حدَّثني صديقٌ لي أنه يَعرِف شخصًا سَعَى لجمع ثروةٍ طائلةٍ من الحرام، ثم بعد سنينَ طويلةٍ مَرِض هذا الشخص، وأخبره الأطبَّاء أنه سيموت بمرضه هذا، فكان يتوسَّل إلى عائلته، ويُلِحُّ عليهم أن يأتوا بكل المال الذي جمعه بالحرام، ويحرِقوه أمام عينيه ليرتاح، ولكن هَيْهَات، إنه يطلب ذلك بعد فوات الأوان، وهم بالطبع لم ولن يفعلوا ذلك، فمات الرجل بتلك الحسرة الكبيرة، لقد كان في الأمر فسحة، والفرصة قائمة له حين كان يتمتع بالقوة لتصحيح الموقف قبل فوات الأوان، أما الآن فلا
إن الفخَّ الذي يقع الكثير منا فيه، أننا نبدأ بدورٍ كبيرٍ، ونتبنَّى عقيدة عظيمة، ونَسِير في شرع الله العلي الكبير مستأنِسين بما نقدِّم لله - سبحانه وتعالى- ولكن في مرحلة معينة يَلتَبِس علينا الأمر، ومن غير أن نَشعُر نَجْنَح عن الطريق القويم، فنَسِير في طريق آخر، هو طريق الهَلَكة، فيكون شغلُنا من أجل فُتَات الدنيا باسم الدين، وهذا النوع من السَّعْيِ هو من أخطر الأنواع وأشدِّها حسابًا يوم القيامة.
عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( إن أوَّل الناس يُقْضَى يوم القيامة عليه: رجلٌ استشهد، فأُتِي به فعرَّفه نعمَه فعَرَفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استشهدتُ، قال: كذبتَ، ولكنك قاتلتَ؛ لأن يُقالَ: جَرِيء، فقد قيل، ثم أُمِر به، فسُحِب على وجهه حتى أُلْقِي في النار، ورجلٌ تعلَّم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأُتِي به فعرَّفه نعمَه فعَرَفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلَّمتُ العلم وعلَّمتُه، وقرأتُ فيك القرآن، قال: كذبتَ، ولكنك تعلَّمتَ العلم؛ ليُقال: عالمٌ، وقرأتَ القرآن؛ ليقال: هو قارِئٌ، فقد قيل، ثم أُمِر به، فسُحِب على وجهه حتى أُلْقِي في النار، ورجلٌ وسَّع الله عليه، وأعطاه من أصنافِ المالِ كلِّه، فأُتِي به فعرَّفه نعمَه فعَرَفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تُحِبُّ أن يُنفَق فيها إلا أنفقتُ فيها لك، قال: كذبتَ، ولكنك فعلتَ؛ ليُقال: هو جَوَادٌ، فقد قيل، ثم أُمِر به، فسُحِب على وجهِه، ثم أُلْقِي في النار) (3).
فالنماذج واضحةٌ: مجاهدٌ، وعالمٌ، ومُنفِق، وكلُّهم يَزعُم أنه في سبيل الله تعالى، وحين يَزعُم أناسٌ أنهم إنما يعمَلون أعمالَهم في سبيل الله، فإن ذلك قد يَنطَلِي على بشرٍ ضعيفٍ قاصرِ العقل والتفكير من أمثالنا، ولكنه حاشا أن يَنطَلِي على خالقِ الخلق - تبارك وتعالى - فالتقويمُ ومراجعة الذات بشكل مستمرٍّ في هذا الباب تحديدًا وسيلةٌ مهمَّةٌ لحسنِ الاستثمار الإيماني.
بعد هذا الاستغراق في تِبيانِ سَعْيِ الناس لتنمية موارِدِهم المختَلِفة - وخصوصًا رؤوس أموالهم - نَخلُص إلى حقيقةٍ سيصل لها جميعُنا يومًا ما، سيصل لها الصغير حين يُرَدُّ إلى أرذل العمر، ويصل لها الصحيح حين يُنْهِك أعضاءَه المرضُ، ويَصِل إليها الغَنِي حين يَدْهَمُه هادمُ اللَّذَّات - الموت - والعاقل مَن يصل إلى هذه الحقيقة من ذاته، مستعينًا بالله - تعالى - مستخدمًا عقلَه، متفكِّرًا بآيات الله، متدبِّرًا تجارِب الحياة التي مرَّ بها، ومستفيدًا من تجارب الآخرين.
عند ذلك سيكون الاستثمار الحقيقي والأمثل في تنمية الإيمان الذي وضعه الله تعالى في قلوبنا، فحين نَقتَنِع بالأدلة الدامغة أنَّ "إيماني هو رأس مالي"، فإننا سنَسْعَى بكل ما يتوفَّر من الأدوات والمهارات التي نَمتَلِكها لتنمية هذا الإيمان؛ لأنه الرصيد الباقي والنافع في خاتمة حياتنا.
وهذه الحقيقة وجدناها في بعض الرؤى - والرؤيا يستأنَس بها، ولا يستَدلُّ بها - التي رُئي فيها بعض الصالحين بعد وفاته، فحين كان يُسأل: ما الذي نَفَعك؟ قال: رُكَيعَات كنا نقوم بها في جوف الليل، فبمثل هذه الأعمال يستحصل الفوز.
وهذا الفهم لا يَعْنِي أننا ننسَى حظوظنا في هذه الدنيا، فقد أعطانا الله تعالى الرخصةَ في تحسين وضعِنا المادي بكل الاتجاهات، ولكنَّ الأصل أن يكون هذا السعيُ من أجل الهدف الأسمى، بمعنى أننا نستخدِم هذا الحال الجيِّد في الدنيا لاستثمارِ رأس المال الحقيقي، وهو الإيمان، وبذلك يكون المال وسيلةً للوصول للآخرة، وليس العكس؛ قال تعالى: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ (القصص: 77)
واستثمار رأس المال الحقيقي - الإيمان - يحتاج إلى خطَّة تَنطَلِق من التحفيز الذاتي للنفس، وتنشيطها بجرعات من أعمالٍ مختلفة؛ من أجل أن يتحقَّق المراد، ولعل من أهم هذه الإعمال:
- ممارسة الإيمان على أنه عملٌ مرغوبٌ فيه من قبلي، وليس مفروضًا ومسلطًا عليَّ، بمعنى آخر: أن أمارس الإيمان ومتعلقاته برغبة وحبٍّ؛ ولهذا كان دعاءُ رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم -: ( اللهم ارزُقنِي حبَّك، وحبَّ مَن يَنفَعُني حبُّه عندك، اللهم ما رَزَقتنِي مما أُحِبُّ، فاجعله قوَّة لي فيما تُحِبُّ، اللهم وما زَوَيت عنِّي مما أحبُّ، فاجعله فراغًا لي فيما تحبُّ) (4).
ولما كان الإيمان من أفضل الأعمال وأنفعها وأحبِّها لله تعالى؛ فحُبُّ الإيمان سيكون كذلك، فعن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُئِل: أيُّ العملِ أفضل؟ فقال: (إيمانٌ بالله ورسوله)، قيل: ثم ماذا؟ قال: (الجهادُ في سبيل الله)، قيل: ثم ماذا؟ قال: (حجٌّ مبرور) (5).
فكان رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم - يطلُب من ربِّه - تعالى - أن يكون ما يَرزُقه مما يُحِبُّ قوَّةً له لتطبيقِ ما يُحِبُّ الله - تعالى - من طاعات وعبادات، فكيف هو الحال حين يكون ما نُحِبُّ هو الإيمان؟
- مصادقة مَن يؤمن بهذا النوع من الاستثمار، وأقصد أهلَ الإيمان، ومَن تركوا الدنيا وما فيها وراءهم ظِهْرِيًّا؛ لأن هؤلاء سيشجِّعون مَن يصادِقهم على تنمية رأس المال هذا، بل ويُسَاعِدونه في ابتكار الأساليب والوسائل لزيادةِ رأس المال الإيماني، وربما قدَّموا الدَّعْم المادي والعون المعنوي في هذا الإطار.
عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إن لله عبادًا ليسوا بأنبياءَ ولا شهداء، يَغْبِطهم الشهداء والنبيُّون يوم القيامة؛ لقربهم من الله - تعالى - ومجلسهم منه)، فجثا أعرابي على ركبتيه، فقال: يا رسول الله، صِفْهم لنا وحَلِّهم لنا، قال: (قومٌ من أقناء الناس، من نزاع القبائل، تَصادَقوا في الله وتَحابُّوا فيه، يضع الله - عز وجل - لهم يوم القيامة منابرَ من نور، يخاف الناسُ ولا يَخَافون، هم أولياء الله - عز وجل - الذين لا خوفٌ عليهم، ولا هم يحزنون) (6).
فلقد علمت أن من الأصدقاء مَن يَجُرُّ صاحبه إلى هلاك الدنيا والآخرة، ونصادِف في حياتنا أصدقاء وأصدقاء، منهم مَن تَركُونا عند أوَّل هزَّة، ومنهم عند منتصف الطريق، ومنهم ما أن انقضت حاجاتُهم عندك حتى أَدَاروا لك ظهرَهم - ومن غير: في أمان الله - لأن العَلاقة كانت مستثمرة من أجل مطمَع دنيوي، وليس من أجل الله تعالى، في حين قابلنا أصدقاء مَن حقَّ فيهم قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -:
إن أخاك الحق من كان معك ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزمان صدعك شتت فيك شمله ليجمعك
وإذا غدوت ظالم غدا معك
ومع أن مهمَّة إيجاد أخٍ في الله صعبةٌ أيما صعوبة في زماننا هذا، يقول عبدالله بن المبارك للسَّرخسي - رحمهما الله -: "ما أعياني شيءٌ، كما أعياني أنِّي لا أجد أخًا في الله - عز وجل"، إلا أنها ليست مستحيلة.
- الاجتهاد من أجل أن أكونَ في مناخٍ يساعد على تنمية الإيمان؛ فالأجواءُ الإيمانية هي السبيل إلى بقاء الفرد في دائرة النماء الإيماني، وأما غيرها من مُلهِيات الدنيا الكثيرة، فما هي إلا عوائقُ كَأْدَاء في طريقِ نموِّ الإيمان؛ لأن الإيمان - كما قال العلماء - قول وعمل، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي.
إلى غير ذلك من الأعمال، فأنا رجل ناهزت الخمسين، وعلى كثرة ما قرأت هذه الآية: ﴿ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ﴾ [المزمل: جزء من الآية 20]، فكأني ما تدبَّرتها إلا الآن، وما وَعَيتها إلا اليوم، وأَيقَنت بعد هذه التجرِبة الغنيَّة أن أفضل وأضمن ما يمكِن الاستثمار فيه في هذه الحياة - هو الإيمان، ربما أكون قد اكتشفت ذلك متأخرًا، ولكن أن أكتشف الأمر متأخِّرًا خيرٌ لي من أن لا أكتشفه أبدًا ثم يفوتني القطار.
(1) صحيح ابن حبان - كتاب الحظر والإباحة - كتاب الطب - ذكر وصف الشيئين اللذين لا دواء لهما.
(2) تفسير البغوي المعروف بـ "معالم التنزيل"، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي، ج6، ص 255.
(3) صحيح مسلم - كتاب الإمارة - باب: من قاتل للرياء والسمعة، استحق النار.
(4) سنن الترمذي الجامع الصحيح - الذبائح - أبواب الدعوات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باب ما جاء في عقد التسبيح باليد.
(5) صحيح البخاري - كتاب الإيمان - باب من قال: إن الإيمان هو العمل.
(6) المستدرك على الصحيحين للحاكم - كتاب البر والصلة.
المراجع
موسوعة شبكة نور الإسلام
التصانيف
ثقافة عقيدة إسلامية العلوم الاجتماعية
login |