محمد ضمرة - كان ادوارد سعيد محقاً، حينما قال: ان على فلسطيني ان يكتب روايته، لأن كل رواية سوف تتخذ شكلاً جديداً ومضموناً خاصاً. واذا كان اللاجئون قد سردوا رواياتهم على شكل قصص وحكايا بالمشافهة والنقل في الخلوات والمقاهي والمضافات فإن هذه الروايات لم تتجسد بشكل دائم، بل ربما تناسى او نسي البعض ما سمع وما شاهد.
وتبقى مهمة الادب الرئيسية في نسج هذه الوقائع مختزلاً او مضيفاً، لتكون النتيجة في النهاية ان كل ما كتب، او ما سيكتب مستقبلاً، لا يخلو من واقعية في جزء او جزئيات من كل عمل ادبي سواء كان قصة قصيرة او رواية او أي عمل فني اخر. والروائي يحيى يخلف بعد روايته الشهيرة ''بحيرة وراء الريح'' اراد ان يستكمل او يسترسل احداث النكبة الاولى، مبدياً كثيراً من الاسباب التي ادت الى حدوثها. فروايته الجديدة اذن ''ماء السماء'' تأتي متصلة مع الرواية المشار اليها، ولكنها تختلف عنها في ابراز احداث جديدة وفي توصيف مكان فلما كتب عنه بهذه الجرأة والوضوح والمكاشفة، انه المخيم في بدايات التكوين ابتداء بمرحلته الاولى في نصب الخيام الى البناء والاقامة المؤقتة في بيوت متلاصقة، يعلو اسقفها الصفيح، ولا يكتفي الروائي بوصف المكان من خارجه، لكنه يدخل في ادق تفاصيله، وتلقيبه بالالقاب السائدة حينئذ، فيسمى الاشياء باسمائها القديمة مثل النمرة والحارة الفوقة والتحتا، والحوش، الى اخر ذلك من دقائق نسيت او تناساها الناس.
واذا كانت النكبة هي مفتاح الرواية، وبوابتها الاولى، فإن اسبابها وحيثياتها ظلت هاجس الروائي، حيث احاط بجيش الانقاذ، والمسلحين الثوار، اذن فالموقف العسكري والسياسي والاجتماعي هي المحور الذي تدور حوله الرواية، بشخوص متنوعة ومتعددة ومتباينة عمرياً وجنساً، فالحاج حسين يقابله راضي اليافع وبائع التذاكر الذي لم يعرف وضعه الاجتماعي، ولم يتطرق له يخلف الا ما وصفه من حيث تعلقه بمهنته التي احبها وتفانى معها، بحيث انه لم يعد بامكانه البحث عن عمل سواها، بل لقد امعن اكثر من ذلك حينما بين انه لا يستطيع الاقامة في أي مكان لا توجد فيه قطارات، واعتقد ان هذا الحال لمنصور هو حال استثنائي لأن المكان عنده مرتبط بشيء ما، فأي مكان لا يرتبط بهذا الشيء المنفرد يعتبر لا مكانيا بالنسبة له، والتعلق بالمكان دائماً ينبع من ثلاث قضايا رئيسية: اما الفائدة المادية او المتعلقة بالماضي أي جزئيات الحياة الخاصة، واما بالقداسة والمقدس، ومنصور قد اضفى على الشيء او حركة القطارات شيئاً من القداسة لأن أي مكان لا توجد فيها هذه القطارات، ليس له معنى عنده.
هناك ثلاثة اماكن دارت فيها احداث الرواية، مع وجود اماكن فرعية تعتبر تابعة لاحدى هذه الاماكن الرئيسة، حيث المكان الاول وهو البلدة القريبة من بحيرة طبريا، أي بلد الروائي على ما يعتقد، اما المكان الثاني، فهو مكان التيه، وهو مكان غير ثابت ومرحلي، اكتفى الروائي بوصفه على انه مرحلة بين الماضي الجميل وبين مكان الحلم الآتي في المخيم، واذا كان منصور مرتبطاً بالمكان الخاص بالقطارات، فإن الحاج حسين مرتبط بفرسه الاصيلة، وموتها بالنسبة له كارثة جديدة في حياته. مرحلة المكان الثالث، المكان الذي يؤثث للحلم بالرجوع المصاحب للعمل الحزبي والنضالي في ان هذه المرحلة هي الاهم في الرواية لأن الكاتب اختار المخيم واصفا خارجه وداخله، داخلا في كل تفاصيله اليومية، والمخيم في عقد الخمسينيات كان ظاهرة موجودة ليس في اقليم او بلد واحد من البلدان العربية، بل هو صورة متشابهة لكل مخيم في الاردن وسوريا ولبنان وحتى في الضفة الغربية، تلك المرحلة لها خصوصيتها، والمكان، الذي هو المخيم له خواصه ايضاً، وحتى الحياة الاجتماعية في داخله كان لها طابع خاص ومتميز في الزواج والسهرات ونقل الحكايات، والسير في الازقة الضيقة بين الوحول اثناء الشتاء، وقد تماهى الروائي في تتبع ما حول المخيم، والمكان القريب منه، وهو مدينة اربد، محاولاً تصوير التباين في صورة الحياة الاجتماعية بين مكانين قريبين متباعدين في العادات والتقاليد، والحياة من حيث انبعاثها وتسطيحها.
المراجع
alrai.com
التصانيف
أدب مجتمع الآداب قصة العلوم الاجتماعية