[[ملف:قران69.png
تعليق]]
آل عمران
{158} وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ
وَعْظ . وَعَظَهُمْ اللَّه بِهَذَا الْقَوْل , أَيْ لَا تَفِرُّوا مِنْ الْقِتَال وَمِمَّا أَمَرَكُمْ بِهِ , بَلْ فِرُّوا مِنْ عِقَابه وَأَلِيم عَذَابه , فَإِنَّ مَرَدّكُمْ إِلَيْهِ لَا يَمْلِك لَكُمْ أَحَد ضَرًّا وَلَا نَفْعًا غَيْره . وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم .
{159} فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
" مَا " صِلَة فِيهَا مَعْنَى التَّأْكِيد , أَيْ فَبِرَحْمَةٍ ; كَقَوْلِهِ : " عَمَّا قَلِيل " [الْمُؤْمِنُونَ : 40] " فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقهمْ " [النِّسَاء : 155] " جُنْد مَا هُنَالِكَ مَهْزُوم " [ص : 11] . وَلَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ عَلَى الْإِطْلَاق , وَإِنَّمَا أَطْلَقَ عَلَيْهَا سِيبَوَيْهِ مَعْنَى الزِّيَادَة مِنْ حَيْثُ زَالَ عَمَلهَا . . اِبْن كَيْسَان : " مَا " نَكِرَة فِي مَوْضِع جَرّ بِالْبَاءِ " وَرَحْمَة " بَدَل مِنْهَا . وَمَعْنَى الْآيَة : أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا رَفَقَ بِمَنْ تَوَلَّى يَوْم أُحُد وَلَمْ يُعَنِّفهُمْ بَيَّنَ الرَّبّ تَعَالَى أَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّه تَعَالَى إِيَّاهُ . وَقِيلَ : " مَا " اِسْتِفْهَام . وَالْمَعْنَى : فَبِأَيِّ رَحْمَة مِنْ اللَّه لِنْت لَهُمْ ; فَهُوَ تَعْجِيب . وَفِيهِ بُعْد ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ " فَبِمَ " بِغَيْرِ أَلِف . " لِنْت " مِنْ لَانَ يَلِين لِينًا وَلَيَانًا بِالْفَتْحِ . وَالْفَظّ الْغَلِيظ الْجَافِي . فَظِظْتَ تَفِظّ فَظَاظَة وَفَظَاظًّا فَأَنْتَ فَظّ . وَالْأُنْثَى فَظَّة وَالْجَمْع أَفْظَاظ . وَفِي صِفَة النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَام لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظ وَلَا صَخَّاب فِي الْأَسْوَاق ; وَأَنْشَدَ الْمُفَضَّل فِي الْمُذَكَّر : وَلَيْسَ بِفَظٍّ فِي الْأَدَانِيّ وَالْأُولَى يَؤُمُّونَ جَدْوَاهُ وَلَكِنَّهُ سَهْل وَفَظّ عَلَى أَعْدَائِهِ يَحْذَرُونَهُ فَسَطْوَتُهُ حَتْفٌ وَنَائِلُهُ جَزْلُ وَقَالَ آخَر فِي الْمُؤَنَّث : أَمُوت مِنْ الضُّرّ فِي مَنْزِلِي وَغَيْرِي يَمُوت مِنْ الْكِظَّهْ وَدُنْيَا تَجُود عَلَى الْجَاهِلِيـ نَ وَهْيَ عَلَى ذِي النُّهَى فَظَّهْ وَغِلَظ الْقَلْب عِبَارَة عَنْ تَجَهُّم الْوَجْه , وَقِلَّة الِانْفِعَال فِي الرَّغَائِب , وَقِلَّة الْإِشْفَاق وَالرَّحْمَة , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل الشَّاعِر : يُبْكَى عَلَيْنَا وَلَا نَبْكِي عَلَى أَحَد لَنَحْنُ أَغْلَظ أَكْبَادًا مِنْ الْإِبِل وَمَعْنَى " لَانْفَضُّوا " لَتَفَرَّقُوا ; فَضَضْتُهُمْ فَانْفَضُّوا , أَيْ فَرَّقْتهمْ فَتَفَرَّقُوا ; وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل أَبِي النَّجْم يَصِف إِبِلًا : مُسْتَعْجِلَات الْقَيْض غَيْر جُرْد يَنْفَضُّ عَنْهُنَّ الْحَصَى بِالصَّمَدِ وَأَصْل الْفَضّ الْكَسْر ; وَمِنْهُ قَوْلهمْ : لَا يَفْضُضْ اللَّهُ فَاك . وَالْمَعْنَى : يَا مُحَمَّد لَوْلَا رِفْقك لَمَنَعَهُمْ الِاحْتِشَام وَالْهَيْبَة مِنْ الْقُرْب مِنْك بَعْد مَا كَانَ مِنْ تَوَلِّيهمْ .
{159} فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
قَالَ الْعُلَمَاء : أَمَرَ اللَّه تَعَالَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ الْأَوَامِر الَّتِي هِيَ بِتَدْرِيجٍ بَلِيغ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِأَنْ يَعْفُو عَنْهُمْ مَا لَهُ فِي خَاصَّته عَلَيْهِمْ مِنْ تَبِعَة ; فَلَمَّا صَارُوا فِي هَذِهِ الدَّرَجَة أَمَرَهُ أَنْ يَسْتَغْفِر فِيمَا لِلَّهِ عَلَيْهِمْ مِنْ تَبِعَة أَيْضًا , فَإِذَا صَارُوا فِي هَذِهِ الدَّرَجَة صَارُوا أَهْلًا لِلِاسْتِشَارَةِ فِي الْأُمُور . قَالَ أَهْل اللُّغَة : الِاسْتِشَارَة مَأْخُوذَة مِنْ قَوْل الْعَرَب : شُرْت الدَّابَّة وَشَوَّرْتهَا إِذَا عَلِمْت خَبَرهَا بِجَرِّي أَوْ غَيْره . وَيُقَال لِلْمَوْضِعِ الَّذِي تَرْكُض فِيهِ : مِشْوَار . وَقَدْ يَكُون مِنْ قَوْلهمْ : شُرْت الْعَسَل وَاشْتَرْته فَهُوَ مَشُور وَمُشْتَار إِذَا أَخَذْته مِنْ مَوْضِعه , قَالَ عَدِيّ بْن زَيْد فِي سَمَاع يَأْذَن الشَّيْخ لَهُ وَحَدِيث مِثْل مَاذِيّ مُشَار قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَالشُّورَى مِنْ قَوَاعِد الشَّرِيعَة وَعَزَائِم الْأَحْكَام ; مَنْ لَا يَسْتَشِير أَهْل الْعِلْم وَالدِّين فَعَزْله وَاجِب . هَذَا مَا لَا خِلَاف فِيهِ . وَقَدْ مَدَحَ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ : " وَأَمْرهمْ شُورَى بَيْنهمْ " [الشُّورَى : 38] . قَالَ أَعْرَابِيّ : مَا غُبِنْت قَطُّ حَتَّى يُغْبَن قَوْمِي ; قِيلَ : وَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ قَالَ لَا أَفْعَل شَيْئًا حَتَّى أُشَاوِرهُمْ . وَقَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : وَاجِب عَلَى الْوُلَاة مُشَاوَرَة الْعُلَمَاء فِيمَا لَا يَعْلَمُونَ , وَفِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ أُمُور الدِّين , وَوُجُوه الْجَيْش فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْحَرْبِ , وَوُجُوه النَّاس فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْمَصَالِحِ , وَوُجُوه الْكُتَّاب وَالْوُزَرَاء وَالْعُمَّال فِيمَا يَتَعَلَّق بِمَصَالِح الْبِلَاد وَعِمَارَتهَا . وَكَانَ يُقَال : مَا نَدِمَ مَنْ اِسْتَشَارَ . وَكَانَ يُقَال : مَنْ أُعْجِبَ بِرَأْيِهِ ضَلَّ .
قَوْله تَعَالَى : " وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر " يَدُلّ عَلَى جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي الْأُمُور وَالْأَخْذ بِالظُّنُونِ مَعَ إِمْكَان الْوَحْي ; فَإِنَّ اللَّه أَذِنَ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنَى الَّذِي أَمَرَ اللَّه نَبِيّه عَلَيْهِ السَّلَام أَنْ يُشَاوِر فِيهِ أَصْحَابه ; فَقَالَتْ طَائِفَة : ذَلِكَ فِي مَكَائِد الْحُرُوب , وَعِنْد لِقَاء الْعَدُوّ , وَتَطْيِيبًا لِنُفُوسِهِمْ , وَرَفْعًا لِأَقْدَارِهِمْ , وَتَأَلُّفًا عَلَى دِينهمْ , وَإِنْ كَانَ اللَّه تَعَالَى قَدْ أَغْنَاهُ عَنْ رَأْيهمْ بِوَحْيِهِ . رُوِيَ هَذَا عَنْ قَتَادَة وَالرَّبِيع وَابْن إِسْحَاق وَالشَّافِعِيّ . قَالَ الشَّافِعِيّ : هُوَ كَقَوْلِهِ ( وَالْبِكْر تُسْتَأْمَر ) تَطْيِبًا لِقَلْبِهَا ; لَا أَنَّهُ وَاجِب . وَقَالَ مُقَاتِل وَقَتَادَة وَالرَّبِيع : كَانَتْ سَادَات الْعَرَب إِذَا لَمْ يُشَاوَرُوا فِي الْأَمْر شَقَّ عَلَيْهِمْ : فَأَمَرَ اللَّه تَعَالَى ; نَبِيّه عَلَيْهِ السَّلَام أَنْ يُشَاوِرهُمْ فِي الْأَمْر : فَإِنَّ ذَلِكَ أَعْطَف لَهُمْ عَلَيْهِ وَأَذْهَب لِأَضْغَانِهِمْ , وَأَطْيَب لِنُفُوسِهِمْ . فَإِذَا شَاوَرَهُمْ عَرَفُوا إِكْرَامه لَهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : ذَلِكَ فِيمَا لَمْ يَأْتِهِ فِيهِ وَحْي . رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَالضَّحَّاك قَالَا : مَا أَمَرَ اللَّه تَعَالَى نَبِيّه بِالْمُشَاوَرَةِ لِحَاجَةٍ مِنْهُ إِلَى رَأْيهمْ , وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُعَلِّمهُمْ مَا فِي الْمُشَاوَرَة مِنْ الْفَضْل , وَلِتَقْتَدِيَ بِهِ أُمَّته مِنْ بَعْده . وَفِي قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس : " وَشَاوِرْهُمْ فِي بَعْض الْأَمْر " وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِل : شَاوِرْ صِدِّيقك فِي الْخَفِيّ الْمُشْكِلِ وَاقْبَلْ نَصِيحَة نَاصِح مُتَفَضِّلِ فَاَللَّهُ قَدْ أَوْصَى بِذَاكَ نَبِيَّهُ فِي قَوْله : ( شَاوِرْهُمُ ) و ( تَوَكَّلِ ) جَاءَ فِي مُصَنَّف أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمُسْتَشَار مُؤْتَمَن ) . قَالَ الْعُلَمَاء : وَصِفَة الْمُسْتَشَار إِنْ كَانَ فِي الْأَحْكَام أَنْ يَكُون عَالِمًا دَيِّنًا , وَقَلَّمَا يَكُون ذَلِكَ إِلَّا فِي عَاقِل . قَالَ الْحَسَن : مَا كَمُلَ دِين اِمْرِئٍ مَا لَمْ يَكْمُل عَقْله . فَإِذَا اُسْتُشِيرَ مَنْ هَذِهِ صِفَته وَاجْتَهَدَ فِي الصَّلَاح وَبَذَلَ جَهْده فَوَقَعَتْ الْإِشَارَة خَطَأ فَلَا غَرَامَة عَلَيْهِ ; قَالَهُ الْخَطَّابِيّ وَغَيْره .
وَصِفَة الْمُسْتَشَار فِي أُمُور الدُّنْيَا أَنْ يَكُون عَاقِلًا مُجَرِّبًا وَادًّا فِي الْمُسْتَشِير . قَالَ : شَاوِرْ صِدِّيقك فِي الْخَفِيّ الْمُشْكِل وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَقَالَ آخَر : وَإِنْ بَابُ أَمْرٍ عَلَيْك اِلْتَوَى فَشَاوِرْ لَبِيبًا وَلَا تَعْصِهِ فِي أَبْيَات . وَالشُّورَى بَرَكَة . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( مَا نَدِمَ مَنْ اِسْتَشَارَ وَلَا خَابَ مَنْ اِسْتَخَارَ ) . وَرَوَى سَهْل بْن سَعْد السَّاعِدِيّ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَا شَقِيَ قَطُّ عَبْد بِمَشُورَةٍ وَمَا سَعِدَ بِاسْتِغْنَاءِ رَأْيٍ ) . وَقَالَ بَعْضهمْ : شَاوِرْ مَنْ جَرَّبَ الْأُمُور ; فَإِنَّهُ يُعْطِيك مِنْ رَأْيه مَا وَقَعَ عَلَيْهِ غَالِيًا وَأَنْتَ تَأْخُذهُ مَجَّانًا . وَقَدْ جَعَلَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ الْخِلَافَة - وَهِيَ أَعْظَم النَّوَازِل - شُورَى . قَالَ الْبُخَارِيّ : وَكَانَتْ الْأَئِمَّة بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَشِيرُونَ الْأُمَنَاء مِنْ أَهْل الْعِلْم فِي الْأُمُور الْمُبَاحَة لِيَأْخُذُوا بِأَسْهَلِهَا . وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ : لِيَكُنْ أَهْل مَشُورَتك أَهْل التَّقْوَى وَالْأَمَانَة , وَمَنْ يَخْشَى اللَّه تَعَالَى . وَقَالَ الْحَسَن : وَاَللَّه مَا تَشَاوَرَ قَوْم بَيْنهمْ إِلَّا هَدَاهُمْ لِأَفْضَل مَا يَحْضُر بِهِمْ . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ قَوْم كَانَتْ لَهُمْ مَشُورَة فَحَضَرَ مَعَهُمْ مَنْ اِسْمه أَحْمَد أَوْ مُحَمَّد فَأَدْخَلُوهُ فِي مَشُورَتهمْ إِلَّا خِيرَ لَهُمْ ) .
وَالشُّورَى مَبْنِيَّة عَلَى اِخْتِلَاف الْآرَاء , وَالْمُسْتَشِير يَنْظُر فِي ذَلِكَ الْخِلَاف , وَيَنْظُر أَقْرَبهَا قَوْلًا إِلَى الْكِتَاب وَالسُّنَّة إِنْ أَمْكَنَهُ , فَإِذَا أَرْشَدَهُ اللَّه تَعَالَى إِلَى مَا شَاءَ مِنْهُ عَزَمَ عَلَيْهِ وَأَنْفَذه مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ , إِذْ هَذِهِ غَايَة الِاجْتِهَاد الْمَطْلُوب ; وَبِهَذَا أَمَرَ اللَّه تَعَالَى نَبِيّه فِي هَذِهِ الْآيَة .
{159} فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
قَالَ قَتَادَة : أَمَرَ اللَّه تَعَالَى نَبِيّه عَلَيْهِ السَّلَام إِذَا عَزَمَ عَلَى أَمْر أَنْ يَمْضِيَ فِيهِ وَيَتَوَكَّل عَلَى اللَّه , لَا عَلَى مُشَاوَرَتهمْ . وَالْعَزْم هُوَ الْأَمْر الْمُرَوَّى الْمُنَقَّح , وَلَيْسَ رُكُوب الرَّأْي دُون رَوِيَّة عَزْمًا , إِلَّا عَلَى مَقْطَع الْمُشِيحِينَ مِنْ فُتَّاك الْعَرَب ; كَمَا قَالَ : إِذَا هَمَّ أَلْقَى بَيْن عَيْنَيْهِ عَزْمَهُ وَنَكَّبَ عَنْ ذِكْر الْعَوَاقِب جَانِبَا وَلَمْ يَسْتَشِرْ فِي رَأْيه غَيْرَ نَفْسِهِ وَلَمْ يَرْضَ إِلَّا قَائِمَ السَّيْف صَاحِبَا وَقَالَ النَّقَّاش : الْعَزْم وَالْحَزْم وَاحِد , وَالْحَاء مُبْدَلَة مِنْ الْعَيْن . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا خَطَأ ; فَالْحَزْم جَوْدَة النَّظَر فِي الْأَمْر وَتَنْقِيحه وَالْحَذَر مِنْ الْخَطَأ فِيهِ . وَالْعَزْم قَصْد الْإِمْضَاء ; وَاَللَّه تَعَالَى يَقُول : " وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر فَإِذَا عَزَمْت " . فَالْمُشَاوَرَة وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا هُوَ الْحَزْم . وَالْعَرَب تَقُول : قَدْ أَحْزُمُ لَوْ أَعْزِمُ . وَقَرَأَ جَعْفَر الصَّادِق وَجَابِر بْن زَيْد : " فَإِذَا عَزَمْتُ " بِضَمِّ التَّاء . نَسَبَ الْعَزْم إِلَى نَفْسه سُبْحَانه إِذْ هُوَ بِهِدَايَتِهِ وَتَوْفِيقه ; كَمَا قَالَ : " وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّه رَمَى " [الْأَنْفَال : 17] . وَمَعْنَى الْكَلَام أَيْ عَزَمْت لَك وَوَفَّقْتُك وَأَرْشَدْتُك " فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه " . وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِ التَّاء . قَالَ الْمُهَلَّبُ : وَامْتَثَلَ هَذَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَمْر رَبّه فَقَالَ : ( لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ يَلْبَس لَأْمَته أَنْ يَضَعهَا حَتَّى يَحْكُم اللَّه ) . أَيْ لَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ إِذَا عَزَمَ أَنْ يَنْصَرِف ; لِأَنَّهُ نَقْض لِلتَّوَكُّلِ الَّذِي شَرَطَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مَعَ الْعَزِيمَة . فَلُبْسه لَأْمَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين أَشَارَ عَلَيْهِ بِالْخُرُوجِ يَوْم أُحُد مَنْ أَكْرَمَهُ اللَّه بِالشَّهَادَةِ فِيهِ , وَهُمْ صُلَحَاء الْمُؤْمِنِينَ مِمَّنْ كَانَ فَاتَتْهُ بَدْر : يَا رَسُول اللَّه اُخْرُجْ بِنَا إِلَى عَدُوّنَا ; دَالّ عَلَى الْعَزِيمَة . وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَارَ بِالْقُعُودِ , وَكَذَلِكَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ أَشَارَ بِذَلِكَ وَقَالَ : أَقِمْ يَا رَسُول اللَّه وَلَا تَخْرُج إِلَيْهِمْ بِالنَّاسِ , فَإِنْ هُمْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرِّ مَجْلِس , وَإِنْ جَاءُونَا إِلَى الْمَدِينَة قَاتَلْنَاهُمْ فِي الْأَفْنِيَة وَأَفْوَاه السِّكَك , وَرَمَاهُمْ النِّسَاء وَالصِّبْيَان بِالْحِجَارَةِ مِنْ الْآطَام , فَوَاَللَّهِ مَا حَارَبَنَا قَطُّ عَدُوّ فِي هَذِهِ الْمَدِينَة إِلَّا غَلَبْنَاهُ , وَلَا خَرَجْنَا مِنْهَا إِلَى عَدُوّ إِلَّا غَلَبْنَا . وَأَبَى هَذَا الرَّأْي مَنْ ذَكَرْنَا , وَشَجَّعُوا النَّاس وَدَعَوْا إِلَى الْحَرْب . فَصَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُمْعَة , وَدَخَلَ إِثْر صَلَاته بَيْته وَلَبِسَ سِلَاحه , فَنَدِمَ أُولَئِكَ الْقَوْم وَقَالُوا : أَكْرَهْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَلَمَّا خَرَجَ عَلَيْهِمْ فِي سِلَاحه قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , أَقِمْ إِنْ شِئْت فَإِنَّا لَا نُرِيد أَنْ نُكْرِهك , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ سِلَاحه أَنْ يَضَعهَا حَتَّى يُقَاتِل ) .
{159} فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
التَّوَكُّل : الِاعْتِمَاد عَلَى اللَّه مَعَ إِظْهَار الْعَجْز , وَالِاسْم التُّكْلَان . يُقَال مِنْهُ : اِتَّكَلْتُ عَلَيْهِ فِي أَمْرِي , وَأَصْله : " اِوْتَكَلْتُ " قُلِبَتْ الْوَاو يَاء لِانْكِسَارِ مَا قَبْلهَا , ثُمَّ أُبْدِلَتْ مِنْهَا التَّاء وَأُدْغِمَتْ فِي تَاء الِافْتِعَال . وَيُقَال : وَكَلْته بِأَمْرِي تَوْكِيلًا , وَالِاسْم الْوِكَالَة بِكَسْرِ الْوَاو وَفَتْحهَا . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي التَّوَكُّل ; فَقَالَتْ طَائِفَة مِنْ الْمُتَصَوِّفَة : لَا يَسْتَحِقّهُ إِلَّا مَنْ لَمْ يُخَالِط قَلْبه خَوْف غَيْر اللَّه مِنْ سَبُع أَوْ غَيْره , وَحَتَّى يَتْرُك السَّعْي فِي طَلَب الرِّزْق لِضَمَانِ اللَّه تَعَالَى . وَقَالَ عَامَّة الْفُقَهَاء : مَا تَقَدَّمَ ذِكْره عِنْد قَوْله تَعَالَى : " وَعَلَى اللَّه فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ " [آل عِمْرَان : 160] . وَهُوَ الصَّحِيح كَمَا بَيَّنَّاهُ . وَقَدْ خَافَ مُوسَى وَهَارُون بِإِخْبَارِ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمَا فِي قَوْله " لَا تَخَافَا " . وَقَالَ : " فَأَوْجَسَ فِي نَفْسه خِيفَة مُوسَى 0 قُلْنَا لَا تَخَفْ " [طَه : 67 - 68] . وَأَخْبَرَ عَنْ إِبْرَاهِيم بِقَوْلِهِ : " فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيهمْ لَا تَصِل إِلَيْهِ نَكِرهمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَة قَالُوا لَا تَخَفْ " [هُود : 70] . فَإِذَا كَانَ الْخَلِيل وَمُوسَى الْكَلِيم قَدْ خَافَا - وَحَسْبك بِهِمَا - فَغَيْرهمَا أَوْلَى . وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا الْمَعْنَى .
{160} إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
أَيْ عَلَيْهِ تَوَكَّلُوا فَإِنَّهُ إِنْ يُعِنْكُمْ وَيَمْنَعكُمْ مِنْ عَدُوّكُمْ لَنْ تُغْلَبُوا .
{160} إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
يَتْرُككُمْ مِنْ مَعُونَته .
{160} إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
أَيْ لَا يَنْصُركُمْ أَحَد مِنْ بَعْده , أَيْ مِنْ بَعْد خِذْلَانه إِيَّاكُمْ ; لِأَنَّهُ قَالَ : " وَإِنْ يَخْذُلكُمْ " وَالْخِذْلَان تَرْك الْعَوْن . وَالْمَخْذُول : الْمَتْرُوك لَا يُعْبَأ بِهِ . وَخَذَلَتْ الْوَحْشِيَّة أَقَامَتْ عَلَى وَلَدهَا فِي الْمَرْعَى وَتَرَكَتْ صَوَاحِبَاتهَا ; فَهِيَ خَذُول . قَالَ طَرَفَة : خَذُول تُرَاعِي رَبْرَبًا بِخَمِيلَةٍ تَنَاوَلُ أَطْرَافَ الْبَرِيرِ وَتَرْتَدِي وَقَالَ أَيْضًا : نَظَرَتْ إِلَيْك بِعَيْنِ جَارِيَة خَذَلَتْ صَوَاحِبهَا عَلَى طِفْل وَقِيلَ : هَذَا مِنْ الْمَقْلُوب ; لِأَنَّهَا هِيَ الْمَخْذُولَة إِذَا تُرِكَتْ . وَتَخَاذَلَتْ رِجْلَاهُ إِذَا ضَعُفَتَا . قَالَ : وَخَذُول الرِّجْل مِنْ غَيْر كَسْح وَرِجْل خُذَلَة لِلَّذِي لَا يَزَال يُخْذَل . وَاَللَّه أَعْلَم .
{161} وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
لَمَّا أَخَلَّ الرُّمَاة يَوْم أُحُد بِمَرَاكِزِهِمْ - عَلَى مَا تَقَدَّمَ - خَوْفًا مِنْ أَنْ يَسْتَوْلِي الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْغَنِيمَة فَلَا يُصْرَف إِلَيْهِمْ شَيْء , بَيَّنَ اللَّه سُبْحَانه أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَجُور فِي الْقِسْمَة ; فَمَا كَانَ مِنْ حَقّكُمْ أَنْ تَتَّهِمُوهُ . وَقَالَ الضَّحَّاك : بَلْ السَّبَب أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ طَلَائِع فِي بَعْض غَزَوَاته ثُمَّ غَنِمَ قَبْل مَجِيئُهُمْ ; فَقَسَمَ لِلنَّاسِ وَلَمْ يَقْسِم لِلطَّلَائِعِ ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ عِتَابًا : " وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ وَمَنْ يَغْلُلْ " أَيْ يَقْسِم لِبَعْضٍ وَيَتْرُك بَعْضًا . وَرُوِيَ نَحْو هَذَا الْقَوْل عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا وَعِكْرِمَة وَابْن جُبَيْر وَغَيْرهمْ : نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَطِيفَة حَمْرَاء فُقِدَتْ فِي الْمَغَانِم يَوْم بَدْر ; فَقَالَ بَعْض مَنْ كَانَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَعَلَّ أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا , فَنَزَلَتْ الْآيَة أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : قِيلَ كَانَتْ هَذِهِ الْمَقَالَة مِنْ مُؤْمِنِينَ لَمْ يَظُنُّوا أَنَّ فِي ذَلِكَ حَرَجًا . وَقِيلَ : كَانَتْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْمَفْقُود كَانَ سَيْفًا . وَهَذِهِ الْأَقْوَال تُخَرَّجُ عَلَى قِرَاءَة " يَغُلّ " بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّ الْغَيْن . وَرَوَى أَبُو صَخْر عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب " وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ " قَالَ : تَقُول وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكْتُم شَيْئًا مِنْ كِتَاب اللَّه . وَقِيلَ : اللَّام فِيهِ مَنْقُولَة , أَيْ وَمَا كَانَ نَبِيٌّ لِيَغُلّ ; كَقَوْلِهِ : " مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذ مِنْ وَلَد سُبْحَانه " [مَرْيَم : 35] . أَيْ مَا كَانَ اللَّه لِيَتَّخِذ وَلَدًا . وَقُرِئَ " يُغَلّ " بِضَمِّ الْيَاء وَفَتْح الْغَيْن . وَقَالَ اِبْن السِّكِّيت : لَمْ نَسْمَع فِي الْمَغْنَم إِلَّا غَلَّ غُلُولًا , وَقُرِئَ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ وَيُغَلّ . قَالَ : فَمَعْنَى " يَغُلّ " يَخُون , وَمَعْنَى " يُغَلَّ " يَخُون , وَيَحْتَمِل مَعْنَيَيْنِ : أَحَدهمَا يُخَان أَيْ يُؤْخَذ مِنْ غَنِيمَته , وَالْآخَر يَخُون أَنْ يُنْسَب إِلَى الْغُلُول : ثُمَّ قِيلَ : إِنَّ كُلّ مَنْ غَلَّ شَيْئًا فِي خَفَاء فَقَدْ غَلَّ يَغُلّ غُلُولًا : قَالَ اِبْن عَرَفَة : سُمِّيَتْ غُلُولًا لِأَنَّ الْأَيْدِي مَغْلُولَة مِنْهَا , أَيْ مَمْنُوعَة . وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : الْغُلُول مِنْ الْمَغْنَم خَاصَّة , وَلَا نَرَاهُ مِنْ الْخِيَانَة وَلَا مِنْ الْحِقْد . وَمِمَّا يُبَيِّن ذَلِكَ أَنَّهُ يُقَال مِنْ الْخِيَانَة : أَغَلَّ يُغِلّ , وَمِنْ الْحِقْد : غَلَّ يَغِلّ بِالْكَسْرِ , وَمِنْ الْغُلُول : غَلَّ يَغُلّ بِالضَّمِّ . وَغَلَّ الْبَعِير أَيْضًا يَغَلّ غَلَّة إِذَا لَمْ يَقْضِ رِيّه وَأَغَلَّ الرَّجُل خَانَ , قَالَ النَّمِر : جَزَى اللَّه عَنَّا حَمْزَة اِبْنَة نَوْفَل جَزَاء مُغِلٍّ بِالْأَمَانَةِ كَاذِب وَفِي الْحَدِيث : ( لَا إِغْلَال وَلَا إِسْلَال ) أَيْ لَا خِيَانَة وَلَا سَرِقَة , وَيُقَال : لَا رِشْوَة . وَقَالَ شُرَيْح : لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِير غَيْر الْمُغِلّ ضَمَان . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثَلَاث لَا يُغَلّ عَلَيْهِنَّ قَلْب مُؤْمِن ) مِنْ رَوَاهُ بِالْفَتْحِ فَهُوَ مِنْ الضَّغَن . وَغَلَّ دَخَلَ يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى ; يُقَال : غَلَّ فُلَان الْمَفَاوِز , أَيْ دَخَلَهَا وَتَوَسَّطَهَا . وَغَلَّ مِنْ الْمَغْنَم غُلُولًا , أَيْ خَانَ . وَغَلَّ الْمَاء بَيْنَ الْأَشْجَار إِذَا جَرَى فِيهَا ; يَغُلّ بِالضَّمِّ فِي جَمِيع ذَلِكَ . وَقِيلَ : الْغُلُول فِي اللُّغَة أَنْ يَأْخُذ مِنْ الْمَغْنَم شَيْئًا يَسْتُرهُ عَنْ أَصْحَابه ; وَمِنْهُ تَغَلْغَلَ الْمَاء فِي الشَّجَر إِذَا تَخَلَّلَهَا . وَالْغَلَل : الْمَاء الْجَارِي فِي أُصُول الشَّجَر , لِأَنَّهُ مُسْتَتِر بِالْأَشْجَارِ , كَمَا قَالَ : لَعِبَ السُّيُول بِهِ فَأَصْبَحَ مَاؤُهُ غَلَلًا يُقَطَّعُ فِي أُصُول الْخِرْوَع وَمِنْهُ الْغِلَالَة لِلثَّوْبِ الَّذِي يُلْبَس تَحْت الثِّيَاب . وَالْغَالّ : أَرْض مُطْمَئِنَّة ذَات شَجَر . وَمَنَابِت السَّلْم وَالطَّلْح يُقَال لَهَا : غَالّ . وَالْغَالّ أَيْضًا نَبْت , وَالْجَمْع غُلَّانِ بِالضَّمِّ . وَقَالَ بَعْض النَّاس : إِنَّ مَعْنَى " يَغُلّ " يُوجَد غَالًّا ; كَمَا تَقُول : أَحَمِدَتْ الرَّجُل وَجَدْته مَحْمُودًا . فَهَذِهِ الْقِرَاءَة عَلَى هَذَا التَّأْوِيل تَرْجِع إِلَى مَعْنَى " يَغُلّ " بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمَّ الْغَيْن . وَمَعْنَى " يَغُلّ " عِنْد جُمْهُور أَهْل الْعِلْم أَيْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَغُلّهُ , أَيْ يَخُونهُ فِي الْغَنِيمَة . فَالْآيَة فِي مَعْنَى نَهْي النَّاس عَنْ الْغُلُول فِي الْغَنَائِم , وَالتَّوَعُّد عَلَيْهِ . وَكَمَا لَا يَجُوز أَنْ يُخَان النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَجُوز أَنْ يُخَان غَيْره , وَلَكِنْ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْخِيَانَة مَعَهُ أَشَدّ وَقْعًا وَأَعْظَم وِزْرًا ; لِأَنَّ الْمَعَاصِي تَعْظُم بِحَضْرَتِهِ لِتَعَيُّنِ تَوْقِيره . وَالْوُلَاة إِنَّمَا هُمْ عَلَى أَمْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَهُمْ حَظّهمْ مِنْ التَّوْقِير . وَقِيلَ : مَعْنَى " يَغُلّ " أَيْ مَا غَلَّ نَبِيّ قَطُّ , وَلَيْسَ الْغَرَض النَّهْي .
{161} وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
أَيْ يَأْتِي بِهِ حَامِلًا لَهُ عَلَى ظَهْره وَرَقَبَته , مُعَذَّبًا بِحَمْلِهِ وَثِقَله , وَمَرْعُوبًا بِصَوْتِهِ , وَمُوَبَّخًا بِإِظْهَارِ خِيَانَته عَلَى رُءُوس الْأَشْهَاد ; عَلَى مَا يَأْتِي . وَهَذِهِ الْفَضِيحَة الَّتِي يُوقِعهَا اللَّه تَعَالَى بِالْغَالِّ نَظِير الْفَضِيحَة الَّتِي تُوقَع بِالْغَادِرِ , فِي أَنْ يُنْصَب لَهُ لِوَاء عِنْد اِسْته بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ . وَجَعَلَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْمُعَاقَبَات حَسْبَمَا يَعْهَدهُ الْبَشَر وَيَفْهَمُونَهُ ; أَلَا تَرَى إِلَى قَوْل الشَّاعِر : أَسُمَيُّ وَيْحَكِ هَلْ سَمِعْت بِغَدْرَةٍ رُفِعَ اللِّوَاء لَنَا بِهَا فِي الْمَجْمَع وَكَانَتْ الْعَرَب تَرْفَع لِلْغَادِرِ لِوَاء , وَكَذَلِكَ يُطَاف بِالْجَانِي مَعَ جِنَايَته . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات يَوْم فَذَكَرَ الْغُلُول فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْره ثُمَّ قَالَ : ( لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رَقَبَته بَعِير لَهُ رُغَاء يَقُول يَا رَسُول اللَّه أَغِثْنِي فَأَقُول لَا أَمْلِك لَك شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُك لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدكُمْ يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رَقَبَته فَرَس لَهُ حَمْحَمَة فَيَقُول يَا رَسُول اللَّه أَغِثْنِي فَأَقُول لَا أَمْلِك لَك شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُك لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدكُمْ يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رَقَبَته شَاة لَهَا ثُغَاء يَقُول يَا رَسُول اللَّه أَغِثْنِي فَأَقُول لَا أَمْلِك لَك شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُك لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدكُمْ يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رَقَبَته نَفْس لَهَا صِيَاح فَيَقُول يَا رَسُول اللَّه أَغِثْنِي فَأَقُول لَا أَمْلِك لَك شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُك لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدكُمْ يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رَقَبَته رِقَاع تَخْفِق فَيَقُول يَا رَسُول اللَّه أَغِثْنِي فَأَقُول لَا أَمْلِك لَك شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُك لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدكُمْ يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رَقَبَته صَامِت فَيَقُول يَا رَسُول اللَّه أَغِثْنِي فَأَقُول لَا أَمْلِك لَك شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُك ) وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ سَمُرَة بْن جُنْدُب قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَصَابَ غَنِيمَة أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاس فَيَجِيئُونَ بِغَنَائِمِهِمْ فَيُخَمِّسهُ وَيَقْسِمهُ , فَجَاءَ رَجُل يَوْمًا بَعْد النِّدَاء بِزِمَامِ مِنْ الشَّعْر فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه هَذَا كَانَ فِيمَا أَصَبْنَاهُ مِنْ الْغَنِيمَة . فَقَالَ : ( أَسْمَعْت بِلَالًا يُنَادِي ثَلَاثًا ) ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : ( فَمَا مَنَعَك أَنْ تَجِيء بِهِ ) ؟ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ . فَقَالَ : ( كَلَّا أَنْتَ تَجِيء بِهِ يَوْم الْقِيَامَة فَلَنْ أَقْبَلَهُ مِنْك ) . قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : أَرَادَ يُوَافِي بِوِزْرِ ذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة , كَمَا قَالَ فِي آيَة أُخْرَى : " وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارهمْ عَلَى ظُهُورهمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ " [الْأَنْعَام : 31] . وَقِيلَ : الْخَبَر مَحْمُول عَلَى شُهْرَة الْأَمْر ; أَيْ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة قَدْ شَهَرَ اللَّه أَمْره كَمَا يُشْهَر لَوْ حَمَلَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاء أَوْ فَرَسًا لَهُ حَمْحَمَة .
قُلْت : وَهَذَا عُدُول عَنْ الْحَقِيقَة إِلَى الْمَجَاز وَالتَّشْبِيه , وَإِذَا دَارَ الْكَلَام بَيْنَ الْحَقِيقَة وَالْمَجَاز فَالْحَقِيقَة الْأَصْل كَمَا فِي كُتُب الْأُصُول . وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِيقَةِ , وَلَا عِطْر بَعْد عَرُوس . وَيُقَال : إِنَّ مَنْ غَلَّ شَيْئًا فِي الدُّنْيَا يُمَثَّل لَهُ يَوْم الْقِيَامَة فِي النَّار , ثُمَّ يُقَال لَهُ : اِنْزِلْ إِلَيْهِ فَخُذْهُ , فَيَهْبِط إِلَيْهِ , فَإِذَا اِنْتَهَى إِلَيْهِ حَمَلَهُ , حَتَّى إِذَا اِنْتَهَى إِلَى الْبَاب سَقَطَ عَنْهُ إِلَى أَسْفَل جَهَنَّم , فَيَرْجِع إِلَيْهِ فَيَأْخُذهُ ; لَا يَزَال هَكَذَا إِلَى مَا شَاءَ اللَّه . وَيُقَال " يَأْتِ بِمَا غَلَّ " يَعْنِي تَشْهَد عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة تِلْكَ الْخِيَانَة وَالْغُلُول .
قَالَ الْعُلَمَاء : وَالْغُلُول كَبِيرَة مِنْ الْكَبَائِر ; بِدَلِيلِ هَذِهِ الْآيَة وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة : أَنَّهُ يَحْمِلهُ عَلَى عُنُقه . وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُدْعِم : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَة الَّتِي أَخَذَ يَوْم خَيْبَر مِنْ الْمَغَانِم لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِم لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا ) قَالَ : فَلَمَّا سَمِعَ النَّاس ذَلِكَ جَاءَ رَجُل بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( شِرَاك أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَار ) . أَخْرَجَهُ الْمُوَطَّأ . فَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ) وَامْتِنَاعه مِنْ الصَّلَاة عَلَى مَنْ غَلَّ دَلِيل عَلَى تَعْظِيم الْغُلُول وَتَعْظِيم الذَّنْب فِيهِ وَأَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِر , وَهُوَ مِنْ حُقُوق الْآدَمِيِّينَ وَلَا بُدّ فِيهِ مِنْ الْقِصَاص بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَات , ثُمَّ صَاحِبه فِي الْمَشِيئَة . وَقَوْله : ( شِرَاك أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَار ) مِثْل قَوْله : ( أَدُّوا الْخِيَاط وَالْمِخْيَط ) . وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْقَلِيل وَالْكَثِير لَا يَحِلّ أَخْذه فِي الْغَزْو قَبْل الْمَقَاسِم , إِلَّا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ أَكْل الْمَطَاعِم فِي أَرْض الْغَزْو وَمِنْ الِاحْتِطَاب وَالِاصْطِيَاد . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّهُ قَالَ : لَا يُؤْخَذ الطَّعَام فِي أَرْض الْعَدُوّ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَام . وَهَذَا لَا أَصْل لَهُ ; لِأَنَّ الْآثَار تُخَالِفهُ , عَلَى مَا يَأْتِي . قَالَ الْحَسَن : كَانَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اِفْتَتَحُوا الْمَدِينَة أَوْ الْحِصْن أَكَلُوا مِنْ السَّوِيق وَالدَّقِيق وَالسَّمْن وَالْعَسَل . وَقَالَ إِبْرَاهِيم : كَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْ أَرْض الْعَدُوّ الطَّعَام فِي أَرْض الْحَرْب وَيَعْلِفُونَ قَبْل أَنْ يُخَمِّسُوا . وَقَالَ عَطَاء : فِي الْغُزَاة يَكُونُونَ فِي السَّرِيَّة فَيُصِيبُونَ أَنْحَاء السَّمْن وَالْعَسَل وَالطَّعَام فَيَأْكُلُونَ , وَمَا بَقِيَ رَدُّوهُ إِلَى إِمَامهمْ ; وَعَلَى هَذَا جَمَاعَة الْعُلَمَاء .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّ الْغَالّ لَا يُحَرَّق مَتَاعه ; لِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُحَرِّق مَتَاع الرَّجُل الَّذِي أَخَذَ الشَّمْلَة , وَلَا أَحْرَقَ مَتَاع صَاحِب الْخَرَزَات الَّذِي تَرَكَ الصَّلَاة عَلَيْهِ , وَلَوْ كَانَ حَرْق مَتَاعه وَاجِبًا لَفَعَلَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَوْ فَعَلَهُ لَنُقِلَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيث . وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا وَجَدْتُمْ الرَّجُل قَدْ غَلَّ فَأَحْرِقُوا مَتَاعه وَاضْرِبُوهُ ) . فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث صَالِح بْن مُحَمَّد بْن زَائِدَة , وَهُوَ ضَعِيف لَا يُحْتَجّ بِهِ . قَالَ التِّرْمِذِيّ : سَأَلْت مُحَمَّدًا - يَعْنِي الْبُخَارِيّ - عَنْ هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ : إِنَّمَا رَوَى هَذَا صَالِح بْن مُحَمَّد وَهُوَ أَبُو وَاقِد اللَّيْثِيّ وَهُوَ مُنْكَر الْحَدِيث . وَرَوَى أَبُو دَاوُد أَيْضًا عَنْهُ قَالَ : غَزَوْنَا مَعَ الْوَلِيد بْن هِشَام وَمَعَنَا سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز , فَغَلَّ رَجُل مَتَاعًا فَأَمَرَ الْوَلِيد بِمَتَاعِهِ فَأُحْرِقَ , وَطِيفَ بِهِ وَلَمْ يُعْطِهِ سَهْمه . قَالَ أَبُو دَاوُد : وَهَذَا أَصَحّ الْحَدِيثَيْنِ . وَرُوِيَ مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْر وَعُمَر حَرَّقُوا مَتَاع الْغَالّ وَضَرَبُوهُ . قَالَ أَبُو دَاوُد : وَزَادَ فِيهِ عَلِيّ بْن بَحْر عَنْ الْوَلِيد - وَلَمْ أَسْمَعهُ مِنْهُ - : وَمَنَعُوهُ سَهْمه . قَالَ أَبُو عُمَر : قَالَ بَعْض رُوَاة هَذَا الْحَدِيث : وَاضْرِبُوا عُنُقه وَأَحْرِقُوا مَتَاعه . وَهَذَا الْحَدِيث يَدُور عَلَى صَالِح بْن مُحَمَّد وَلَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَجّ بِهِ . وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( لَا يَحِلّ دَم اِمْرِئِ مُسْلِم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث ) وَهُوَ يَنْفِي الْقَتْل فِي الْغُلُول . وَرَوَى اِبْن جُرَيْج عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَيْسَ عَلَى الْخَائِن وَلَا عَلَى الْمُنْتَهِب وَلَا عَلَى الْمُخْتَلِس قَطْع ) . وَهَذَا يُعَارِض حَدِيث صَالِح بْن مُحَمَّد وَهُوَ أَقْوَى مِنْ جِهَة الْإِسْنَاد . وَالْغَالّ خَائِن فِي اللُّغَة وَالشَّرِيعَة وَإِذَا اِنْتَفَى عَنْهُ الْقَطْع فَأَحْرَى الْقَتْل . وَقَالَ الطَّحَاوِيّ : لَوْ صَحَّ حَدِيث صَالِح الْمَذْكُور اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون حِين كَانَتْ الْعُقُوبَات فِي الْأَمْوَال ; كَمَا قَالَ فِي مَانِع الزَّكَاة : ( إِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْر مَاله , عَزْمَة مِنْ عَزَمَات اللَّه تَعَالَى ) . وَكَمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فِي ضَالَّة الْإِبِل الْمَكْتُومَة : فِيهَا غَرَامَتهَا وَمِثْله مَعَهَا . وَكَمَا رَوَى عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص فِي الثَّمَر الْمُعَلَّق غَرَامَة مِثْلَيْهِ وَجَلْدَات نَكَال وَهَذَا كُلّه مَنْسُوخ , وَاَللَّه أَعْلَم .
فَإِذَا غَلَّ الرَّجُل فِي الْمَغْنَم وَوُجِدَ أُخِذَ مِنْهُ , وَأُدِّبَ وَعُوقِبَ بِالتَّعْزِيرِ . وَعِنْد مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابهمْ وَاللَّيْث : لَا يُحَرَّق مَتَاعه . وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَاللَّيْث ودَاوُد : إِنْ كَانَ عَالِمًا بِالنَّهْيِ عُوقِبَ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ : يُحَرَّق مَتَاع الْغَالّ كُلّه إِلَّا سِلَاحه وَثِيَابه الَّتِي عَلَيْهِ وَسَرْجه , وَلَا تُنْزَع مِنْهُ دَابَّته , وَلَا يُحْرَق الشَّيْء الَّذِي غَلَّ . وَهَذَا قَوْل أَحْمَد وَإِسْحَاق , وَقَالَهُ الْحَسَن , إِلَّا أَنْ يَكُون حَيَوَانًا أَوْ مُصْحَفًا . وَقَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْر وَعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ضَرَبَا الْغَالّ وَأَحْرَقَا مَتَاعه . قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَمِمَّنْ قَالَ يُحَرَّق رَحْل الْغَالّ وَمَتَاعه مَكْحُول وَسَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيز . وَحُجَّة مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا حَدِيث صَالِح الْمَذْكُور . وَهُوَ عِنْدنَا حَدِيث لَا يَجِب بِهِ اِنْتَهَاك حُرْمَة , وَلَا إِنْفَاذ حُكْم ; لِمَا يُعَارِضُهُ مِنْ الْآثَار الَّتِي هِيَ أَقْوَى مِنْهُ . وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِك وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَة أَصَحّ مِنْ جِهَة النَّظَر وَصَحِيح الْأَثَر . وَاَللَّه أَعْلَم .
لَمْ يَخْتَلِف مَذْهَب مَالِك فِي الْعُقُوبَة عَلَى الْبَدَن , فَأَمَّا فِي الْمَال فَقَالَ فِي الذِّمِّيّ يَبِيع الْخَمْر مِنْ الْمُسْلِم : تُرَاق الْخَمْر عَلَى الْمُسْلِم , وَيُنْزَع الثَّمَن مِنْ الذِّمِّيّ عُقُوبَة لَهُ ; لِئَلَّا يَبِيع الْخَمْر مِنْ الْمُسْلِمِينَ . فَعَلَى هَذَا يَجُوز أَنْ يُقَال : تَجُوز الْعُقُوبَة فِي الْمَال . وَقَدْ أَرَاقَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَبَنًا شِيبَ بِمَاءٍ .
أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ لِلْغَالِّ أَنْ يَرُدّ جَمِيع مَا غَلَّ إِلَى صَاحِب الْمَقَاسِم قَبْل أَنْ يَفْتَرِق النَّاس إِنْ وَجَدَ السَّبِيل إِلَى ذَلِكَ , وَإِنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَهِيَ تَوْبَة لَهُ , وَخُرُوج عَنْ ذَنْبه . وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَفْعَل بِهِ إِذَا اِفْتَرَقَ أَهْل الْعَسْكَر وَلَمْ يَصِل إِلَيْهِ ; فَقَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم : يَدْفَع إِلَى الْإِمَام خُمُسه وَيَتَصَدَّق بِالْبَاقِي . هَذَا مَذْهَب الزُّهْرِيّ وَمَالِك وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَالثَّوْرِيّ ; وَرُوِيَ عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت وَمُعَاوِيَة وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ . وَهُوَ يُشْبِه مَذْهَب اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس ; لِأَنَّهُمَا كَانَا يَرَيَانِ أَنْ يُتَصَدَّق بِالْمَالِ الَّذِي لَا يُعْرَف صَاحِبه ; وَهُوَ مَذْهَب أَحْمَد بْن حَنْبَل . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَيْسَ لَهُ الصَّدَقَة بِمَالِ غَيْره . قَالَ أَبُو عُمَر : فَهَذَا عِنْدِي فِيمَا يُمْكِن وُجُود صَاحِبه وَالْوُصُول إِلَيْهِ أَوْ إِلَى وَرَثَته , وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْء مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الشَّافِعِيّ لَا يَكْرَه الصَّدَقَة حِينَئِذٍ إِنْ شَاءَ اللَّه . وَقَدْ أَجْمَعُوا فِي اللُّقَطَة عَلَى جَوَاز الصَّدَقَة بِهَا بَعْد التَّعْرِيف لَهَا وَانْقِطَاع صَاحِبهَا , وَجَعَلُوهُ إِذَا جَاءَ - مُخَيَّرًا بَيْن الْأَجْر وَالضَّمَان , وَكَذَلِكَ الْمَغْصُوب . وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق . وَفِي تَغْرِيم الْغُلُول دَلِيل عَلَى اِشْتَرَاك الْغَانِمِينَ فِي الْغَنِيمَة , فَلَا يَحِلّ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَأْثِر بِشَيْءٍ مِنْهَا دُون الْآخَر ; فَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا مِنْهَا أُدِّبَ اِتِّفَاقًا , عَلَى مَا تَقَدَّمَ .
وَإِنْ وَطِئَ جَارِيَة أَوْ سَرَقَ نِصَابًا فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي إِقَامَة الْحَدّ عَلَيْهِ ; فَرَأَى جَمَاعَة أَنَّهُ لَا قَطْع عَلَيْهِ .
وَمِنْ الْغُلُول هَدَايَا الْعُمَّال , وَحُكْمه فِي الْفَضِيحَة فِي الْآخِرَة حُكْم الْغَالّ . رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنه وَمُسْلِم فِي صَحِيحه عَنْ أَبِي حُمَيْد السَّاعِدِيّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ الْأَزْد يُقَال لَهُ اِبْن اللُّتْبِيَّة قَالَ اِبْن السَّرْح اِبْن الْأُتْبِيَّة عَلَى الصَّدَقَة , فَجَاءَ فَقَالَ : هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي . فَقَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَر فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ : ( مَا بَال الْعَامِل نَبْعَثهُ فَيَجِيء فَيَقُول هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي أَلَا جَلَسَ فِي بَيْت أُمّه أَوْ أَبِيهِ فَيَنْظُر أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا , لَا يَأْتِي أَحَد مِنْكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة إِنْ كَانَ بَعِيرًا فَلَهُ رُغَاء وَإِنْ كَانَتْ بَقَرَة فَلَهَا خُوَار أَوْ شَاة تَيْعَر ) - ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ ثُمَّ قَالَ : - ( اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْت اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْت ) . وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ بُرَيْدَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ اِسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَل فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا فَمَا أَخَذَ بَعْد ذَلِكَ فَهُوَ غُلُول ) . وَرَوَى أَيْضًا عَنْ أَبِي مَسْعُود الْأَنْصَارِيّ قَالَ : بَعَثَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاعِيًا ثُمَّ قَالَ : ( اِنْطَلِقْ أَبَا مَسْعُود وَلَا أُلْفِيَنَّك يَوْم الْقِيَامَة تَأْتِي عَلَى ظَهْرك بَعِير مِنْ إِبِل الصَّدَقَة لَهُ رُغَاء قَدْ غَلَلْته ) . قَالَ : إِذًا لَا أَنْطَلِق . قَالَ : ( إِذًا لَا أُكْرِهك ) . وَقَدْ قَيَّدَ هَذِهِ الْأَحَادِيث مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا عَنْ الْمُسْتَوْرِد بْن شَدَّاد قَالَ : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( مَنْ كَانَ لَنَا عَامِلًا فَلْيَكْتَسِبْ زَوْجَة فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِم فَلْيَكْتَسِبْ خَادِمًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَن فَلْيَكْتَسِبْ مَسْكَنًا ) . قَالَ فَقَالَ أَبُو بَكْر : أُخْبِرْت أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ اِتَّخَذَ غَيْر ذَلِكَ فَهُوَ غَالٌّ سَارِق ) . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَمِنْ الْغُلُول حَبْس الْكُتُب عَنْ أَصْحَابهَا , وَيَدْخُل غَيْرهَا فِي مَعْنَاهَا . قَالَ الزُّهْرِيّ : إِيَّاكَ وَغُلُول الْكُتُب . فَقِيلَ لَهُ : وَمَا غُلُول الْكُتُب ؟ قَالَ : حَبْسهَا عَنْ أَصْحَابهَا . وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : " وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ " أَنْ يَكْتُم شَيْئًا مِنْ الْوَحْي رَغْبَة أَوْ رَهْبَة أَوْ مُدَاهَنَة . وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ مَا فِي الْقُرْآن مِنْ عَيْب دِينهمْ وَسَبّ آلِهَتهمْ , فَسَأَلُوهُ أَنْ يَطْوِي ذَلِكَ ; فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة ; قَالَهُ مُحَمَّد بْن بَشَّار . وَمَا بَدَأْنَا بِهِ قَوْل الْجُمْهُور .
{161} وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
وَفِي هَذِهِ الْآيَة نَصّ عَلَى أَنَّ الثَّوَاب وَالْعِقَاب مُتَعَلِّق بِكَسْبِ الْأَعْمَال , وَهُوَ رَدّ عَلَى الْجَبْرِيَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ .
{162} أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
يُرِيد بِتَرْكِ الْغُلُول وَالصَّبْر عَلَى الْجِهَاد .
{162} أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
يُرِيد بِكُفْرٍ أَوْ غُلُول أَوْ تَوَلٍّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَرْب .
{162} أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
أَيْ مَثْوَاهُ النَّار , أَيْ إِنْ لَمْ يَتُبْ أَوْ يَعْفُو اللَّه عَنْهُ .
{162} أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
أَيْ الْمَرْجِع . وَقُرِئَ رِضْوَان بِكَسْرِ الرَّاء وَضَمّهَا كَالْعُدْوَانِ وَالْعِدْوَان .
{163} هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
أَيْ لَيْسَ مَنْ اِتَّبَعَ رِضْوَان اللَّه كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْهُ . قِيلَ : " هُمْ دَرَجَات " مُتَفَاوِتَة , أَيْ هُمْ مُخْتَلِفُو الْمَنَازِل عِنْد اللَّه ; فَلِمَنْ اِتَّبَعَ رِضْوَانه الْكَرَامَة وَالثَّوَاب الْعَظِيم , وَلِمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْهُ الْمَهَانَة وَالْعَذَاب الْأَلِيم . وَمَعْنَى " هُمْ دَرَجَات " - أَيْ ذَوُو دَرَجَات . أَوْ عَلَى دَرَجَات , أَوْ فِي دَرَجَات , أَوْ لَهُمْ دَرَجَات . وَأَهْل النَّار أَيْضًا ذَوُو دَرَجَات ; كَمَا قَالَ : ( وَجَدْته فِي غَمَرَات مِنْ النَّار فَأَخْرَجْته إِلَى ضَحْضَاح ) . فَالْمُؤْمِن وَالْكَافِر لَا يَسْتَوِيَانِ فِي الدَّرَجَة ; ثُمَّ الْمُؤْمِنُونَ يَخْتَلِفُونَ أَيْضًا , فَبَعْضهمْ أَرْفَع دَرَجَة مِنْ بَعْض , وَكَذَلِكَ الْكُفَّار . وَالدَّرَجَة الرُّتْبَة , وَمِنْ الدَّرَج ; لِأَنَّهُ يُطْوَى رُتْبَة بَعْد رُتْبَة . وَالْأَشْهَر فِي مَنَازِل جَهَنَّم دَرَكَات ; كَمَا قَالَ : " إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْك الْأَسْفَل مِنْ النَّار " [النِّسَاء : 145] فَلِمَنْ لَمْ يَغُلّ دَرَجَات فِي الْجَنَّة , وَلِمَنْ غَلَّ دَرَكَات فِي النَّار . قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : جَهَنَّم أَدْرَاك , أَيْ مَنَازِل ; يُقَال لِكُلِّ مَنْزِل مِنْهَا : دَرَك وَدَرْك . وَالدَّرْك إِلَى أَسْفَل , وَالدَّرَج إِلَى أَعْلَى .
{164} لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ
بَيَّنَ اللَّه تَعَالَى عَظِيم مِنَّته عَلَيْهِمْ بِبَعْثِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالْمَعْنَى فِي الْمِنَّة فِيهِ أَقْوَال : مِنْهَا أَنْ يَكُون مَعْنَى " مِنْ أَنْفُسكُمْ " أَيْ بَشَر مِثْلهمْ . فَلَمَّا أَظْهَر الْبَرَاهِين وَهُوَ بَشَر مِثْلهمْ عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ عِنْد اللَّه . وَقِيلَ : " مِنْ أَنْفُسهمْ " مِنْهُمْ . فَشَرُفُوا بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَكَانَتْ تِلْكَ الْمِنَّة . وَقِيلَ : " مِنْ أَنْفُسهمْ " لِيَعْرِفُوا حَاله وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِمْ طَرِيقَته . وَإِذَا كَانَ مَحَلّه فِيهِمْ هَذَا كَانُوا أَحَقّ بِأَنْ يُقَاتِلُوا عَنْهُ وَلَا يَنْهَزِمُوا دُونه . وَقُرِئَ فِي الشَّوَاذّ " مِنْ أَنْفَسِهِمْ " ( بِفَتْحِ الْفَاء ) يَعْنِي مِنْ أَشْرَفهمْ ; لِأَنَّهُ مِنْ بَنِي هَاشِم , وَبَنُو هَاشِم أَفْضَل مِنْ قُرَيْش , وَقُرَيْش أَفْضَل مِنْ الْعَرَب , وَالْعَرَب أَفْضَل مِنْ غَيْرهمْ . ثُمَّ قِيلَ : لَفْظ الْمُؤْمِنِينَ عَامّ وَمَعْنَاهُ خَاصّ فِي الْعَرَب ; لِأَنَّهُ لَيْسَ حَيّ مِنْ أَحْيَاء الْعَرَب إِلَّا وَقَدْ وَلَدَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَهُمْ فِيهِ نَسَب ; إِلَّا بَنِي تَغْلِب فَإِنَّهُمْ كَانُوا نَصَارَى فَطَهَّرَهُ اللَّه مِنْ دَنَس النَّصْرَانِيَّة . وَبَيَان هَذَا التَّأْوِيل قَوْله تَعَالَى : " هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ " [الْجُمْعَة : 2] . وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْغَنِيّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الْبَصْرِيّ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَلِيّ بْن سَعِيد الْقَاضِي أَبُو بَكْر الْمَرْوَزِيّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن مَعِين حَدَّثَنَا هِشَام بْن يُوسُف عَنْ عَبْد اللَّه بْن سُلَيْمَان النَّوْفَلِيّ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا : " لَقَدْ مَنَّ اللَّه عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسهمْ " قَالَتْ : هَذِهِ لِلْعَرَبِ خَاصَّة . وَقَالَ آخَرُونَ : أَرَادَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ كُلّهمْ . وَمَعْنَى " مِنْ أَنْفُسهمْ " أَنَّهُ وَاحِد مِنْهُمْ وَبَشَر وَمِثْلهمْ , وَإِنَّمَا اِمْتَازَ عَنْهُمْ بِالْوَحْيِ ; وَهُوَ مَعْنَى قَوْله " لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُول مِنْ أَنْفُسكُمْ " [التَّوْبَة : 128] وَخَصَّ الْمُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ الْمُنْتَفِعُونَ بِهِ , فَالْمِنَّة عَلَيْهِمْ أَعْظَم .
{164} لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ
" يَتْلُو " فِي مَوْضِع نَصْب نَعْت لِرَسُولٍ , وَمَعْنَاهُ يَقْرَأ . وَالتِّلَاوَة الْقِرَاءَة .
{164} لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ
" الْكِتَاب " الْقُرْآن و " الْحِكْمَة " الْمَعْرِفَة بِالدِّينِ , وَالْفِقْه فِي التَّأْوِيل , وَالْفَهْم الَّذِي هُوَ سَجِيَّة وَنُور مِنْ اللَّه تَعَالَى ; قَالَ مَالِك , وَرَوَاهُ عَنْهُ اِبْن وَهْب , وَقَالَ اِبْن زَيْد . وَقَالَ قَتَادَة : " الْحِكْمَة " السُّنَّة وَبَيَان الشَّرَائِع . وَقِيلَ : الْحُكْم وَالْقَضَاء خَاصَّة ; وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب . وَنَسَبَ التَّعْلِيم إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَيْثُ هُوَ يُعْطِي الْأُمُور الَّتِي يَنْظُر فِيهَا , وَيَعْلَم طَرِيق النَّظَر بِمَا يُلْقِيه اللَّه إِلَيْهِ مِنْ وَحْيه .
{164} لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ
أَيْ وَلَقَدْ كَانُوا مِنْ قَبْل , أَيْ مِنْ قَبْل مُحَمَّد , وَقِيلَ : " إِنْ " بِمَعْنَى مَا , وَاللَّام فِي الْخَبَر بِمَعْنَى إِلَّا . أَيْ وَمَا كَانُوا مِنْ قَبْل إِلَّا فِي ضَلَال مُبِين . وَمِثْله " وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْله لِمَنْ الضَّالِّينَ " [الْبَقَرَة : 198] أَيْ وَمَا كُنْتُمْ مِنْ قَبْله إِلَّا مِنْ الضَّالِّينَ . وَهَذَا مَذْهَب الْكُوفِيِّينَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة .
{165} أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
" الْأَلِف لِلِاسْتِفْهَامِ , وَالْوَاو لِلْعَطْفِ . " مُصِيبَة " أَيْ غَلَبَة .
{165} أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
يَوْم بَدْر بِأَنْ قَتَلْتُمْ مِنْهُمْ سَبْعِينَ وَأَسَرْتُمْ سَبْعِينَ . وَالْأَسِير فِي حُكْم الْمَقْتُول ; لِأَنَّ الْآسِر يَقْتُل أَسِيرهُ إِنْ أَرَادَ . أَيْ فَهَزَمْتُمُوهُمْ يَوْم بَدْر وَيَوْم أُحُد أَيْضًا فِي الِابْتِدَاء , وَقَتَلْتُمْ فِيهِ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ , قَتَلْتُمْ مِنْهُمْ فِي يَوْمَيْنِ , وَنَالُوا مِنْكُمْ فِي يَوْم أُحُد . " قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا " أَيْ مِنْ أَيْنَ أَصَابَنَا هَذَا الِانْهِزَام وَالْقَتْل , وَنَحْنُ نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه , وَنَحْنُ مُسْلِمُونَ , وَفِينَا النَّبِيّ وَالْوَحْي , وَهُمْ مُشْرِكُونَ .
{165} أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
يَعْنِي مُخَالَفَة الرُّمَاة . وَمَا مِنْ قَوْم أَطَاعُوا نَبِيّهمْ فِي حَرْب إِلَّا نُصِرُوا ; لِأَنَّهُمْ إِذَا أَطَاعُوا فَهُمْ حِزْب اللَّه , وَحِزْب اللَّه هُمْ الْغَالِبُونَ . وَقَالَ قَتَادَة وَالرَّبِيع بْن أَنَس : يَعْنِي سُؤَالهمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَخْرُج بَعْد مَا أَرَادَ الْإِقَامَة بِالْمَدِينَةِ . وَتَأَوَّلَهَا فِي الرُّؤْيَا الَّتِي رَآهَا دِرْعًا حَصِينَة . عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : هُوَ اِخْتِيَارهمْ الْفِدَاء يَوْم بَدْر عَلَى الْقَتْل . وَقَدْ قِيلَ لَهُمْ : إِنْ فَادَيْتُمْ الْأُسَارَى قُتِلَ مِنْكُمْ عَلَى عِدَّتهمْ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأُسَارَى يَوْم بَدْر : ( إِنْ شِئْتُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ فَادَيْتُمُوهُمْ وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِالْفِدَاءِ وَاسْتُشْهِدَ مِنْكُمْ بِعِدَّتِهِمْ ) . فَكَانَ آخِر السَّبْعِينَ ثَابِت بْن قَيْس قُتِلَ يَوْم الْيَمَامَة . فَمَعْنَى " مِنْ عِنْد أَنْفُسكُمْ " عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ بِذُنُوبِكُمْ . وَعَلَى الْقَوْل الْأَخِير بِاخْتِيَارِكُمْ .
المراجع
quran.al-islam.com/Page.aspx?pageid=221&BookID=11&Page=1موسوعه الاسلام
التصانيف
تصنيف :تفسير القران الكريم
login |