كانت عساكر النمل تسير بانتظام روح الفريق الواحد، ثلاثة طوابير متساوية متقاربة، تحمل بضع حبيبات من القمح والشعير، وقليلا من القشّ وما لا أدري ماهيته .
قائدهم لم يكن يحمل في يده سيفا أو بندقية ولا حتى قشّة يضرب بها الرعيّة كما حالنا البشر ، فقط كان يحمل في رأسه الصغير عقلا كبيرا يسيّر فيه جندا عظيما .
أثارني انتظامهم، جدّيتهم، مرونتهم، في الالتفاف على كلّ المصاعب دون أن ينكسر الصفّ أو يبتعد عن الآخر .
لم أشاهد في طريقهم اشارة مرور، ولا ضابطة جمركية، ولا حتى قوات شرطة أمنية، قد يكون هناك مخابرات قد اختبئت هنا وهناك لكني لم أرهم في الساحة بتاتا .
قلت في خاطري سأمزق صفّهم لأرى ردّة فعلهم، فأنا من البشر، والبشر بطبيعتهم فضوليون عبثيّون، لا يحبّون مركبا سائرا دون اعتراض طريقه ومعرفة وجهته وقصده .
العصا وضعتها أمامهم، واحدة اثنتان ثلاثة ارتطموا ثم سرعان ما وجدّوا الحلّ والتفوا حولها دون أن يكون هناك توقفا لانتظام طريقهم .
ضحكت قليلا، وقلت لنرى من منّا أكثر صبرا .؟! فرحت فاحرا حفرة كبيرة أمام هؤلاء الصغار لتكون محطة نهايتهم .
تخبّطوا قليلا، فمنهم من نزل الحفرة ومنهم من صعد العصا وآخرون توزّعوا حول الحفرة كما لو أنهم كتائب تسير كلّ واحدة على حدا .
في أقل من دقيقة كانت الكتائب التي نزلت الحفرة وصعدت العصا تعود أدراجها لتلتف احداها حول الحفرة من اليمين والأخرى من اليسار، ملتقيتان في درب واحد وللانتظام الذي رأيتهم فيه أول مرة .
هنا شعرت بالتحدي ، وأقسمت أن أبعثر جمعهم، فنظرت حولي لأجد غضن زيتون ما زالت عروقه حيّة وإن كان ظاهره ميّت .
أخذت الغصن بيميني وبدأت أحركه يمينا ويسارا، فتلك نملة طارت وتلك سقطت وأخرى على الغصن علقت ، لتبيت صفوفهم المنظمة كساعة النفير لا تميّز احداها أين الفرار من المصير .
تغطت الأرض ، وصارت ملئية بالصغار، يمينا يسارا ، أماما خلفا ، وحتى زوايا متعاكسة كانت اتجاهاتم، يا السخرية، لقد ضحكت لحظتها قائلا : أنتم صغار رغم كثرتكم ، وأنا كبير أفعل ما أريد بكم ، أبطش ، أقتل، أعرقل ، أمزق ، أحرق وكلّ كلّ ما أريد ، وأنتم تحت رحمتي قابعين " .
ما هي إلا لحظات قليلة حتى تلاشت تلك الجنود المبعثرة ، وكأن ساعة الحساب انتهت ، دخل الجنة من دخل ورحل للنار من رحل ، هكذا بدت لي الصورة في البداية .
الغرور أعمى عيوني ، وعلى التراب فرشت جسدي لأحتفي بنشوة الانتصار ، فمن حولي قتلى وجرحى والمشردين أكثر من الأعداد لا تحصيهم إلا نجوم السماء التي لا قدرة لنا على عدّها .
وبينما كنت على عرش الانتصار ، حتى شعرت بوخزة قوية في رقبتي ، فلطمت رقبتي وما عليها لأردي تلك النملة قتيلة ورقبتي علامة الأصابع الخمس عليها تجسدت .
أيتها اللعينة ، تريدي قرصي ، هذا مصير من يحاول التمادي على سادته، وأثناء عتابي وسخريتي بها شعرت بوخزتين اثنتين في قدماي ، ضربت الآولى والثانية ألحقتها فرميتهما الاثنتان قتيلتان .
قلت اللعنة ، الصغار يتمادون ، لكن الغريب أن تلك الجيوش التي مزقتها اختفت إلا قليلا ، فرحت غاطسا في غفوة أخرى لأحلم بانتصاري .
ما ان استفقت على نفسي حتى كان ذلك الجيش المنظم تنتظم صفوفه على جسدي ، كل كتيبة كانت قد تولّت حيّزا من جسدي ، منها من تسلم زمام أمر وجهي ، وأخرى صدري ، والبعض قدماي ويداي ، وقواتها الخاصة تقتحم أذناي وبعضها تعارك عيناي ، لأسقط تحت انتظام تلك الجيوش التي ظننت أنها قد تعبثرت حينما مزقت صفوفها بالغصن الأخضر .
قتلت ما قتلت ، وجرحت ما جرحت لكنني انتكست ، هم صغار لكنهم كبار ، لأنهم أدركوا أن الحرية لا يكفيها الانتظام ، فقاموا وحصدوا الانتصار ، تماما كما في تونس والجزائر ومصر وليبيا وسورية على الأبواب وفلسطين ليست بعيدة عن كل ذلك .
 

المراجع

pulpit.alwatanvoice.com

التصانيف

ادب  قصص  مجتمع   قصة