'''الكتابة الإبداعية:
'''
تقوم الكتابة الإبداعية على ستة عناصر كما حددها جاكبسون تغطي كافة وظائف اللغة بما فيها الوظيفة الأدبية. فلقد وجد أن السمة الأساسية التي من أجلها وجد النص هي الاتصال، هذا ويأخذ النص سماته الخاصة من خلال تدرج وظائف عناصر الاتصال- والتي فصلها جاكبسون في نظرية الاتصال (Communication theory )- وليس من خلال احتكاره لواحدة منها.
أما العناصر فهي :
- \' الكاتبة: التي ترسل الرسالة إلى شخص ما، أومن تتكلم أو تكتب.
- النص: موضوع الإيصال.
- المرسل إليه: مستقبل الرسالة ( المتلقي )وغاية إرسالها.
- المحيط ( السياق ): المرجع الذي يحيط المرسل إليه به علماً، ( حتى يستطيع إدراك مادة القول ).
- رموز الإيصال ( الشفرة ): وهي مشتركة بين الكاتبة والمتلقين، وهي الخصوصية الأسلوبية لنص الرسالة.
- التماس أو قناة الإيصال: وهي مادية ونفسية وبموجبها يقوم التبادل ويستمر دوامه.
سياق
رسالة
كاتبة ___________________________ متلقي
وسيلة
شفرة
وكل قول يحدث إنما يدور في هذه المدارات الستة مهما كان نوع ذلك القول، واختلاف الأقوال في طبيعتها إنما يكون في تركيزها على عنصر من هذه العناصر أكثر من سواه فليست المسألة مسألة الوظيفة الوحيدة، بل مسألة الوظيفة المهيمنة وبذا تختلف الوظائف حسب تركيزها على العناصر\'-OQ
OP-1-CPCQ-.
ولعل معوقات الكتابة إذا أردنا التحدث عنها فلا بد أن نتناولها من خلال كل عنصر من العناصر:
ا-
الكاتبة ( المرسل):
تعتبر الرومانسية من المدارس التي أعطت المبدع أهمية وذلك لاهتمامها بالذات، فهي ترى أن \'العمل الإبداعي تعبير عن العالم الداخلي للفنان، وأن فهمنا للنص الأدبي يعتمد – قبل كل شيء – على فهم المبدع أولاً، وذلك يتم بتجميع كل ما يمكن الحصول عليه عن حياة هذا المبدع وسيرته الخاصة، وبهذا يتأكد تميز كل أسلوب عن أسلوب آخر، وتفرده بخصائص لا توجد في سواه من خلال ارتباطه بهذا التكوين الخاص لمبدعه\'-OQ
OP-2-CPCQ-.
وبالنسبة للكتابة كمبدعة فهناك أحياناً أساب ذاتية تعيقها عن الكتابة وهذا أدى إلى ظهور ما يسمى بأدب الأدراج، حيث تكتب الكاتبة وتقوم بإخفاء ما تكتب.
تكتب الكاتبة ولكنها تشعر بضعف ثقتها بما تكتبه، خاصة وإن ظروفها الاجتماعية قاسية، ولقد عبرت (فدوى طوقان) عن ذلك فقالت:
\'فحين توفي شقيقي إبراهيم كنتُ لا أزال في بداية الطريق والحاجة إلى التوجيه والتشجيع برغم ثقتي بنفسي؛ وهكذا، وبفقدي لأستاذي ومعلمي الأول والأخير وجدتني وحيدة على الطريق، لا هادي ولا دليل، أكتب القصيدة وأتلفت حولي خلف جدران سجن الحريم والحجاب، وفي قمقم التقاليد المحكم الإغلاق، فلا أجد من أقرأ عليه قصيدتي لأستشف من خلال رأيه فيها مدى توفيقي أو فشلي .. انعزال خانق، وحرمان تام من أية علاقات بشرية، أو صلات أدبية يمكن أن تفيدني وتكون عاملاً مساعداً على تثبيت قدمي في أرض الطموح الأدبي والتطلع البعيد\'-OQ
OP-3-CPCQ-.
ولقد رفضت (فدوى طوقان) ذلك القمقم الحريمي بعد ذلك عندما شعرت أنها قد وقفت على أرض صلبة فقالت:
أبوسع السجون خنق الأحاسيس/ وقتل الحياة في الأعماق؟
من يصد الشلال عن سيره الكاسح/ عن اندفاعه الدفاق
أتحدى السجان، أسخر بالعرف/ بما شادت التقاليد حولي
من جدار ضخم مضت أغنياتي
تتخطاه في تحد مثلي(فدوى طوقان،الديوان،وجدتها،هو وهي، ص289-299)
وعلى الرغم من أن (إبراهيم طوقان) كان قد توفي في الأربعينيات من القرن الماضي، وقد تكون (فدوى طوقان) قد شعرت بحاجتها إلى من يساعدها في تثبيت قدميها في فضاء الأدب، وهي تبرر ذلك بما فرض عليها من إقامة خلف جدران الحريم، فإن الوضع لم يتغير حتى بعد أكثر من أربعة عقود، ففي مقدمة ديوان (روز شوملي) تتكلم الشاعرة عن اعتمادها على الآخرين، فتقول: \'كتبت هذه القصائد في الفترة ما بين 1995-1997. وقد كان للملاحظات التي قدمها أصدقائي، وأخص بالذكر سميرة خوري، موسى سويد، وزكريا محمد، أكبر الأثر في عملي البكر هذا. فمن سميرة تعلمت الامتثال للبساطة، ومن موسى تعلمت التمرد على القافية، أما من زكريا فقد تعلمت الإيجاز. فإن أنجح فلهم فضل، وإلا فهذا ضعفي\'-OQ
OP-4-CPCQ-.
كما أهدت (سمية السوسي) ديوانها الأول إلى من قالت أنه علمها كيف تكون الكتابة، وفي الشكر والتقدير الذي جاء في بداية ديوان (ريتا عودة) ( ثورة على الصمت) شكرت الشاعرة زميلة لها في العمل وشاعرين شجعوها وقاموا بإرشادها ووجهوها إلى الكتابة ثم إلى إخراج المجموعة.
وهي تخاف المتلقي فتقول في شكرها وتقديرها \' وأخيراً إلى القاريء الذي سيكون فكرة عني من خلال قراءته هذه المجموعة، فإما أن يشجعني على الكتابة أو يحكم على المرأة من خلالي باستمرارية الصمت\'-OQ
OP-5-CPCQ-.
ومن قلة الثقة بما تكتب كتبت (ريتا عودة) في مقدمة ديوانها الثاني، تهمس في أذن القاريء أن ما كتبته قد يكون جيداً وقد يكون مشوهاً، قد يكون كتابة أنثوية أو رجالية وذلك تحت عنوان( همسة من على سرير الولادة):
\' قررت.. تحرير مولودي الثاني بعد طفلي البكر (ثورة على الصمت) من كل القيود التقليدية المتداولة وكما تسمي الأم الحنون الذكية مولودها وتتقبله بفرحة سواء كان ذكراً أم أنثى مريضاً.. عاقلاً... مشوهاً...أو معافى... أسميه بفرحة لحظة الخلق والولادة: (بطاقات أدبية)\'.
ومن ذلك أيضاً ما كتبته (زينب حبش) حين اعتبرت قصائدها في ديوان ( لا تقولي مات يا أمي) قصائد تسجيلية، وكتبت بعد الإهداء وفي صفحة منفصلة تحت عنوان ( تنويه) وقعته في النهاية باسمها: \'هذه ليست قصائد... إنها مشاريع قصائد لما تكتمل بعد. فما أصعب أن تتحول الكلمات إلى حبات من الندى المنهمر من أعماق القلب
| وأن تتحول الحروف إلى دم متخثر يسد شرايين الإبداع | | فأي شهيد هذا الذي يعزي أمه حتى لا تحزن | | وأي فدائي هذا الذي يوصي حبيبته أن تسير على دربه | | وأي عشق هذا الذي نحمله ونسير به على درب الآلام | | هل أستطيع أن أسميها قصائد تسجيلية؟ | | إنها لكذلك فهي تمس بشكل حميم معاناة هذا الشعب الفلسطيني، الذي نذر نفسه من أجل الحرية\'-OQ OP-6-CPCQ-.
وتقول في مقدمتها للديوان \' هذه القصائد...أقدمها كما هي... بعفويتها... بعجزها عن التعبير... ولكن بكل الصدق الذي يغلفها.. لتصل إلى قلب كل فلسطيني وكل إنسان... لعله يجد فيها ما يمس وجدانه ومشاعره\'-OQ OP-7-CPCQ-.
إن مرور كل هذا الزمن على المرأة وهي ما زالت تقدم لنفسها بالطريقة نفسها من قلة الثقة بما تكتب، بالرغم من تغير الزمن خاصة في العقدين الأخيرين، ودخول المرأة في التعليم بكل مراحل، وخوضها معظم مجالات العمل، لدليل على أنها سمة أسلوبية في كتابتها. فهي لا تفرض كتابتها بل ترجو أن يتقبلها ذلك المتلقي الذي تفترض ذكوريته.
وكثيراً ما كان الإهداء عندها لرجل قد يكون زوجاً أو ابناً، ونادراً ما كان ما أهدت لامرأة سوى الأم، وحتى تدعم بعض الشاعرات دواوينهن فإنهن يحاولن أن يقدم لهن في بداية الديوان شاعر أو أديب رجل، فكأني بهن يشعرن باعترافه بداية الدخول إلى عالم الكتابة الذي طبعه الرجل بطابعه وأضفى عليه شروطه وسلطته. يقول الشاعر الفلسطيني (أحمد دحبور) في مقدمة ديوان (نوافذ) لصباح القلازين: \' أن تكتب مقدمة شعرية، يعني أن تمشي إلى الفخ بقدميك، فأنت إن كتبت مشجعاً تكون قد حكمت، سلفاً، على هذا الشعر بأنه لا يزال في مرحلة تستدعي التشجيع، فضلاً عما يمكن أن تكون قد منحت نفسك مما تستحق أو لا تستحق. وأنت إن قدمت قراءتك ورؤيتك لهذا الشعر، تكون قد صادرت على النص فرصته في أن يتحمل قراءات وتأويلات غير ما ذهبت إليه\'-OQ OP-8-CPCQ-. ومع ذلك نجد أنه يقع في ما قد حاول تجاوزه حيث يطلق عليها أحياناً أنها من الينابيع الأولى، وفي موضع آخر يقول:\' وبهذا فهي تولد شاعرة على طريق البدايات وليست مبتدئة على طريق الشعر\'-OQ OP-9-CPCQ-.
ولقد شعرت في بعض ما كتب في مقدمات بعض الشاعرات ما يعطي الانطباع بضعف ما تكتبه الشاعرة، وخفوت صوتها، ووقوعها في بعض جوانب الضعف. ومع ذلك فلقد وافقت الشاعرة على نشر الديوان، ورأى الديوان النور وتداولته الأجيال وهو يحمل تلك الكلمات من وصمه بالضعف وهذا ما لا نجده مطلقاً عند شاعر رجل حتى ولو كان شاباً.
يقول (إبراهيم السعافين) في مقدمة ديوان (عطاف جانم) ( لزمان سيجيء) \' وهذا الديوان البكر يؤذن بولادة شاعرة تحاول أن تمتلك تجربتها الخاصة، وأن يكون لها صوتها الخاص وملامحها المميزة\' وفي موضع آخر يقول: \'فإن هذه القصائد من غير شك، تتراوح في قدرتها على التعبير عن التجربة، وفقاً لتطور الشاعرة على امتداد رحلتها مع الإبداع، وخلال مغامرتها في اللغة. وإذا كان الشاعر يتعامل مع اللغة في نقل تجربته لأنها أداته الوحيدة في بناء عالمه وتشكيل فنه فإن (عطاف جانم) تعاني في محاولة السيطرة على اللغة، حتى إنها لتختار أن تضحي بها حين تجد أن التزام اللغة الصارم يجور على التجربة ذاتها.. ولعل هذا – لحسن الحظ – نادر الحدوث\'-OQ OP-10-CPCQ-، وبالرغم مما سبق نجد أن مقدمة ديوانها الثاني كانت للكاتب نفسه.
والملاحظ أن الشاعرات كن بعد ديوانين على الأكثر ينشرن دواوينهن دون مقدمات وكأنهن يعلن أنهن بتن قادرات على الصمود، والمواجهة بنصوصهن وليس بالمقدمات الذكورية التي كن يعتمدن عليها حتى لا يرفضن من قبل الثفافة الذكورية التي ترفضهن، وترفض أن يقتحمن عالم الكتابة الذكوري، وإذا وافقوا فليكن من خلالهم. لقد كانت المقدمات ومن خلال تتبعها إما مادحة بشكل كبير، وإما محبطة نوعاً ما، وفي كلتا الحالتين لم يكن ما يكتب من وجهة نظري في صالح الكتابة النسائية.
ب –المتلقي ( المرسل إليه):
تكتب الكاتبة وهي تتخيل في ذهنها القارئ، ونوعية جمهورها الذين تكتب لهم وما تريد أن توصله إليهم. ونستطيع القول إن المتلقي كان سابقاً مستهلكاً، يستمع ويستمتع بجمال ما يسمع، ولم يعد كذلك في الوقت الحاضر فلقد تحول إلى منتج ينقد ويكتب نصاً نقدياً موازياً للنص الأول ومتداخلاً معه، \' ولا شك أن هذا الاتجاه قد جعل من نشاط القارئ مولداً لعدد كبير من الدلالات والمعاني. كل قارئ للنص يجسد، في حقيقته، أحد المعاني الممكنة للنص المقروء. ويمثل القراء، بعددهم المتنامي، تشظيات للدلالة، وتفجرات لها في كل اتجاه. كان ارتباط النص بمؤلف بذاته يعني انغلاقه على معنى نهائي واحد لا يقبل التعدد كما يرى نقاد هذا الاتجاه. أما الركون إلى استجابة القارئ فهو طريق لا نهاية له صوب معان للنص لا نهاية لها-OQ OP-11-CPCQ- أيضاً\' -OQ OP-12-CPCQ-.
والحقيقة إن عدم اهتمام الكاتبات بالمتلقي ونوع المتلقي الذي تكتب له أثر في كتابتها كماً وكيفاً، تقول (روز شوملي) حين كتبت: \' بداية لم أفكر بقاريء حتى إنني لم أكلف نفسي عناء قراءة ما أكتب. كنت كلما اضطرتني الظروف العامة إلى هجرة بيتي، أمزق أوراقي وأرتحل. المرة الأولى التي أشركت أحداً بما كتبت كانت بعد نحو ربع قرن من كتابة لم تقرأ. في السنوات السبع الأخيرة، أصبحت أكتب ولكن ليس فقط، لأحدث نفسي، بل لأوصل ما أكتب للآخرين. عندها اتخذت كتابتي منحى آخر. أصبحت الكتابة ليست تنفيساً لأزمة أو تعبيراً عنها فقط، بل مشاركة للقاريء في مسائل إنسانية تهمه هو، أيضاً. الكتابة للآخرين تعني نحت المعنى وتكثيف الصورة والتأني في تقديمها. أصبحت أقرأ ما أكتب، وأعيد قراءته في فترات متباعدة، وفي كل مرة أعيد تنظيم ما كتبت. وفي نهاية المطاف أقوم بعملية التنقيح وأشرك أصدقائي القلائل بما أكتب\'-OQ OP-13-CPCQ-.
ويعلب المتلقي دوراً لا يستهان به في إعاقة الكتابة الإبداعية عند المرأة:
- فالمعيار الذي يقيس به المتلقي كتابة المرأة معيار ذكوري فرضته المؤسسة الثقافية الذكورية.
- والنقاد ذكوريون يرفضون كل ما من شأنه الخروج على المعيار الذكوري.
- والناشر ذو فكر ذكوري يخاف من الخسارة إذا ما كسر المعيار فلا يلجأ إلى نشر الأعمال النسائية. ولقد عانت الشاعرات وما زلن يعانين من النشر، ولعلنا نلمس ذلك من الجهات الناشرة لأعمالهن، والشكوى المتكررة من قبلهن من عدم وجود جهات تدعم كتابتهن وتعمل على نشرها، ولقد لفت نظري وفرة الدواوين التي تنشر في فلسطين المحتلة عام 1948، ولعل هذا عائد إلى قيام القسم العربي في وزارة الثقافة بالطباعة للشاعرات الشابات وتشجيعهن. وإن كان البعض يرفض ذلك ويزعم أن عدم الإتقان الفني من السمات الغالبة على معظم النماذج الشعرية التي يجري نشرها، ويقول إن مرد ذلك فيما يبدو هو توفر وسائل ودور النشر التي تنشر دون مراقبة نوعية الإنتاج الشعري ولا بد من الحد من نشر النماذج الهابطة.
وفي رأيي أن تقييم الأعمال النسائية بأحكام ذكورية، ووفقاً لمقاييس إما أن تناسب السقف الذكوري المقولب مسبقاً، وإلا يتم إسقاطها من قائمة الكتب الموضوعة للنشر، كان سبباً في دحر الكتابة النسائية دائماً، وإهمال طباعتها.
ولقد لاحظت الكاتبة تهميش كتاباتها وعدم إدراجها ضمن التاريخ الأدبي، كما وعت أن خروج أي فرد على أي نظام يعرضه للجزاءات الاجتماعية، بل للعقوبات المادية والأدبية في كثير من الأحيان، حيث يمنع من النشر، أو تسحب كتبه من السوق، للحيلولة بينه وبين ما يهدف إليه من التمرد عليه، فاللغة هي أبرز الظواهر الاجتماعية التي تنعكس عليها ردود الفعل الاجتماعية، فإذا حاول فرد التحليق وخدش المنظومة اللغوية للجماعة، كان معرضاً للانتقاد والحرب عليه.
ج- الرسالة Message:
مالت بعض الدراسات إلى اعتبار النص مرآة للمبدع ولعصره، بل واعتبر بعض النقاد مثل بوفون أن الأسلوب هو الرجل، واعتمدت بعض الدراسات في التحليل على الرسالة بذاتها دون النظر إلى أي عنصر خارجي.
وعن علاقة النص بالمبدع يؤكد د. عبد المطلب أن النص الأدبي حقيقة \' وليد تجربة ذاتية للمبدع، ولكن التعبير عن هذه التجربة يعطيها لوناً من الموضوعية يتيح للباحث أن يتوجه إلى هذا التعبير باعتباره إفرازاً ذاتياً اصطبغ بتجربة الحياة المعيشة التي تتجاوز إطار الذاتية من خلال وسيلة موضوعية هي اللغة، ولعل اكتساب التجربة المعيشة طابع العموم والشمول – باعتبار – أن البشرية كلها تلتقي في تجربة الحياة – مما يؤكد طابع الموضوعية الذي يكتسبه التعبير الأدبي، لأننا جميعاً في غالب الأحيان نحاول التعرف على ذواتنا في العمل الأدبي الذي نعايشه مما يعطيه طابع العموم الموضوعي الذي يكسبه استقلالية عن المبدع في لحظة التلقي، بل إنه يعطيه استقلالاً خاصاً حتى يمكننا القول إن هذا النص لم يعد ممثلاً للعالم بقدر ما يتمثل العالم فيه.
وقد قامت الحركات النسائية، في السنوات الأخيرة، بمحاولات عديدة لتعديل النظام اللغوي الإنجليزي تحت تأثير الانطباع بأن التحيزات ضد النساء إنما تنبع أساسًا من نظام اللغة نفسه، وهو نظام متحيز، كما تقول هذه الحركات، لاستخدامه صيغ المذكر في الدلالة على المؤنث في بعض الأحيان وكذلك على ما لا يكون مذكرًا ولا مؤنثاً.
ومن الضروري أن نقول أن العيب في اللغة العربية ليس في اللغة عينها، فاللغة نفسها محايدة وليس لها نصيب من التحيز، وهي تملك طاقات كامنة لتنفي عن نفسها الانحياز. وهي حية ومتطورة، يشترك في اتباعها أفراد المجتمع حتى يحققوا التواصل فيما بينهم، ويحققوا غاياتهم في الحياة. ولكنها لما كانت قد خلقت داخل المجتمع ونتيجة احتكاك الأفراد وتجدد احتياجاتهم، فإن لها خلفية اجتماعية يتعين الرجوع إليها، فهي ليست من صنع الأفراد، بل إنها مواضعة جماعية.
ولكنها محاولة الرجل طوال التاريخ الاستحواذ على اللغة بمعنى تحميلها بالمضامين التي تفضل الرجل على المرأة، واتخاذها أداة للإيحاء بأنه السيد وهي التابعة، ومحاولاته إقناعها بذلك. لكن الواضح أن اللغة بوصفها نظامًا لغويًّا لم تخضع لهذا التحكم وبقيت كما كانت نظامًا كافيًا باحتوائها على العناصر الضرورية التي تجعل استخدام اللغة صالحًا في التعبير والاتصال للذكر والأنثى كليهما.
ولقد ألمح علماء العربية منذ القدم إلى وجود تمايز لغوي بين الجنسين، حيث قال (ابن جني) حين عرض أسلوب الندبة \'إن أكثر ما يتكلم بهذا الأسلوب النساء \'-OQ OP-14-CPCQ-. ويذكر (كمال بشر) أن: \' ظاهرة التأنيث صرفياً ونحوياً في اللغة العربية محورها المرأة ( في الأصل على الأقل ) وهي ظواهر متشعبة ومنوعة ولكنها جميعاً ترد إلى فكرة واحدة، وهي تفرد المرأة بنمط من الخطاب اللغوي خاص بها هو خطاب التأنيث في العربية \'-OQ OP-15-CPCQ-.
ومن هنا نصل إلى أن الاختلاف في اللغة بين الجنسين موجود ولكنه ليس اختلافاً بيولوجياً، فمرده إلى التباين الاجتماعي والثقافي بين الرجل والمرأة. لذلك ومع التقدم العلمي والحضاري بات الاختلاف بين الذكورة والأنوثة محل العديد من الدراسات، ولقد بذل علماء الإناسة (الأنثروبولوجيا) وعلماء الاجتماع والنفس كثيراً من الجهود في دراسة وإظهار الفرق بين لغة الرجل والمرأة سواء عند الشعوب أو مقارنة بين شعب واحد، والآن ظهر عديد من الدراسات التي تتحدث عن المرأة واللغة وأشكال التحيز اللغوي وسبل تعديله. وذلك بعد أن بات الجميع على قناعة بأن الحفر والتوصل إلى لغة المرأة هو سبيل إلى حل الكثير من المشكلات في العالم. تقول (هيلين سيسو) \'إن مؤلفات المرأة لو أخذت شكل الكتابة الأنثوية فإنها يمكن أن تقلب موازين اللغة الرمزية المذكرة رأساً على عقب\'-OQ OP-16-CPCQ-.
وترى (هيلين سيسو) أن هناك نظاماً هرمياً أبوياً تنتظم في إطاره اللغة في صورة مصطلحات ثنائية محملة بدلالات سالبة أو موجبة، وتُؤْثِر دائماً البعد المذكر، وترى أن ارتباط أحد طرفي الثنائي بالأنوثة والآخر بالذكورة أمر متواضع عليه، لا أمر محدد تحديداً ثابتاً\'-OQ OP-17-CPCQ-.
ولكن ما السبب في ذكورة اللغة؟ تقول (ديل سبندر) متسائلة في كتابها ( ذكورة اللغة)، وتحديداً في فصل: اللغة والواقع، \' من صنع العالم؟ \'، وجواباً على ذلك فإنها تقرر أن الذكور كمجموعة مهيمنة قد أنتجوا اللغة: أفكاراً وواقعاً وتاريخاً وبحسب (سبندر) فإن بنية اللغة وتصنيفها والمعاني التي تحملها إنما اخترعها الذكور. ولم تلعب النساء في هذه العملية إلا دوراً صغيراً جداً. وإن ذاتية الذكور subjectivity كانت المصدر الأساس لهذه المعاني بما فيها أن ذاتيتهم الذكورية هي (الموضوعية) بعينها\'-OQ OP-18-CPCQ-.
لقد حكى الرجل وكتب وكان يراكم في كل تلك السنوات الماضية ويؤرخ لما يقوم به متجاهلاً ومهملاً ما تقوم به المرأة وما تقوله حيث يصبح غير معتمد لديه، ومارس عصر التدوين ورجاله بخس النساء حقوقهن، وهو ما تسميه بنت الشاطئ بمحنة الوأد العاطفي والاجتماعي-OQ OP-19-CPCQ-
وفي دراسة ديل سبيندر (Dale-Spender) - عالمة اللغويات والناقدة الأسترالية النسوية الهامة لسياسات التسمية في (اللغة صناعة الرجل، 1980)\'-OQ OP-20-CPCQ-، التي ذاع صيتها بعد هذه الدراسة - تقول: \' إن اللغة تشكل الطريقة التي ندرك بها الواقع. وترى أنه نظراً لكون اللغة أبوية وتنقل صورة العالم كما يراها الرجل، فإن المرأة تصبح مهمشة لغوياً وتظل تجربتها النسائية غير مسجلة، وهي مشكلة تضطر النسويات لمواجهتها، حتى أكثرهن فصاحة وطلاقة. ومعنى ذلك أن تاريخ الكتابة النسائية هو تاريخ النضال المنفرد مع المعنى-OQ OP-21-CPCQ-.
ولذلك ظهر عدد من الكتب عن المرأة واللغة، مثل كتاب الدكتور (عبد الله الغذامي)، وكان السؤال فيه هل انحازت اللغة إلى الرجل؟ وهل تم تذكير اللغة تذكيراً نهائياً؟ أم أن هناك مجالاً للتأنيث تخرج فيه المرأة من مرحلة الحكي إلى زمن الكتابة التي تحولت إلى مستعمرة ذكورية؟ وفي (المرأة واللغة) يستهل الغذامي مقدمته بالاتكاء على شاهد لـ(عبد الحميد بن يحيى) الكاتب يقول فيه: \' خير الكلام ما كان لفظه فحلاً ومعناه بكراً \'-OQ OP-22-CPCQ-، وكأن عبد الحميد يعلن بقوله: \' عن قسمة ثقافية يأخذ فيها الرجل أخطر ما في اللغة وهو اللفظ / الفحل، ويترك للمرأة المعنى الذي لا وجود له إلا تحت مظلة اللفظ \'-OQ OP-23-CPCQ-. فبكارة المعنى التي يتحدث عنها الغذامي في نهاية الألف الثاني هي بكارة الاستحواذ لا بكارة الأولية التي انشغل بها أبو تمام القائل:
\' الشعر فرج ليست خصيصتـه
طول الليالي، إلا لمفتـرعـه \'
فحيث ينطلق الغذامي من تبعية المعنى للفظ، ينطلق أبو تمام من أسبقيته. من هنا إلحاحه بأن المعنى يكون بكراً أو لا يكون، ويعني أبو تمام بالبكارة الإبداع لا على مثال، وهو إبداع أتيح له وامتنع على غيره.
ويؤكد الغذامي أن تلك القسمة أفضت إلي قسمة ثانية أخذ فيها الرجل (الكتابة) واحتكرها لنفسه وترك للمرأة (الحكي)، وهذا أدى إلي إحكام السيطرة علي الفكر اللغوي والثقافي وعلي التاريخ من خلال كتابة هذا التاريخ بيد من يرى نفسه صانعاً للتاريخ([24].)
لقد كتبت بعض الشاعرات والكاتبات عن درجات سيطرة النظام الأبوي الذكوري كما حدث في السيرة الذاتية لـ(فدوى طوقان)، وكذلك في السيرة الذاتية لـ(سميرة أبو غزالة)، و(أنيسة درويش) مما يؤكد أن كتابات ولغة الشاعرة الفلسطينية تشبه كتابات أية امرأة في العالم الثالث، تشبه أية كتابات نابعة من أي ثقافة تابعة، ومصطلح تابعة (Subaltern) مصطلح \'صكته المنظرة الهندية (جايرتري شاكرافورتي سبيفاك) التي تنتمي إلى تيار ما بعد الكولونيالية ( النزعة الاستعمارية)\'-OQ OP-25-CPCQ- حيث وصفت الذات المستعمَرة، وقد لاحظت أن بعض قطاعات المجتمعات المستعمرَة تتعاون مع السلطات ومن ثم تكتسب هوية في إطار نظرة المستعمِر -OQ OP-26-CPCQ- إلى العالم الثالث، الأمر الذي يجعل الذات المستعمرَة تبقى على الهامش، وينظر إليها على أن نصفها ينتمي إلى النموذج الاستعماري ونصفها الآخر يقع خارجه. ومن هنا فإن الذات النسائية التابعة تتعرض لمزيد من التهميش كما تقول (سبيفاك) في ( هل يستطيع التابع الكلام؟، 1993): \' ليس للتابع تاريخ في سياق الإنتاج الاستعماري وليس في مقدوره الكلام، فلو كان هذا التابع امرأة فإنها تكون متوارية في الظل أكثر من غيرها\'. ولقد تحدثت (فدوى طوقان) عن ذلك التواري في الظل، وأكدت كثيراً أن التابع لا يستطيع الكلام.
ويلاحظ على لغة الكاتبات أنهن يردن لغة جديدة فلقد استشعرن أن ثمة تحققات لغوية تنطوي على قدر من التحيز للذكور، واختزال الحضور الأنثوي، فانبرين لتسليط الضوء على أشكال التحيز وسبل التعديل.
ولقد أدركت ذلك (فاتنة الغرة) وعبرت عن مشكلة المرأة اللغوية، فهي تريد أن تعرض مشكلتها بلغة نسائية وتجد نفسها تقف عاجزة أمام ذلك، فتقول:
ماذا أريد؟..ومن أريد؟/ قضيتي تتلخص في..
علم الأصوات واللغة (فاتنة الغرة، امرأة مشاغبة جداً، ص80 )
و(فاتنة الغرة) في ذلك تتلاقى مع (عبد الله الغذامي) في أن المشكلة لغوية. من جهة أخرى عانت (عايدة حسنين) من اللغة فهي لا تستطيع التعبير عن ذلك الحب الكبير الذي تشعر به، ولذلك تقول:
حبيبتك أنا، وأما اللغة فضعفي،
وضعفي/ وضعفي
كالبكاء ( عايدة حسنين، خطو المرايا، اللغة، ص30)
كررت عايدة لفظ ( ضعفي) ثلاث مرات في تأكيد على أن اللغة هي سبب الضعف الحقيقي عند المرأة، ولكن (ريتا عودة) رأت أن الحل يكون بلغة حديثة، وأحرف حديثة وأن ذلك يفي بالغرض من وجهة نظرها، ولكن هل ذلك محقق عملياً؟ تقول:
ومضات خافتة/على نوافذ الأبجدية
تذيب.../ ثلج الخيال
وتنثر.../ بذور الحداثة
في تربة الكتابة ( ريتا عودة، مرايا الوهم، ومضات خافتة، ص29)
ولكن (أنيسة درويش) وهي تستشعر الأزمة ترى نفسها دون لغة أو وطن، تقول:
ماذا أقول أنا/ وأنا في الصفحة الأولى لديواني
بلا وطن/ بلا لغة
ومراكبي انقلبت من قبل إبحار
وقد جاءني نيسان/ رغم صهيل أحزاني
ماذا أقول أنا/ وأنا أشك في شعري
وأشك في فكري/ وفي حبي/ وفي فرحي وأحزاني
أأشرب الفنجان ثانية؟؟/ أم أهز لساقي الحب فنجاني؟؟
(أنيسة درويش،وأهون عليك،إلى نزار قباني تعقيباً على قصيدته\'هل تسمعين صهيل أحزاني\'،ص 107-109)
وكذلك عبرت (فرجينا وولف) عما عانته في بلدها قالت: \' بلدنا … عاملني عبر الجزء الأعظم من تاريخه كعبد، فقد حرمني من التعليم، ومن أية حصة في ممتلكاته … وإذا ما واصلتن الإلحاح على الكفاح من أجل حمايتي أو حماية (بلدنا)، فليكن مفهوماً بشكل هادئ وعقلاني بيننا بأنكن تكافحن من أجل إشباع غريزة لا أستطيع المشاركة فيها والحصول على مزايا لم أسهم فيها، والحقيقة إنني كامرأة لا وطن لي \'-OQ OP-27-CPCQ-.
و(أنيسة درويش) بذلك تعطي صورة لنفسها وغيرها من الكاتبات اللواتي يكتبن وهن متشككات وخائفات من المتلقي وبالأخص المتلقي الرجل، ولذلك هي تعترف أنها تشك في شعرها وفكرها بل في مشاعرها من حب وفرح وحزن، وتشك إن كانت قادرة على الكتابة فتستمر أم تعتزل الكتابة إلى غير رجعة، منتظرة للرجل أن يقرر لها فهو صاحب الحكم والمقرر.
أما (فاتنة الغرة) فلقد حاولت الحل حين وجدت نفسها مدفوعة للكتابة كما قالت بلغة جديدة، وجاء أحد نصوصها بعنوان: (لغة جديدة)، تقول:
ألم يزلزل هامة التاريخ/
يعصف بي/ وتقهرني الموانئ
بين دمعي وابتساماتي/ تضيع تفاصيل انكساري
لا غبار/ علي انتحار الوقت
في دمعي..وفرحي/ في زمان لم يكن لي مرة
هي لحظة للموت
ترسو .. فوق أشلاء/ القناعات السخيفة
كي يظل الصمت قانوناً/ يكبل دفتري .. قلمي
في كون.../ يضيق عليَّ
أبحر نحو ينبوعك
تضيق عليَّ أقدامي/ تضيق عليَّ أثوابي
تضيق عليَّ منديلي (فاتنة الغرة، امرأة مشاغبة جداً، لغة جديدة، ص17 )
وبذلك تسلط (فاتنة الغرة) الضوء على السلطة الذكورية التي زلزلت هامة التاريخ منذ القدم، فلقد نصبوا أنفسهم حماة له، وبقي القهر والقمع حليف المرأة، يضيق عليها، ويكبل مفرداتها ويحرمها حرية الكتابة، وقد آن الأوان لأن يكون لها لغتها الخاصة، وصوتها ولغتها الجديدة التي تعبر من خلالها عن رفض كل أنواع التضييق.
وها هي (روز شوملي) تشعر بالأرق والخوف من الكتابة وذلك بعد أن تقدم بها السن، تقول:
يدي تؤرقني/ تذكر أنك تمرق/ دون أن أدري
أهو الخريف؟/ لا بأس/ لدي يد أخرى
يدي الأخرى تؤرقني/ تذكر أن الشتاء جاء
كيف أمسك القلم؟ ( روز شوملي، حلاوة الروح، أرق، ص 19)
فالزمن يمر، وبالرغم من أن الزمن يشكل مصدر خوف كبيراً عند المرأة، فإن الخوف عند (روز شوملي) من الزمن مقرون بخوفها من أن يتسبب مروره في توقفها عن الكتابة، وهي تريد الكتابة فتقول: إن الكتابة عندها قد مرت بثلاث مراحل، الأولى كان مرور الزمن فيها يؤرقها وهي تكتب، وفيها شعرت أنها فقدت إحدى يديها التي تساعدها في الكتابة، وفي المرحلة الثانية ومع مرور الزمن الذي شبهته بقدوم الخريف شعرت أن الزمن لم يحل بينها وبين الكتابة فلقد تذكرت يدها الأخرى، ولكن يؤرقها تقدم الزمن فلقد هجم الشتاء، وفر الزمن وباتت الكيفية التي ستمسك بها القلم وتكتب بها تؤرقها.
وتحدت (ريتا عودة) كل أشكال التضييق على لغتها، فقالت:
أتحدى أسطورة ضعف الشمس
أتحدى غرور سيطرة الرجل...
أتحدى انحصار اللغة في حروف معدودة
أتحدى انحصار المجتمع... في رجل وامرأة.. \' مشلولة\' |
(ريتا عودة، ثورة على الصمت، الصمت القاتل، ص12)
كررت (ريتا عودة) الفعل (أتحدى) أربع مرات، ولكنها مع كل مرة كانت تعرض مظهراً من مظاهر القمع الذي تتعرض له كامرأة كاتبة، وتتعرض له كل الكاتبات بالتأكيد، من حرمانها نور العلم والتحرر والانفتاح، والسلطة الذكورية، والحصار اللغوي المفروض على المرأة، في تحديد مفرداتها ضمن حدود العادات والتقاليد، والحصار الثقافي الذي جعل الرجل متعافياً متكاملاً، وأبقى المرأة عاجزة. وهو عجز لم يكون في يوم من الأيام بيولوجياً، فهي ترى أن المجتمع هو خالقه.
وتعتبر (ريتا عودة) أن الكتابة هي التي تشعرها بأن لها كياناً، تقول:
أنا لا أكتب
من أجل أن يعترف / بعض كهنة الكتب/ وبعض عرّافو الكلمات
باختلاقي../ ألواناً أخرى.. للقمر |
أو بانتسابي.../ إلى طفولة الشجر |
أنا لا أكتب كي تتمتع الشفاه/ بغرور كلماتي
أو تتدفق العيون/ بكبراء استعاراتي..
أنا لا أكتب/ من أجل أن أفرض
قوانين سماوية/ على الأبجدية/ أنا أكتب
من أجل أن.. أكون | (ريتا عودة، ثورة على الصمت، كيان، ص29)
وتشعر (عطاف جانم) أن الكتابة ساعدتها على التفلت من إسار المجتمع الذكوري السلطوي وضغوطه الواهية، تقول:
ها أنذا أتفلت من إسار/ بيت العنكبوت
أحرر عنقي قليلاً من ضغطات قبضة/ العمل المميت
وأنسل إليك..../ وأوافيك دونما مواعيد مبرمجة
فيا سيدي الشعر/ أمامك وحدك
أعري الروح من أقنعتها
أغتسل بماء الطفولة والنقاء ( عطاف جانم، ندم الشجرة، سيدي، ص 104-105)
لقد ساعدت الكتابة المرأة على التخلص من إسار المجتمع، والمطالبة بكل حقوقها من أجل مساواة عادلة مع الرجل، ولكن (فاتنة الغرة) لما بدأت تكتب بلغة جديدة شعرت بأن لغتها لم تعد تعرفها، ولكنها في الوقت نفسه لم تستطع أن تجهلها، تقول:
لم تعرفني لغتي/ لم تجهلني
أشعر أنى أمشى فوق جليد ساخن
أهرب منى /أحدث ضجة
ما قد قلت وما لم أذكر/ عندي واحد ( فاتنة الغرة، امرأة مشاغبة جداً، امرأة مشاغبة جداً، ص23 )
وتعتبر (زليخة أبو ريشة) اللغة آلة لكشف الخداع الثقافي والاجتماعي، وتعتبر لغة المرأة لغة غائبة، ولقد دعت (ديل سبندر) النساء إلى رفض دورهن الصامت في إطار ما تسميه (باللغة التي صنعها الرجل). قالت :\' هن جميعاً يقلن بإمكانية إنتاج نصوص يمكن أن تسمى أنثوية \' ولكنها مستترة تحت سطح الخطاب المذكر ولا تظهر إلا من آن لآخر، في صورة انشطار في اللغة المذكرة. وثمة افتراض بأن المرأة تُعطى هوية معينة في إطار البنيات الذكورية والسلطة وأنها يجب أن تسعى للتصدي لهذه الهوية المفروضة.
تقول (ريتا عودة) أما لغة المرأة التي يريدها الرجل فهي لغة الصمت:
بكى العصفور / وناح
لكن الشجرة/ ظلت صامتة ( ريتا عودة، مرايا الوهم، لغة الصمت، ص 74)
وتصرخ معلنة رفضها لغة الصمت المفروضة، تقول:
\'أنا
أومن...
أن الصمت.. قاتل\' (ريتا عودة، ثورة على الصمت، من أنا، ص10)
وتؤكد (ريتا عودة) أنها من الآخر قد تعلمت حروفها، وفي مدخل ديوان (مرايا الوهم) لريتا ذكر (موفق خوري) أن الشاعرة (ريتا عودة) \'استدعت فكرة شعب الله الذي سار حول أسوار أريحا اثنتي عشرة مرة حتى سقطت أسوار أريحا وحصل الشعب على غنائم البلدة وكنوزها... وهي في شعرها تسير حول أسوار اللغة أكثر من مرة ما يدل على محاولة تملك مفاتيح اللغة من أجل الحصول على غنائم للغة وكنوزها\'-OQ OP-28-CPCQ-، تقول(ريتا عودة):
أسير/ حول أسوار اللغة
ثلاث عشرة مرة
فتسقط/ أسوار/ الكلمة
وأبتديء رحلتي/ عبر فيض النور (ريتا عودة، مرايا الوهم، مدخل، ص7)
ولكن (عايدة حسنين) ترى أن هذا المجتمع قد برمج لغتها ومفرداتها، وهو ينحرها كخروف العيد الفاقد إرادة الرفض، تقول:
راية بيضاء جبانة مثلي/ وصلت
تؤذن طاعة كحاسوب صغير
بُرْمِجْتُ أكرر قاموسية الكلمات
بنك المعلومات/ يستجيب لكبسة زر/ أو يصدأ
سامحني أولا تسامحني/ سرقوا مني الإحساس
كي لا أطالب بحقي/ أن أتمرد
أن أكون إنسانة/ أن أحب (عايدة حسنين، رؤى الياسمين، خروف العيد، ص58- 59)
ومن خلال نصوص الشاعرات لاحظت أنهن كن يكتبن بلغة إما ذكورية بشكل كامل، ينشدن من ورائها رضا الرجل وقبوله إياهن في عالم الشعر، ولا نشتم منها رائحة الأنوثة، أو أنها مستترة تحت سطح الخطاب المذكر كما ذكرت (سبندر) ويظهر فيها صوتها ولونها الأنثوي بين الفينة والأخرى. ولكن النصوص الخاصة الأنوثة ما زالت غير موجودة، وهي النصوص التي تفضلها (إيلين شوالتر)، لأن هذه النصوص من وجهة نظرها لا تمثل عملية المحاكاة أو رد الفعل المقاوم وحسب، بل تقدم للمرأة \'أدباً خاصاً بها\'-OQ OP-29-CPCQ-.
وأستطيع القول إن هذه المرحلة تعد من أصعب المراحل بالنسبة للكتابة، ولم تتوصل إليها وتحاول الكتابة عن طريقها سوى قلة من الكاتبات اللواتي تلمسن ذواتهن الأنثوية وحاولن الكتابة الأنثوية بقدر المستطاع. فكثيرات منهن يشعرن ضرورة الكتابة بهذه الطريقة ولا يجدن المفردات فلقد سيطر الرجل على اللغة طوال المدة السابقة وما زالت الكاتبة تسعى وتحاول تلمس طريق الأنثوية للتعبير عن الذات وهمومها بشكل مختلف. ولو استطاعت الكاتبات التوصل إلى ذلك سيستطعن قلب الموازين في العالم، والعيش في عالم جديد.
ونستطيع القول إن مفردات شعر المرأة بصورة عامة محدودة أكثر من مفردات الرجل، تقول (ديل سبندر) في كتابها (ذكورة اللغة):\' وليست المسألة أن الذكور قد زودوا أنفسهم بمزيد ومزيد من الكلمات الإيجابية، ولكنهم تأكدوا أن لديهم مزيداً من الفرص لاستخدام هذه الكلمات\'-OQ OP-30-CPCQ-. ومنعت المرأة نفسها من كتابتها ولعل ذلك المنع في اللغة تقوم به النساء أنفسهن أو المسنات من بينهن، وقد تجمع عليه الشابات ولكنهن لا يستطعن تجاوزه.
إن مفردات الشاعرات محدودة، ولذلك يلجأن أحياناً إلى تكرار المفردة وبكل أوجهها من حيث الإفراد والتثنية والجمع، واستخدام الفعل منها بكل أزمنته من ماض ومضارع وأمر، ومع كل الضمائر، ويعملن على توسيع دلالات المفردات القديمة وتطبيقها على دلالات جديدة منوعة، حتى بات ينطبق عليهن قول لورد تشسارفيلد في ( العالم، 1754) \' إن شقراوات بلادي لم يقنعن بتحسين اللغة وذلك بتوسيع المفردات القديمة وتطبيقها على دلالات جديدة منوعة، وهن يأخذن كلمة ويصرفنها كما يصرف الجنيه إلى شلنات ليفي بحاجات الحياة اليومية\'-OQ OP-31-CPCQ-.
وبالرغم من أن المرأة متهمة بالثرثرة، فإن الدواوين المكتوبة لم تثبت ذلك، وكانت مفردات الشاعرات محدودة، يقول عيسى برهومة \' انتهت بعض الدراسات إلى أن النساء أقل ميلاً من الرجال لإظهار الفوارق، ويأخذن أحاديث الرجال على محمل العناية والجدة، فيما يغص الرجل بكلام المرأة ويصفه بالثرثرة والخواء\'-OQ OP-32-CPCQ-. فأين ما يزعم بحقها من اتصافها بالثرثرة، أعتقد أن الموروث الذكوري حول ثرثرة المرأة هو الذي يشيع ذلك.
يقول الشاعر الإرلندى الإنجليزى أوسكار وايلد:\' إن النساء جنس خلق للزينة، وليس لديهن أبدا ما يمكن أن يقلنه، ولكنهنّ يقلنه بدلال\'. وعند أورورا لي \'وظيفة المرأة أن تتكلم \'. وفكر المرأة لا يكاد يتكون في دماغها حتى يثب على لسانها. تقول روزالند فى (كما تهواه): \'ألا تعرف أنني امرأة وينبغي أن أتكلم حالما أفكر ؟\' وفى رواية حديثة تقول إحدى الفتيات :\' إنني أتكلم على هذا النحو لكي أجد ما أفكر به. ألا تفعل ذلك؟\'. ولقد صدرت عدّة كتب عن هذا الموضوع من أهمها كتاب \' النساء واللغة \' وهو باللغة الفرنسية وعنوانه بها( Les Femmes et Le Language ) ، لمؤلفته فيرينا أبيشير ( Aebischer)، وقد صدر عن دار نشر( PUF) في باريس عام 1985، والمبحث في هذا الكتاب وفى المقالات التي كتبت عن الأنثى واللغة ينطلق من فكرة عدم امتلاك الأنثى للغة وهو موقف أعتبر من البداية عنصرياً يهمّش الأنثى ويصنفها ضمن الأقليات المضطهدة.
ولعل الأسباب التي أدت إلى وصف المرأة بالثرثرة ليست بعيدة المنال. وهى تعود بصورة رئيسية إلى أسباب اقتصادية من وجهة نظري، والتي أرجعها (أتوتو جسبرن) إلى طبيعة عمل المرأة يقول:\' منذ آلاف السنين كان العمل الذي أنيط بالرجال من ذلك النوع الذي يحتاج إلى استعراض قوي للطاقة خلال فترة قصيرة نسبياً لاسيما في الحرب وفى الصيد وفى مثل هذه الظروف كانت فرص الكلام معدومة بل ربما كان الكلام مصدر خطر عظيم، وحين ينتهي الرجل من عمله القاسي كان يستسلم إلى الكرى أو يبدد وقته بطريقة ما، أما المرأة فقد أنيطت بها سلسلة من الواجبات المنزلية لم تتطلب مثل تلك الطاقة العضلية الهائلة. ولم توكل بها الزراعة والأعمال الأخرى الكثيرة التي يتولاها الرجال في أوقات السلم العادية بل كلفت أيضاً بتلك المجموعة من الأعمال التي ظلت حتى وقت قريب جداً مهمتها الرئيسية: تعهد الأطفال والطبخ والخبز والخياطة والغسيل..وهى أشياء لا تتطلب فكراً عميقاً وكانت تؤدى في وسط مجموعة من النسوة وما أسهل أن ترافقها ثرثرة مستطرفة. ومازالت آثار هذه الأوضاع قائمة في هذا العصر بالرغم مما يحدث في أيامنا هذه من تطورات اجتماعية هائلة قد تكون سبباً قوياً في تعديل العلاقات اللغوية عند الجنسين\'-OQ OP-33-CPCQ-.
د – قناة التوصيل:
قد تكون التلفاز، الراديو، الهاتف، الفاكس، الجوال ، الكتاب وجميع أنواع المطبوعات، والانترنت وغيرها من القنوات التي يتم الاتصال من خلالها والتي تتطور بتطور الزمان، وقد تطورت في عصر المعلومات بدرجة هائلة.
- تعاني المرأة من حرمانها من التعامل مع الوسائل التكنولوجية من حاسوب، موبايل، انترنت، تلفون، فاكس .. الخ.
- وإذا توفر لها يتم مراقبتها بشدة من قبل الأخ أو الأب أو الزوج.
- وكل الإحصائيات تؤكد تهميش المرأة في العالم الرقمي.
هـ – السياق :
أما السياق فهو مفهوم يتعلق بقضايا التأويل والإيديولوجيا والعالم الخارجي كله، ولقد كان ممن تبنى مفهوم السياق فيرث Firth، حيث \' يفسر في رأيه الكثير من العمليات المصاحبة لأداء اللغة ووظيفتها التواصلية لدى كل منتج للكلام، والمتلقي.
والسياق أو القرينة، نوعان، هما: السياق اللغوي Linguistic context والسياق أو القرينة الحالية Context of situation . ويرى فيرث أن الأول منهما هو الذي يعطي الكلمة، أو العبارة، معناها الخاص في الحديث أو النص، وينفي عنها المعاني الأخرى التي يمكن أن تؤديها في حديث أو نص آخر\'-OQ OP-34-CPCQ-.
والسياق عند ( جاكبسون ) هو \' الطاقة المرجعية التي يجري القول من فوقها، فتمثل خلفية للرسالة تمكن المتلقي من تفسير المقولة وفهمها. إنه الرصيد الحضاري للقول وهو مادة تغذيته بوقود حياته وبقائه … ولا تكون الرسالة بذات وظيفة إلا إذا أسعفها السياق بأسباب ذلك ووسائله … فلكل نص أدبي سياق يحتويه، ويشكل له حالة انتماء، وحالة إدراك …. وهو سابق له في الوجود. فالسياق أكبر وأضخم من الرسالة… وموضع النص من السياق مثل موضوع الكلمة من الجملة، فلا قيمة للكلمة من دون الجملة، مثلما أنه لا وجود للجملة من دون الكلمة\' -OQ OP-35-CPCQ- .
خلال السنوات الماضية أتيحت لي فرصة دراسة العديد من دواوين الشعراء، ولكن منذ بضع سنوات بدأ لدي توجه نسوي، وأخر ابتدأت أقرأ ما توفر لي من دواوين لشاعرات نساء، ولفت نظري الفروق في الكتابة بين الكتابة النسائية والرجالية على المستويات كافة، كتابات يلاحظ بها الاختلاف على المستوى الصوتي اللفظي، والنطقي، والتركيبي، والنحوي والصرفي، والدلالي، والأسلوبي، والسلوك اللغوي غير اللفظي مع الكتابة الرجالية؛ ولذلك رغبت في تتبع أعمال الشاعرات للتوصل إلى خصائص الكتابة النسائية في الشعر.
وابتدأت أدقق في الحياة اليومية وأنا أستمع إلى الرجل والمرأة، الطفل والطفلة، والشاب والشابة. فللأطفال كلماتهم وعباراتهم، وللشباب والشيوخ كلماتهم، ولأصحاب المهنة الواحدة، فهي تختلف باختلاف العمر والطبقة الاجتماعية والمهنة ومكان الإقامة وكذلك الجنس.
وبدأت ألتفت لتلك التعبيرات المصكوكة التي تدور على ألسنة الرجال والنساء على السواء، فعندما يعبر الناس عن عدم رضائهم عن الكلام غير الجاد يقولون هذا \'كلام نسوان \'، وعندما يعبرون عن رضائهم عن الكلام الجاد يقولون هذا \'كلام رجال\'. وما هو مباح الخوض فيه في مجتمع الرجال محظور عليهن البوح به. ولا يقف الأمر عند اختلاف لغة الحديث، بل في وسائل الاتصال غير اللفظية بين المرأة والرجل تمايز وتغاير، وحتى بين الأطفال هناك ألعاب مخصوصة للبنات، وكلماتها محسوبة، أما الأطفال الذكور فيستمتعون بحرية في الحركة والتعبير. أما من ناحية العواطف والأحاسيس فهناك ما يسمح به للبنت وتقف العادات دون كثير منها، أما الولد فكل شيء متاح له فليعشق ويغازل، والأب فخور بذلك، والأم سعيدة بابنها.
يقول روشفور: \' إن الرجال لهم تعابير كثيرة جداً خاصة بهم تفهمها النساء ولا تتلفظ بها أبداً، ومن جهة أخرى للنساء كلمات وعبارات لا يستعملها الرجال أبداً وإلا عرضوا أنفسهم للهزء وللاحتقار\'-OQ OP-36-CPCQ-
وتشير (فدوى طوقان) إلى ذلك وهي تتحدث عن عائلتها، وهي التي ولدت عام 1917: \'في هذا البيت، وبين جدرانه العالية التي تحجب كل العالم الخارجي عن جماعة – الحريم- الموءودة فيه انسحقت طفولتي وصباي، وجزء غير قليل من شبابي، أما الجو العائلي فيسيطر عليه الرجل كما في كل بيت، وعلى المرأة أن تنسى وجود لفظة (لا) في اللغة العربية إلا حين شهادة ( لا إله إلا الله) في وضوئها وصلاتها، أما (نعم) فهي اللفظة الببغاوية التي تلقنها منذ الرضاع، لتصبح فيما بعد كلمة صمغية ملتصقة على شفتيها مدى حياتها كلها. حق التعبير عن النفس محظور عليها... الاستقلال الشخصي مفهوم غائب لا حضور له إطلاقاً في حياتها\'-OQ OP-37-CPCQ-.
إذن فكل ذلك أمر طبيعي فاللغة ظاهرة ثقافية اجتماعية وهي مرآة للثقافة تنعكس عليها إيجابيات وسلبيات الوضع القائم ثقافياً ولذلك يذكر إدوارد سابير في كتابه \'اللغة\' - والذي نشره سنة 1921- ومن خلال نظريته التي عرفت باسم (سابيروورف) وكونت بداية البنيوية الأمريكية في الاتجاه اللساني البنيوي العام - أن اللغة ظاهرة ثقافية داخل نظام السلوك البشري، وتتسم تلك الظاهرة بقيامها على قاعدة شكلية ونظام من المفاهيم النحوية الداخلية ونسق من العلاقات التركيبية بين النظام الشكلي والإجراءات النحوية الداخلية-OQ OP-38-CPCQ-.
ومعنى ذلك أن اللغة ظاهرة الاجتماعية يتفق الأفراد عليها بكل ما لديهم من إرث اجتماعي وثقافي. فنحن لا نبتكر شيئاً – كما ذكر (بيار أشار) – \' حين نعترف بأن النشاط الإنساني يتجلى في الإطار الاجتماعي \'-OQ OP-39-CPCQ-. فاللغة لم تنشأ بتخطيط مفرد، وإنما بمواصفة اجتماعية تعمم على الأفراد فلا فكاك من إقصاء العامل الاجتماعي في إنتاج اللغة وفهم ماهيتها، فهي ربيبة المجتمع، وبين ظهرانيه نشأت كما قرر فندريس: \' في أحضان المجتمع تكونت اللغة، ووجدت يوم أحس الناس بالحاجة إلى التفاهم فيما بينهم، وتنشأ من احتكاك بعض الأشخاص الذين يملكون أعضاء الحواس، ويستعملون في علاقاتهم الوسائل التي وضعتها الطبيعة تحت تصرفهم. فاللغة بمعناها الأوفى تنتج من الاحتكاك الاجتماعي، ولهذا صارت من أقوى العرى التي تربط الجماعات، وقد دانت بنشوئها إلى وجود احتشاد اجتماعي-OQ OP-40-CPCQ-.
وعلى طريق النضال آمنت الكاتبة أن اللغة تمنح شعوراً بالانتماء إلى مجتمع المتحدثين بها، وهي ترتبط بالبنى الاجتماعية والعلاقات بين الأفراد والجماعات والمؤسسات والمجتمع. وتعين الفرد على التوافق الاجتماعي والتكيف النفسي مع الجماعة والمجتمع وهي جسرها لإقامة العلاقة الاجتماعية وتطويرها. إذن، فلقد وضعت يدها على أن اللغة ضالتها، ولذلك رأيناها تهتم بها وتشتغل عليها حتى توفر لنفسها أداة لخطاب يساعدها على التواصل مع من وما حولها، والتعرف على أسرار الوجود. ولكنها في ممارستها للغة كانت مشروطة بالنظام الاجتماعي الذي يحدد لها الاختيارات اللغوية في كتابتها، لذلك كانت كتاباتها تعكس ما يحدث معها في عملية التفاعل الاجتماعي، فهي تكتب مراعية للشروط الاجتماعية والثقافية وتلتزم في سلوكها اللغوي وفقاً للقوالب والخطوط الاجتماعية المقبولة. وهل يستطيع أحد أن ينكر وجود علاقة بين اللغة والمجتمع؟
والمجتمع يحتمي باللغة \' لأنها سلطة power - ليمارس - بالإضافة إلى أساليبه الأخرى الوضيعة- سيطرته على المرأة. فحتى تظل المرأة في المحل الأدنى، ومقام السمع ( كما يقول أهل التصوف) والطاعة، ومقام الالتزام بالأنماط المحددة لها سلفاً قبل أن تولد، وتحرزاً لأي محاولة تمرد أو خروج على المألوف أو رفض لأشكال القيد الموضوعة فإن لدى المجتمع جاهزية لنعت المرأة العادية بأنها:( دجاجة، أو أوزة، أو مهرة، أو ثرثارة، أو أفعى، أو كلبة)\' ؟ -OQ OP-41-CPCQ-.
ولما كانت اللغة ظاهرة ثقافية، فلقد عكست دائماً الشكل والمستوى الثقافي في كل مرحلة من المراحل، ولذلك حين كان المستوى الثقافي للمرأة ضعيفاً كانت المرأة تتحدث بشكل مختلف عن الرجل في التعبير على مستوى اللفظ والمعنى، فلما ضاقت هوة الاختلاف نوعاً ما، بسبب خروج المرأة للعمل والمشاركة في كافة مناحي الحياة جنباً إلى جنب مع الرجل، تضاءلت الفجوة الثقافية بين المرأة والرجل. ويرى (عيسى برهومة) أن\' اختلاف لغة الرجل عن لغة المرأة يتناسب تناسباً طردياً والاختلاط القائم بين الجنسين، فالشعوب التي يقل فيها اختلاط الرجال بالنساء، أو يعيش فيها كلا الجنسين بمعزل عن الآخر تحت تأثير نظم دينية أو تقاليد اجتماع
المراجع
موسوعة الصداقة الثقافية
التصانيف
ثقافة
|