'''د. ديمة طارق طهبوب .
'''

لولا حفظ الله، وأن قدمي ما زالت على الأرض، و عقلي محصور بين جنبي رأسي لحلقت بي الخيلاء بعيداً بعدما ما نلته من ثناء و دعاء على الحلقة الأولى من هذا الموضوع، و لقد صُعقت و أنا أراه ينتشر شرقاً و غرباً انتشار النار في الهشيم، و كدت أظن أنني أصبحت كاتبة جهبذة، جئت بما لم يأت به الأولون، و لن يستطيعه الآخرون، مع أنه لم يكن أكثر من رؤية شخصية بسيطة قرأتها في سيرة أعظم الأزواج و المحبين -صلى الله عليه و سلم- و صور حب طاهر عذري امتزج بالفؤاد من شعر العرب و سيرهم، و أمثلة قليلة تستحق أن أفخر و أشيد بها من أزواج رأيتهم في واقع حياتي.
كم سمعت من الآهات من النساء و الزوجات بعد قراءة "إلى كل هؤلاء الأزواج تحية1"، و كأني ضربت في مقتل الأوتار الحساسة كلها، و كم وصلني عن الدموع التي ذُرفت، و الحسرات و التنهدات التي تلاحقت، و كأني أقرأ كتاباً من المآسي الزوجية تمتد صفحاته بالآلاف..
الرجال أيضا أثنوا و أقبلوا و هاجموا و انتقدوا...يا ترى ماذا قرأ الرجال و الأزواج فيما كُتب؟ هل قرؤوا واقع إحسانهم فانتشوا بالفرح، أم حال خيبتهم و تقصيرهم فشعروا بالعجز، أم عدم اكتراثهم و فوقيّتهم فأداروا لما قيل ظهر المجن و علّق بعضهم: مجرد خطرفات امرأة تشعر بالنقص و الخيبة، و لديها وقت فراغ لتكتب عن الحب و الزواج؟
اكتشفت من الحلقة الأولى لهذا الموضوع أننا نعيش حالة جدب عاطفي في أسرنا، و حالة خرس و سوء فهم و استسلام إلى واقع الأمر، و تغليق للأبواب و القلوب لا على رحمة و مودة، و لكن بمنطق أن الزواج مرحلة لا بد منها كالحياة و الموت، بنفس الرتابة و الروتينية، و ليس في الإمكان أبدع مما كان
هل كان ما كتبته مثالياً كما علق الكثيرات و الكثيرون؟ فقالوا: هذا زوج الأحلام، في الجنة ربما كوني واقعية، و كفاك بحثاً عن السراب و تهييجاً لعواطف ليست موجودة
لماذا تأفّف الرجال، و قالوا اكتبي لنا عن النساء و الزوجات؟ هل نكأت جرحاً يحاولون إخفاءه؟
نعم ما زلت أعتقد جازمة أن من كتبت عنهم نادرون كندرة الألماس، و قلة في العدد، و لكنهم موجودون، و لهم نحني رؤوسنا حباً و كرامة، صح الحديث عن رسول الله أم لم يصح، فمثلهم يرفع الهامات، و يقبل الجبين، و بالانتساب لهم يرتفع القدر.
و قد اخترت أن أنفي عني تهمة المثالية، و أضرب المثل بنموذجين من الأزواج يستحقان الإشادة، سمعت الشهادات عنهما من فم زوجتيهما في حديث إسرار، و من يعرف أحاديث السرّ بين النساء المتزوجات يعرف أن أغلبها يكون في الشكوى من الزوج.. فأن تكون الشهادة من الزوجات في السر و الغياب دلالة على أن علانية هؤلاء الأزواج مما يستحق الذكر، لعلكم أيها القرّاء الكرام تقرؤون في طياتها ما هو أعم من الشخصي و أكبر من المثال.
إليكم جميعاً يا من تجعلون الزواج آية في المودة و الرحمة و السكن.. تحية إجلال.
الزوج الأول: معكِ حتى القمر
لقد نشأنا على ثقافة تقول: إن وراء كل رجل عظيم امرأة، و زاد الكثيرون الطين بلة فقالوا: تشدّه للوراء و نسوا أن هذه المرأة كانت سابقة للرجل كأمه، و سابقة و لاحقة كأخته، و بجنبه كزوجته، و من صلبه كابنته، و أن مفهوم الوراء و التبعية ليسا أكثر من عادات بالية ساهمنا رجالاً و نساء بترسيخها و إعادة إنتاجها جيلاً بعد جيل.
و قليل من الأزواج يرون في زوجاتهم امتداداً لهم في الكرامة و الإنجاز، فجرت العادة أن الزوج يبحث عن زوجة إما توازيه في المستوى، ليس من باب الكفاءة المطلوبة، أو تكون دونه؛ فالعرف ألاّ تتقدم المرأة زوجها، بينما لا بأس بل و مستحب أن يتقدمها هو، و يؤمن بعض الجهلة أن المرأة مهما بلغت فمصير شهادتها أن تُعلَّق في المطبخ
في هذا الجو العام عايشت تجربتين لصديقتين.. زوجان تحمّلا الصعاب و تحدّيا كلام المجتمع و غمز الأقارب، و أخذا جزءاً من مسؤولية البيت لكي تتمكن زوجتيهما من الدراسة و تحصيل الشهادات العليا، و لسان حالهما يقول: معكِ إلى القمر، و لو احتجتِ لبن العصفور، بل و يريان في إنجاز الزوجات إنجازاً و تفوّقاً شخصياً.
إلى حسن زوج جميلة، و فاروق زوج مها، و كل الأزواج الذين يجعلون القمر قريباً، و الأحلام ممكنة.. تحية إجلال.
الزوج الثاني: إلى من جعل من قلبه وطناً و أهلا ً
ما أكثر الزوجات اللواتي تُفرض عليهن الغربة كنمط حياة لا بد منه و بالذات في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية، و ما أكثر الزوجات اللواتي يعشن في غربة و عزلة في البلاد العربية بسبب الفصل بين الجنسيات و الوافدين و المواطنين و ما أشق أن يزيد الزوج غربة زوجته بانشغاله الدائم، إما بالعمل أو الأصدقاء، حتى يصبح بيته ليس أحسن من فندق يلجأ إليه للراحة و تغيير الملابس و قليل من الأزواج يحسون أن الزوجة ضحّت من أجل حياتها الزوجية بصحبة أهلها و حياتها الاجتماعية في بلدها، و أن عليهم أن يعوّضوها عن هذا كله، و عن كل أهلها.
و قد عايشت صديقة كانت منبع عاطفة، و سنداً لأسرتها، و مكوك نشاط في حياتها العملية، ثم ساقتها الأقدار إلى أحد المنافي حيث وُلد زوجها و عاش و ما زال يعمل، و كم كانت الغربة صعبة و مرّة عليها في أول سنوات زواجها و كم كانت تتحين كل فرصة لتسافر لأهلها و تطيل المكوث و لكن كان بجانبها زوج يحسن فهم لغة القلوب و كسر فراق الأهل، فبذل من نفسه و ماله واستقرار بيته، حتى تعوّدت زوجته حياتها الجديدة، و أصبح هو الوطن و الأهل، و لأجله لا يمكن أن تطول العطلة الصيفية بدون وجوده، و لا يُقضى رمضان عند الأهل بدون صحبته.
إلى علي الذي جعل من نفسه لإيناس وطناً و بيتاًَ وطيد الأركان، و إلى كل الأزواج الذين يجعلون الغربة فرصة لمزيد من التقارب و المحبة و الحنان.. تحية إجلال .

المراجع

موسوعه المستشار

التصانيف

تصنيف :الحياة