[[ملف:قران84.png
تعليق]]
النساء
{66} وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا
سَبَب نُزُولهَا مَا رُوِيَ أَنَّ ثَابِت بْن قَيْس بْن شَمَّاس تَفَاخَرَ هُوَ وَيَهُودِيّ ; فَقَالَ الْيَهُودِيّ : وَاَللَّهِ لَقَدْ كُتِبَ عَلَيْنَا أَنْ نَقْتُل أَنْفُسَنَا فَقَتَلْنَا , وَبَلَغَتْ الْقَتْلَى سَبْعِينَ أَلْفًا ; فَقَالَ ثَابِت : وَاللَّه لَوْ كَتَبَ اللَّه عَلَيْنَا أَنْ اُقْتُلُوا أَنْفُسكُمْ لَفَعَلْنَا . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق السَّبِيعِيّ : لَمَّا نَزَلَتْ " وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ " الْآيَة , قَالَ رَجُل : لَوْ أُمِرْنَا لَفَعَلْنَا , وَالْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي عَافَانَا . فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( إِنَّ مِنْ أُمَّتِي رِجَالًا الْإِيمَان أَثْبَتُ فِي قُلُوبهمْ مِنْ الْجِبَال الرَّوَاسِي ) . قَالَ اِبْن وَهْب قَالَ مَالِك : الْقَائِل ذَلِكَ هُوَ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ; وَهَكَذَا ذَكَرَ مَكِّيّ أَنَّهُ أَبُو بَكْر . وَذَكَرَ النَّقَّاش أَنَّهُ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَذُكِرَ عَنْ أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَوْ كُتِبَ عَلَيْنَا ذَلِكَ لَبَدَأْت بِنَفْسِي وَأَهْل بَيْتِي . وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْث السَّمَرْقَنْدِيّ : أَنَّ الْقَائِل مِنْهُمْ عَمَّار بْن يَاسِر وَابْن مَسْعُود وَثَابِت بْن قَيْس , قَالُوا : لَوْ أَنَّ اللَّه أَمَرَنَا أَنْ نَقْتُل أَنْفُسَنَا أَوْ نَخْرُج مِنْ دِيَارنَا لَفَعَلْنَا ; فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْإِيمَان أَثْبَت فِي قُلُوب الرِّجَال مِنْ الْجِبَال الرَّوَاسِي ) . و " لَوْ " حَرْف يَدُلّ عَلَى اِمْتِنَاع الشَّيْء لِامْتِنَاعِ غَيْره ; فَأَخْبَرَ اللَّه سُبْحَانه أَنَّهُ لَمْ يَكْتُب ذَلِكَ عَلَيْنَا رِفْقًا بِنَا لِئَلَّا تَظْهَرَ مَعْصِيَتُنَا . فَكَمْ مِنْ أَمْر قَصَّرْنَا عَنْهُ مَعَ خِفَّتِهِ فَكَيْفَ بِهَذَا الْأَمْر مَعَ ثِقَلِهِ ! لَكِنْ أَمَا وَاَللَّهِ لَقَدْ تَرَكَ الْمُهَاجِرُونَ مَسَاكِنَهُمْ خَاوِيَة وَخَرَجُوا يَطْلُبُونَ بِهَا عِيشَة رَاضِيَة .
{66} وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا
أَيْ الْقَتْل وَالْخُرُوج
{66} وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا
" قَلِيل " بَدَلَ مِنْ الْوَاو , وَالتَّقْدِير مَا فَعَلَهُ أَحَد إِلَّا قَلِيل . وَأَهْل الْكُوفَة يَقُولُونَ : هُوَ عَلَى التَّكْرِير مَا فَعَلُوهُ مَا فَعَلَهُ إِلَّا قَلِيل مِنْهُمْ . وَقَرَأَ عَبْد اللَّه بْن عَامِر وَعِيسَى بْن عُمَر " إِلَّا قَلِيلًا " عَلَى الِاسْتِثْنَاء . وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِف أَهْل الشَّام . الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ , وَالرَّفْع أَجْوَد عِنْد جَمِيع النَّحْوِيِّينَ . وَقِيلَ : اِنْتَصَبَ عَلَى إِضْمَار فِعْل , تَقْدِيره إِلَّا أَنْ يَكُون قَلِيلًا مِنْهُمْ . وَإِنَّمَا صَارَ الرَّفْع أَجْوَد لِأَنَّ اللَّفْظ أَوْلَى مِنْ الْمَعْنَى , وَهُوَ أَيْضًا يَشْتَمِل عَلَى الْمَعْنَى . وَكَانَ مِنْ الْقَلِيل أَبُو بَكْر وَعُمَر وَثَابِت بْن قَيْس كَمَا ذَكَرْنَا . وَزَادَ الْحَسَن وَمُقَاتِل عَمَّارًا وَابْن مَسْعُود وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا .
{66} وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا
أَيْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة .
{66} وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا
أَيْ عَلَى الْحَقّ .
{67} وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا
أَيْ ثَوَابًا فِي الْآخِرَة . وَقِيلَ : اللَّام لَام الْجَوَاب , وَ " إِذًا " دَالَّة عَلَى الْجَزَاء , وَالْمَعْنَى لَوْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَآتَيْنَاهُمْ .
{68} وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا
أَصْل الصِّرَاط فِي كَلَام الْعَرَب الطَّرِيق ; قَالَ عَامِر بْن الطُّفَيْل : شَحَنَّا أَرْضَهُمْ بِالْخَيْلِ حَتَّى تَرَكْنَاهُمْ أَذَلَّ مِنْ الصِّرَاطِ وَقَالَ جَرِير : أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِرَاطٍ إِذَا اِعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيمُ وَقَالَ آخَر : فَصَدَّ عَنْ نَهْجِ الصِّرَاطِ الْوَاضِحِ حَكَى النَّقَّاش : الصِّرَاط الطَّرِيق بِلُغَةِ الرُّوم ; فَقَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا . وَقُرِئَ : السِّرَاط ( بِالسِّينِ ) مِنْ الِاسْتِرَاط بِمَعْنَى الِابْتِلَاع ; كَأَنَّ الطَّرِيق يَسْتَرِط مَنْ يَسْلُكُهُ . وَقُرِئَ بَيْنَ الزَّاي وَالصَّاد . وَقُرِئَ بِزَايٍ خَالِصَة وَالسِّين الْأَصْل . وَحَكَى سَلَمَة عَنْ الْفَرَّاء قَالَ : الزِّرَاط بِإِخْلَاصِ الزَّاي لُغَة لِعُذْرَة وَكَلْبٍ وَبَنِي الْقَيْن , قَالَ : وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ [فِي أَصْدَق] : أَزْدَق . وَقَدْ قَالُوا الْأَزَد وَالْأَسَد وَلَسِقَ بِهِ وَلَصِقَ بِهِ . و " الصِّرَاط " نُصِبَ عَلَى الْمَفْعُول الثَّانِي ; لِأَنَّ الْفِعْل مِنْ الْهِدَايَة يَتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُول الثَّانِي بِحَرْفِ جَرّ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاط الْجَحِيم " . [الصَّافَّات : 23] . وَبِغَيْرِ حَرْف كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَة . " الْمُسْتَقِيم " صِفَة لِ " الصِّرَاط " وَهُوَ الَّذِي لَا اِعْوِجَاجَ فِيهِ وَلَا اِنْحِرَافَ ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ " [الْأَنْعَام : 153] وَأَصْله مُسْتَقْوِم , نُقِلَتْ الْحَرَكَة إِلَى الْقَاف وَانْقَلَبَتْ الْوَاو يَاء لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا .
{69} وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى الْأَمْر الَّذِي لَوْ فَعَلَهُ الْمُنَافِقُونَ حِينَ وُعِظُوا بِهِ وَأَنَابُوا إِلَيْهِ لَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ , ذَكَرَ بَعْد ذَلِكَ ثَوَاب مَنْ يَفْعَلُهُ . وَهَذِهِ الْآيَة تَفْسِير قَوْله تَعَالَى : " اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ " [الْفَاتِحَة : 6 - 7] وَهِيَ الْمُرَاد فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام عِنْد مَوْته ( اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى ) . وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( مَا مِنْ نَبِيّ يَمْرَض إِلَّا خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ) كَانَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي مَرِضَ فِيهِ أَخَذَتْهُ بُحَّةٌ شَدِيدَة فَسَمِعْته يَقُول : ( مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ ) فَعَلِمْت أَنَّهُ خَيْر . وَقَالَتْ طَائِفَة : إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة لَمَّا قَالَ عَبْد اللَّه بْن زَيْد بْن عَبْد رَبّه الْأَنْصَارِيّ - الَّذِي أُرِيَ الْأَذَان - : يَا رَسُول اللَّه , إِذَا مُتّ وَمُتْنَا كُنْت فِي عِلِّيِّينَ لَا نَرَاك وَلَا نَجْتَمِع بِك ; وَذَكَرَ حُزْنه عَلَى ذَلِكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . وَذَكَرَ مَكِّيّ عَنْ عَبْد اللَّه هَذَا وَأَنَّهُ لَمَّا مَاتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اللَّهُمَّ أَعْمِنِي حَتَّى لَا أَرَى شَيْئًا بَعْده ; فَعَمِيَ مَكَانه . وَحَكَاهُ الْقُشَيْرِيّ فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَعْمِنِي فَلَا أَرَى شَيْئًا بَعْد حَبِيبِي حَتَّى أَلْقَى حَبِيبِي ; فَعَمِيَ مَكَانه . وَحَكَى الثَّعْلَبِيّ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ثَوْبَان مَوْلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ شَدِيد الْحُبّ لَهُ قَلِيل الصَّبْر عَنْهُ , فَأَتَاهُ ذَات يَوْم وَقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنه وَنَحَلَ جِسْمه , يُعْرَف فِي وَجْهه الْحُزْن ; فَقَالَ لَهُ : ( يَا ثَوْبَان مَا غَيَّرَ لَوْنك ) فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه مَا بِي ضُرّ وَلَا وَجَع , غَيْر أَنِّي إِذَا لَمْ أَرَك اِشْتَقْت إِلَيْك وَاسْتَوْحَشْت وَحْشَة شَدِيدَة حَتَّى أَلْقَاك , ثُمَّ ذَكَرْت الْآخِرَة وَأَخَاف أَلَّا أَرَاك هُنَاكَ ; لِأَنِّي عَرَفْت أَنَّك تُرْفَع مَعَ النَّبِيِّينَ وَأَنِّي إِنْ دَخَلْت الْجَنَّة كُنْت فِي مَنْزِلَة هِيَ أَدْنَى مِنْ مَنْزِلَتك , وَإِنْ لَمْ أَدْخُل فَذَلِكَ حِينَ لَا أَرَاك أَبَدًا ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْآيَة . ذَكَرَهُ الْوَاحِدِيّ عَنْ الْكَلْبِيّ . وَأَسْنَدَ عَنْ مَسْرُوق قَالَ : قَالَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُفَارِقَك فِي الدُّنْيَا , فَإِنَّك إِذَا فَارَقْتنَا رُفِعْت فَوْقَنَا ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " وَمَنْ يُطِعْ اللَّه وَالرَّسُول فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ " . وَفِي طَاعَة اللَّه طَاعَة رَسُوله وَلَكِنَّهُ ذَكَرَهُ تَشْرِيفًا لِقَدْرِهِ وَتَنْوِيهًا بِاسْمِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ .
{69} وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا
أَيْ هُمْ مَعَهُمْ فِي دَار وَاحِدَة وَنَعِيم وَاحِد يَسْتَمْتِعُونَ بِرُؤْيَتِهِمْ وَالْحُضُور مَعَهُمْ , لَا أَنَّهُمْ يُسَاوُونَهُمْ فِي الدَّرَجَة ; فَإِنَّهُمْ يَتَفَاوَتُونَ لَكِنَّهُمْ يَتَزَاوَرُونَ لِلِاتِّبَاعِ فِي الدُّنْيَا وَالِاقْتِدَاء . وَكُلّ مَنْ فِيهَا قَدْ رُزِقَ الرِّضَا بِحَالِهِ , وَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ اِعْتِقَاد أَنَّهُ مَفْضُول . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ مِنْ غِلّ " [الْأَعْرَاف : 43] . وَالصِّدِّيق فِعِّيلٌ , الْمُبَالِغ فِي الصِّدْق أَوْ فِي التَّصْدِيق , وَالصِّدِّيق هُوَ الَّذِي يُحَقِّق بِفِعْلِهِ مَا يَقُول بِلِسَانِهِ . وَقِيل : هُمْ فُضَلَاء أَتْبَاع الْأَنْبِيَاء الَّذِينَ يَسْبِقُونَهُمْ إِلَى التَّصْدِيق كَأَبِي بَكْر الصِّدِّيق . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَة اِشْتِقَاق الصِّدِّيق وَمَعْنَى الشَّهِيد . وَالْمُرَاد هُنَا بِالشُّهَدَاءِ عُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ , وَالصَّالِحِينَ سَائِر الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ .
{69} وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا
الْقَتْلَى فِي سَبِيل اللَّه .
{69} وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا
صَالِحِي أُمَّة مُحَمَّد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قُلْت : وَاللَّفْظ يَعُمّ كُلّ صَالِح وَشَهِيد , وَاَللَّه أَعْلَم . وَالرِّفْق لِين الْجَانِب . وَسُمِّيَ الصَّاحِب رَفِيقًا لِارْتِفَاقِك بِصُحْبَتِهِ ; وَمِنْهُ الرُّفْقَة لِارْتِفَاقِ بَعْضهمْ بِبَعْضٍ . وَيَجُوز " وَحَسُنَ أُولَئِكَ رُفَقَاءَ " . قَالَ الْأَخْفَش : " رَفِيقًا " مَنْصُوب عَلَى الْحَال وَهُوَ بِمَعْنَى رُفَقَاء ; وَقَالَ : اِنْتَصَبَ عَلَى التَّمْيِيز فَوَحَّدَ لِذَلِكَ ; فَكَأَنَّ الْمَعْنَى وَحَسُنَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ رَفِيقًا . كَمَا قَالَ تَعَالَى : " ثُمَّ نُخْرِجكُمْ طِفْلًا " [الْحَجّ : 5] أَيْ نُخْرِج كُلّ وَاحِد مِنْكُمْ طِفْلًا . وَقَالَ تَعَالَى : " يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْف خَفِيّ " [الشُّورَى : 45] وَيُنْظَر مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خَيْر الرُّفَقَاء أَرْبَعَة ) وَلَمْ يَذْكُر اللَّه تَعَالَى هُنَا إِلَّا أَرْبَعَة فَتَأَمَّلْهُ .
فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى خِلَافَة أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ مَرَاتِب أَوْلِيَائِهِ فِي كِتَابه بَدَأَ بِالْأَعْلَى مِنْهُمْ وَهُمْ النَّبِيُّونَ , ثُمَّ ثَنَّى بِالصِّدِّيقِينَ وَلَمْ يَجْعَل بَيْنهمَا وَاسِطَة . وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَسْمِيَة أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ صِدِّيقًا , كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى تَسْمِيَة مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام رَسُولًا , وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَصَحَّ أَنَّهُ الصِّدِّيق وَأَنَّهُ ثَانِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَقَدَّم بَعْدَهُ أَحَد . وَاَللَّه أَعْلَم .
{70} ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا
أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ لَمْ يَنَالُوا الدَّرَجَة . بِطَاعَتِهِمْ بَلْ نَالُوهَا بِفَضْلِ اللَّه تَعَالَى وَكَرَمِهِ . خِلَافًا لِمَا قَالَتْ الْمُعْتَزِلَة : إِنَّمَا يَنَال الْعَبْد ذَلِكَ بِفِعْلِهِ . فَلَمَّا اِمْتَنَّ اللَّه سُبْحَانَهُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ بِمَا آتَاهُمْ مِنْ فَضْله , وَكَانَ لَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يُثْنِيَ عَلَى نَفْسه بِمَا لَمْ يَفْعَلهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى بُطْلَان قَوْلهمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .
{71} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا
هَذَا خِطَاب لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلِصِينَ مِنْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَمْر لَهُمْ بِجِهَادِ الْكُفَّار وَالْخُرُوج فِي سَبِيل اللَّه وَحِمَايَة الشَّرْع . وَوَجْه النَّظْم وَالِاتِّصَال بِمَا قَبْلُ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ طَاعَة اللَّه وَطَاعَة رَسُوله , أَمَرَ أَهْل الطَّاعَة بِالْقِيَامِ بِإِحْيَاءِ دِينِهِ وَإِعْلَاء دَعْوَتِهِ , وَأَمَرَهُمْ أَلَّا يَقْتَحِمُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ عَلَى جَهَالَة حَتَّى يَتَحَسَّسُوا إِلَى مَا عِنْدهمْ , وَيَعْلَمُوا كَيْفَ يَرُدُّونَ عَلَيْهِمْ , فَذَلِكَ أَثْبَت لَهُمْ فَقَالَ : " خُذُوا حِذْرَكُمْ " فَعَلَّمَهُمْ مُبَاشَرَة الْحُرُوب . وَلَا يُنَافِي هَذَا التَّوَكُّل بَلْ هُوَ مَقَام عَيْن التَّوَكُّل كَمَا تَقَدَّمَ فِي " آل عِمْرَان " وَيَأْتِي . وَالْحِذْر وَالْحَذَر لُغَتَانِ كَالْمِثْلِ وَالْمَثَل . قَالَ الْفَرَّاء : أَكْثَر الْكَلَام الْحَذَر , وَالْحِذْر مَسْمُوع أَيْضًا ; يُقَال : خُذْ حَذَرَك , أَيْ اِحْذَرْ . وَقِيلَ : خُذُوا السِّلَاح حَذَرًا ; لِأَنَّهُ بِهِ الْحَذَر وَالْحَذَر لَا يَدْفَع الْقَدَر .
خِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ فِي قَوْلهمْ : إِنَّ الْحَذَر يَدْفَع وَيَمْنَع مِنْ مَكَائِد الْأَعْدَاء , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ مَا كَانَ لِأَمْرِهِمْ بِالْحَذَرِ مَعْنًى . فَيُقَال لَهُمْ : لَيْسَ فِي الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْحَذَر يَنْفَع مِنْ الْقَدَر شَيْئًا ; وَلَكِنَّا تُعُبِّدْنَا بِأَلَّا نُلْقِيَ بِأَيْدِينَا إِلَى التَّهْلُكَة ; وَمِنْهُ الْحَدِيث ( اِعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ ) . وَإِنْ كَانَ الْقَدَر جَارِيًا عَلَى مَا قُضِيَ , وَيَفْعَل اللَّه مَا يَشَاء , فَالْمُرَاد مِنْهُ طُمَأْنِينَة النَّفْس , لَا أَنَّ ذَلِكَ يَنْفَع مِنْ الْقَدَر وَكَذَلِكَ أَخْذ الْحَذَر . الدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَثْنَى عَلَى أَصْحَاب نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : " قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّه لَنَا " [التَّوْبَة : 51] فَلَوْ كَانَ يُصِيبهُمْ غَيْر مَا قَضَى عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْكَلَام مَعْنًى .
{71} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا
يُقَال : نَفَرَ يَنْفِر ( بِكَسْرِ الْفَاء ) نَفِيرًا . وَنَفَرَتْ الدَّابَّة تَنْفُرُ ( بِضَمِّ الْفَاء ) نُفُورًا ; الْمَعْنَى : اِنْهَضُوا لِقِتَالِ الْعَدُوّ . وَاسْتَنْفَرَ الْإِمَام النَّاس دَعَاهُمْ إِلَى النَّفْر , أَيْ لِلْخُرُوجِ إِلَى قِتَال الْعَدُوّ . وَالنَّفِير اِسْم لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ , وَأَصْله مِنْ النِّفَار وَالنُّفُور وَهُوَ الْفَزَع ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارهمْ نُفُورًا " [الْإِسْرَاء : 46] أَيْ نَافِرِينَ . وَمِنْهُ نَفَرَ الْجِلْد أَيْ وَرِمَ . وَتَخَلَّلَ رَجُل بِالْقَصَبِ فَنَفَرَ فَمُهُ أَيْ وَرِمَ . قَالَ أَبُو عُبَيْد : إِنَّمَا هُوَ مِنْ نِفَار الشَّيْء مِنْ الشَّيْء وَهُوَ تَجَافِيهِ عَنْهُ وَتَبَاعُدُهُ مِنْهُ . قَالَ اِبْن فَارِس : النَّفَر عِدَّة رِجَال مِنْ ثَلَاثَة إِلَى عَشَرَة . وَالنَّفِير النَّفَر أَيْضًا , وَكَذَلِكَ النَّفْر وَالنُّفْرَة , حَكَاهَا الْفَرَّاء بِالْهَاءِ . وَيَوْم النَّفْر : يَوْم يَنْفِر النَّاس عَنْ مِنًى .
{71} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا
" ثُبَات " مَعْنَاهُ جَمَاعَات مُتَفَرِّقَات . وَيُقَال : ثُبِين يُجْمَع جَمْع السَّلَامَة فِي التَّأْنِيث وَالتَّذْكِير . قَالَ عَمْرو بْن كُلْثُوم : فَأَمَّا يَوْم خَشْيَتِنَا عَلَيْهِمْ فَتُصْبِح خَيْلُنَا عُصْبًا ثُبِينَا كِنَايَة عَنْ السَّرَايَا , الْوَاحِدَة ثُبَة وَهِيَ الْعِصَابَة مِنْ النَّاس . وَكَانَتْ فِي الْأَصْل الثُّبْيَة . وَقَدْ ثَبَّيْت الْجَيْش جَعَلْتهمْ ثُبَة ثُبَة . وَالثُّبَة : وَسَط الْحَوْض الَّذِي يَثُوب إِلَيْهِ الْمَاء أَيْ يَرْجِع قَالَ النَّحَّاس : وَرُبَّمَا تَوَهَّمَ الضَّعِيف فِي الْعَرَبِيَّة أَنَّهُمَا وَاحِد , وَأَنَّ أَحَدهمَا مِنْ الْآخَر ; وَبَيْنهمَا فَرْق , فَثُبَة الْحَوْض يُقَال فِي تَصْغِيرهَا : ثُوَيْبَة ; لِأَنَّهَا مِنْ ثَابَ يَثُوب . وَيُقَال فِي ثُبَة الْجَمَاعَة : ثُبَيَّة . قَالَ غَيْره : فَثُبَة الْحَوْض مَحْذُوفَة الْوَاو وَهُوَ عَيْن الْفِعْل , وَثُبَة الْجَمَاعَة مُعْتَلّ اللَّام مِنْ ثَبَا يَثْبُو مِثْل خَلَا يَخْلُو . وَيَجُوز أَنْ يَكُون الثُّبَة بِمَعْنَى الْجَمَاعَة مِنْ ثُبَة الْحَوْض ; لِأَنَّ الْمَاء إِذَا ثَابَ اِجْتَمَعَ ; فَعَلَى هَذَا تُصَغَّر بِهِ الْجَمَاعَة ثُوَيْبَة فَتَدْخُل إِحْدَى الْيَاءَيْنِ فِي الْأُخْرَى . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ ثُبَة الْجَمَاعَة إِنَّمَا اُشْتُقَّتْ مِنْ ثَبَيْت عَلَى الرَّجُل إِذَا أَثْنَيْت عَلَيْهِ فِي حَيَاته وَجَمَعْت مَحَاسِن ذِكْره فَيَعُود إِلَى الِاجْتِمَاع .
{71} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا
مَعْنَاهُ الْجَيْش الْكَثِيف مَعَ الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره . وَلَا تُخْرَج السَّرَايَا إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَام لِيَكُونَ مُتَجَسِّسًا لَهُمْ , عَضُدًا مِنْ وَرَائِهِمْ , وَرُبَّمَا اِحْتَاجُوا إِلَى دَرْئِهِ . وَسَيَأْتِي حُكْم السَّرَايَا وَغَنَائِمهمْ وَأَحْكَام الْجُيُوش وَوُجُوب النَّفِير فِي " الْأَنْفَال " و " بَرَاءَة " [التَّوْبَة] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
: ذَكَرَ اِبْن خُوَيْزِ مَنْدَادٍ : وَقِيلَ إِنَّ هَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " اِنْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا " وَبِقَوْلِهِ : " إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ " [التَّوْبَة : 39] ; وَلَأَنْ يَكُون " اِنْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا " [التَّوْبَة : 41] مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ : " فَانْفِرُوا ثُبَات أَوْ اِنْفِرُوا جَمِيعًا " وَبِقَوْلِهِ : " وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّة " [التَّوْبَة : 122] أَوْلَى ; لِأَنَّ فَرْض الْجِهَاد تَقَرَّرَ عَلَى الْكِفَايَة , فَمَتَى سَدَّ الثُّغُورَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أُسْقِطَ الْفَرْض عَنْ الْبَاقِينَ . وَالصَّحِيح أَنَّ الْآيَتَيْنِ جَمِيعًا مُحْكَمَتَانِ , إِحْدَاهُمَا فِي الْوَقْت الَّذِي يُحْتَاج فِيهِ إِلَى تَعَيُّن الْجَمِيع , وَالْأُخْرَى عِنْد الِاكْتِفَاء بِطَائِفَةٍ دُون غَيْرهَا .
{72} وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا
يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ . وَالتَّبْطِئَة وَالْإِبْطَاء التَّأَخُّر , تَقُول : مَا أَبْطَأَك عَنَّا ; فَهُوَ لَازِم . وَيَجُوز بَطَّأْت فُلَانًا عَنْ كَذَا أَيْ أَخَّرْته ; فَهُوَ مُتَعَدٍّ . وَالْمَعْنَيَانِ مُرَاد فِي الْآيَة ; فَكَانُوا يَقْعُدُونَ عَنْ الْخُرُوج وَيُقْعِدُونَ غَيْرهمْ . وَالْمَعْنَى أَنَّ مِنْ دُخَلَائِكُمْ وَجِنْسكُمْ وَمِمَّنْ أَظْهَرَ إِيمَانَهُ لَكُمْ . فَالْمُنَافِقُونَ فِي ظَاهِر الْحَال مِنْ أَعْدَاد الْمُسْلِمِينَ بِإِجْرَاءِ أَحْكَام الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ . وَاللَّام فِي قَوْله " لَمَنْ " لَام تَوْكِيد , وَالثَّانِيَة لَام قَسَم , و " مَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب , وَصِلَتهَا " لَيُبَطِّئَنَّ " لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْيَمِين , وَالْخَبَر " مِنْكُمْ " . وَقَرَأَ مُجَاهِد وَالنَّخَعِيّ وَالْكَلْبِيّ " وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبْطِئَنَّ " بِالتَّخْفِيفِ , وَالْمَعْنَى وَاحِد . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ " وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ " بَعْض الْمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّ اللَّه خَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ : " وَإِنَّ مِنْكُمْ " وَقَدْ فَرَّقَ اللَّه تَعَالَى بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ بِقَوْلِهِ " وَمَا هُمْ مِنْكُمْ " [التَّوْبَة : 56] وَهَذَا يَأْبَاهُ مَسَاق الْكَلَام وَظَاهِره . وَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنهمْ فِي الْخِطَاب مِنْ جِهَة الْجِنْس وَالنَّسَب كَمَا بَيَّنَّا لَا مِنْ جِهْهُ الْإِيمَان . هَذَا قَوْل الْجُمْهُور وَهُوَ الصَّحِيح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَاَللَّه أَعْلَم .
{72} وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا
أَيْ قَتْل وَهَزِيمَة
{72} وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا
يَعْنِي بِالْقُعُودِ , وَهَذَا لَا يَصْدُر إِلَّا مِنْ مُنَافِق ; لَا سِيَّمَا فِي ذَلِكَ الزَّمَان الْكَرِيم , بَعِيد أَنْ يَقُولَهُ مُؤْمِن . وَيَنْظُر إِلَى هَذِهِ الْآيَة مَا رَوَاهُ الْأَئِمَّة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِخْبَارًا عَنْ الْمُنَافِقِينَ ( إِنَّ أَثْقَل صَلَاة عَلَيْهِمْ صَلَاة الْعِشَاء وَصَلَاة الْفَجْر وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ) الْحَدِيث . فِي رِوَايَة ( وَلَوْ عَلِمَ أَحَدهمْ أَنَّهُ يَجِد عَظْمًا سَمِينًا لَشَهِدَهَا ) يَعْنِي صَلَاة الْعِشَاء . يَقُول : لَوْ لَاحَ شَيْء مِنْ الدُّنْيَا يَأْخُذُونَهُ وَكَانُوا عَلَى يَقِين مِنْهُ لَبَادَرُوا إِلَيْهِ .
{73} وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا
أَيْ غَنِيمَة وَفَتْح
{73} وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا
" لَيَقُولَنَّ " هَذَا الْمُنَافِق قَوْل نَادِم حَاسِد " يَا لَيْتَنِي كُنْت مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا " " كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنكُمْ وَبَيْنه مَوَدَّة " فَالْكَلَام فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير . وَقِيلَ : الْمَعْنَى " لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنكُمْ وَبَيْنه مَوَدَّة " أَيْ كَأَنْ لَمْ يُعَاقِدْكُمْ عَلَى الْجِهَاد . وَقِيلَ : هُوَ فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الْحَال . وَقَرَأَ الْحَسَن " لَيَقُولُنَّ " بِضَمِّ اللَّام عَلَى مَعْنَى " مَنْ " ; لِأَنَّ مَعْنَى قَوْله " لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ " لَيْسَ يَعْنِي رَجُلًا بِعَيْنِهِ . وَمَنْ فَتَحَ اللَّام أَعَادَ فَوَحَّدَ الضَّمِير عَلَى لَفْظ " مَنْ " . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَحَفْص عَنْ عَاصِم " كَأَنْ لَمْ تَكُنْ " بِالتَّاءِ عَلَى لَفْظ الْمَوَدَّة . وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ جَعَلَ مَوَدَّة بِمَعْنَى الْوُدّ .
{73} وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا
وَقَوْل الْمُنَافِق " يَا لَيْتَنِي كُنْت مَعَهُمْ " عَلَى وَجْه الْحَسَد أَوْ الْأَسَف عَلَى فَوْت الْغَنِيمَة مَعَ الشَّكّ فِي الْجَزَاء مِنْ اللَّه .
{73} وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا
جَوَاب التَّمَنِّي وَلِذَلِكَ نُصِبَ . وَقَرَأَ الْحَسَن " فَأَفُوزُ " بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ تَمَنَّى الْفَوْز , فَكَأَنَّهُ قَالَ : يَا لَيْتَنِي أَفُوز فَوْزًا عَظِيمًا . وَالنَّصْب عَلَى الْجَوَاب ; وَالْمَعْنَى إِنْ أَكُنْ مَعَهُمْ أَفُزْ . وَالنَّصْب فِيهِ بِإِضْمَارِ " أَنْ " لِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى تَأْوِيل الْمَصْدَر ; التَّقْدِير يَا لَيْتَنِي كَانَ لِي حُضُور فَفَوْز .
{74} فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا
فِيهِ ثَلَاث مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيل اللَّه " الْخِطَاب لِلْمُؤْمِنِينَ ; أَيْ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيل اللَّه الْكُفَّار " الَّذِينَ يَشْرُونَ " أَيْ يَبِيعُونَ , أَيْ يَبْذُلُونَ أَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " بِالْآخِرَةِ " أَيْ بِثَوَابِ الْآخِرَة .
الثَّانِيَة : قَوْله تَعَالَى : " وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيل اللَّه " شَرْط . " فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِب " عَطْف عَلَيْهِ , وَالْمُجَازَاة " فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا " . وَمَعْنَى " فَيُقْتَل " فَيُسْتَشْهَد . " أَوْ يَغْلِب " يَظْفَر فَيَغْنَم . وَقَرَأَتْ طَائِفَة " وَمَنْ يُقَاتِلْ " " فَلْيُقَاتِلْ " بِسُكُونِ لَام الْأَمْر . وَقَرَأَتْ فِرْقَة " فَلْيُقَاتِلْ " بِكَسْرِ لَام الْأَمْر . فَذَكَرَ تَعَالَى غَايَتَيْ حَالَة الْمُقَاتِل وَاكْتَفَى بِالْغَايَتَيْنِ عَمَّا بَيْنَهُمَا ; ذَكَرَهُ اِبْن عَطِيَّة .
الثَّالِثَة : ظَاهِر الْآيَة يَقْتَضِي التَّسْوِيَة بَيْنَ مَنْ قُتِلَ شَهِيدًا أَوْ اِنْقَلَبَ غَانِمًا . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَضَمَّنَ اللَّه لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيله لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا جِهَاد فِي سَبِيلِي وَإِيمَان بِي وَتَصْدِيق بِرُسُلِي فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِن أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّة أَوْ أُرْجِعهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْر أَوْ غَنِيمَة ) وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَفِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا مِنْ غَازِيَة تَغْزُو فِي سَبِيل اللَّه فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَة إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرهمْ مِنْ الْآخِرَة وَيَبْقَى لَهُمْ الثُّلُث وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَة تَمَّ لَهُمْ أَجْرهمْ ) . فَقَوْله : ( نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْر أَوْ غَنِيمَة ) يَقْتَضِي أَنَّ لِمَنْ يُسْتَشْهَدُ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ ; إِمَّا الْأَجْر إِنْ لَمْ يَغْنَم , وَإِمَّا الْغَنِيمَة وَلَا أَجْر , بِخِلَافِ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , وَلَمَّا كَانَ هَذَا قَالَ قَوْمٌ : حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو لَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ فِي إِسْنَاده حُمَيْد بْن هَانِئ وَلَيْسَ بِمَشْهُورٍ , وَرَجَّحُوا الْحَدِيث الْأَوَّل عَلَيْهِ لِشُهْرَتِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَيْسَ بَيْنَهُمَا تَعَارُض وَلَا اِخْتِلَاف . و " أَوْ " فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِمَعْنَى الْوَاو , كَمَا يَقُول الْكُوفِيُّونَ وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ : ( مِنْ أَجْر وَغَنِيمَة ) بِالْوَاوِ الْجَامِعَة . وَقَدْ رَوَاهُ بَعْض رُوَاةِ مُسْلِم بِالْوَاوِ الْجَامِعَة أَيْضًا . وَحُمَيْد بْن هَانِئ مِصْرِيٌّ سَمِعَ أَبَا عَبْد الرَّحْمَن الْحُبُلِيّ وَعَمْرو بْن مَالِك , وَرَوَى عَنْهُ حَيْوَة بْن شُرَيْح وَابْن وَهْب ; فَالْحَدِيث الْأَوَّل مَحْمُول عَلَى مُجَرَّد النِّيَّة وَالْإِخْلَاص فِي الْجِهَاد ; فَذَلِكَ الَّذِي ضَمِنَ اللَّه لَهُ إِمَّا الشَّهَادَة , وَإِمَّا رَدُّهُ إِلَى أَهْله مَأْجُورًا غَانِمًا , وَيُحْمَل الثَّانِي عَلَى مَا إِذَا نَوَى الْجِهَاد وَلَكِنْ مَعَ نَيْل الْمَغْنَم , فَلَمَّا اِنْقَسَمَتْ نِيَّته اِنْحَطَّ أَجْره ; فَقَدْ دَلَّتْ السُّنَّة عَلَى أَنَّ لِلْغَانِمِ أَجْرًا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَاب فَلَا تَعَارُض . ثُمَّ قِيلَ : إِنْ نَقَصَ أَجْر الْغَانِم عَلَى مَنْ يَغْنَم إِنَّمَا هُوَ بِمَا فَتَحَ اللَّه عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا فَتَمَتَّعَ بِهِ وَأَزَالَ عَنْ نَفْسه شَظَفَ عَيْشه ; وَمَنْ أَخْفَقَ فَلَمْ يُصِبْ شَيْئًا بَقِيَ عَلَى شَظَفِ عَيْشه وَالصَّبْر عَلَى حَالَته , فَبَقِيَ أَجْره مُوَفَّرًا بِخِلَافِ الْأَوَّل . وَمِثْله قَوْله فِي الْحَدِيث الْآخَر : ( فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُل مِنْ أَجْره شَيْئًا - مِنْهُمْ مُصْعَب بْن عُمَيْر - وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدُبُهَا ) .
المراجع
quran.al-islam.com/Page.aspx?pageid=221&BookID=11&Page=1موسوعه الاسلام
التصانيف
تصنيف :تفسير القران الكريم
login |