُ أَرَأَيْت لَوْ كَانَ لَك مِلْء الْأَرْض ذَهَبًا أَكُنْت تَفْتَدِي بِهِ فَيَقُول نَعَمْ فَيُقَال لَهُ قَدْ كُنْت سُئِلَتْ مَا هُوَ أَيْسَر مِنْ ذَلِكَ ) . لَفْظ الْبُخَارِيّ . وَقَالَ مُسْلِم بَدَل ( قَدْ كُنْت ; كَذَبْت , قَدْ سُئِلَتْ ) .
المراجع
quran.al-islam.com/Page.aspx?pageid=221&BookID=11&Page=1موسوعه الاسلام
التصانيف
تصنيف :تفسير القران الكريم
login |