بقلم: د. علي عفيفي علي غازي
كاتب وباحث مصري
مصطفى عزت أفندي، خطاط فذ، ربطته علاقات الاحترام والمودة مع أمراء الأسرة الهمايونية، بالإضافة إلى كونه عضوًا في المجلس الأعلى للقضاء، وقاضيًا في روميليا، ونقيبًا للأشراف، وقاضيًا للعسكر. ولد في قرية طوسيا، جنوب قسطموني، القريبة من البحر الأسود، في عام 1216هـ/ 1801م. بعد وفاة أبيه داستان أغا مصطفى زاده، أرسلته أمه للدراسة في اسطنبول، فالتحق بمدرسة «باش قورشونلي» بحي الفاتح وهو لا يزال يحبو في ربيع عمره.
ويُعرف عن السلطان محمود الثاني (1222-1254هـ/ 1808-1839م) ولعه بفن الخط العربي، وأجادته خطوط النسخ والثلث وجليهما، وترك آثارًا خطية منها قطع من كسوة الحجرة النبوية الشريفة مؤرخة بسنة 1228هـ/ 1813م، موقعة «كتبه الغازي محمود بن عبد الحميد خان». فلما علم بقدرات مصطفى عزت في تجويد القرآن، وإنشاد الموشحات الدينية في جامع الهداية بحي «بهجة قابي» باسطنبول، أمر بنقله إلى العمل في القصر الهمايوني السلطاني، حيث كان الخطاطون العثمانيون يتبارون في تجويد وإتقان وتحسين وابتكار الخطوط العربية، فأمضى به ثلاث سنوات، تعلّم فيها تحسين فن الخط، ثم أمضى مثلها في «سراي غلطة»، حيث درس العلوم والفنون، وأصبح عازفًا ماهرًا على الناي وكان يتمتع بصوت شجي، وله مؤلفات في التواشيح الدينية، ويذكر مؤرخو الحركة الخطية في ظل الخلافة العثمانية أنه لا يوجد موسيقار وصل إلى مستواه في الخط، ولا خطاط وصل إلى مستواه في الموسيقى.
تعلم مصطفى عزت خط الثلث والنسخ على يدي الخطاط مصطفى وصفي، كما درس خطي التعليق وجلي التعليق على يدي يساري زاده مصطفى عزت أفندي (ت. 1265-1849م)، وأخذ الإجازة عنهما، وقد أخذ من أستاذه الثاني لقب عزت، وأدخله في تواقيعه. وكان على دراية بالرسم المنظور، فساعده ذلك في تطوير وضبط مقاسات الحروف في كتابة خط التعليق الجلي المزمع تعليقها في أماكن عالية؛ الأمر الذي جعله يحظى بإعجاب ورعاية السلطان محمود الثاني. ويذكر أحد الباحثين أن الخطاطين تسابقوا في تراكيب خط الثلث وجليه، مما أدى إلى تطور جمالي كبير فيهما، كان من نتيجته إجراء بعض التعديلات على مقاييس بعض الحروف؛ بما يخدم التشكيل الخطي، وإحداث علاقات من التناغم بين غلظ القلم ورقة التشكيل، وإشارات الحروف المهملة، وانتهى تجويد الثلث والنسخ والرقاع إلى فرعين على درجة عالية من الجمال، يقف على رأس أولهما الخطاط قاضي العسكر مصطفى عزت (1216- 1293ه/ 1801- 1876م)، ويقف على رأس الثاني الخطاط محمد شوقي (1245- 1304ه/ 1829-1887م).
ومن أبرز تلاميذ مصطفى عزت: محمد شفيق بك (ت. 1297هـ/ 1880م)، ومحسن زادة عبد الله (1248-1297ه/ 1832-1879م)، وعبد الله زهدى (1252- 1296هـ/ 1835- 1878م)، وهو من أحسن الخطاطين الذين اقتدوا به، وساروا على طريقته في كتابة خطي الثلث والنسخ، وقايش زادة عثمان نوري (1249- 1311هـ/ 1834- 1894م)، ومحمد حلمى أفندي، حسن رضا. وكتب أحد عشر مصحفًا، وأكثر من مئتي حلية، وعددًا لا يُحصى من اللوحات والقطع، واللوحات الدائرية، والكتابات الموجودة ببطن قبة جامع أيا صوفيا، وهي من أكبر وأشهر نماذج خط التعليق الجلي في العالم الإسلامي، إذ بلغ قطرها ثمانية أمتار، وذكر البروفيسور مصطفى أوغردرمان أنه استعمل قلما خشبيا، وهو يكتب لوحات جامع أيا صوفيا، وصل عرض سنه إلى 35 سم، كما كتب بخط التعليق الفارسي النص الموجود على قبر أبي الدرداء (رضي الله عنه) بمدينة اسطنبول، عندما أعيد ترميمه في عام 1250هـ/ 1835م؛ بأمر من السلطان محمود الثاني. وله كتابات بجلي الثلث وجلي التعليق في أماكن كثيرة مثل ضريح محمد علي باشا، والي مصر (1219-1264هـ/ 1805-1848م) في القاهرة، وقصر «دولمة بهجة»، وواجهة وزارة الحربية (جامعة اسطنبول حاليًا)، ومسجد نعلي في الباب العالي، والنصب التذكاري في واشنطن. وعُرف بمهارته في العزف، وكان يتمتع بصوت شجيّ، وله مؤلفات في التواشيح الدينية، وتولى منصب قاضي عسكر عدة مناطق، وصار الإمام الثاني للسلطان، ثم الإمام الأول، إلى أن توفي في سنة 1293هـ/ 1876م، ودفن في مقبرة «طوب خانه» في اسطنبول. وقال عنه أحد المشيعين يومئذ: «لقد أودعنا هذا القبر تابوتًا زاخرًا بالمآثر»، وكتب شاهد قبره أنجب تلاميذه محسن زاده عبد الله.
المراجع
al-watan.com
التصانيف
تراجم أعلام العلوم الاجتماعية شخصيات