الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده
(جاء عن جابر بن عبد الله التيمي: إذا أراد الله بقوم خيراً أرسل عليهم المطر وحبس عنهم كثرة الرياح وإذا أراد الله بقوم شراً حبس عنهم المطر وسلط عليهم كثرة الرياح ) . تفسير القرطبي
قال ابن الجوزي في الشذور ( ظهرت عام 284هـ ظلمة وحمرة في السماء شديدة حتى إن الرجل ينظر في وجه الأرض فيراه أحمرًا وكذلك الحيطان وغيرها من العصر إلى العشاء فخرج الناس يدعون الله تعالى و يستغيثونه )
ولم تزل الآيات المخوفة تتوالى على الناس فينذر الله بها عباده لعلهم يتوبون من ذنوبهم ويتضرعون والشقي من استمر في غيه ولم تردّه العبر قال تعالى (وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا) (60) سورة الإسراء . وقال تعالى (وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ) (51) سورة الروم.
لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم كما أخرج البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أَنَّهُ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةُ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ مَا يُؤْمِنِّي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فقالوا (هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا) (24) سورة الأحقاف.
إذا كان أفضل الخلق بلغ خوفه من هذا العارض هذا المبلغ فكيف هو خوفنا من هذا العارض الذي مر علينا ؟
بل كان كما جاء في حديث الذي ترويه عائشة واللفظ لمسلم أنه إذا تخيلت السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر فإذا أمطرت سريَ عنه فعرفت ذلك في وجهه قالت عائشة فسألته فقال لعله يا عائشة كما قال قومُ عاد (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ٌ) (24) سورة الأحقاف
وهذا كما قال الإمام النووي فيه (الاستعداد بالمراقبة لله تعالى). ثم قال( وكان خوف الرسول أن يعاقبوا بعصيان العصاة وسروره لزوال سبب الخوف ) وصدق الله (وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا) (59) سورة الإسراء.
ولهذا فإني أقول لنفسي وأخواني المسلمين (قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (165) سورة آل عمران
ولنحذر أن نفسر هذه الظاهرة الكونية تفسيرات مادية فقط والتي لا تجعل لإرادة الله عز وجل وقدره وشرعه وحكمته أي اعتبارٍ بل يجب أن نعرف أن الميزان الإلهـي القويم هو ميزان القسط والعدل .
(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (41) سورة الروم
وإنا لندعو الله أن تؤتي الأمة خيرها ويدفع عنها شرها .
فالله قد سلط الريح الشديدة على كفار قريش في الأحزاب وجعلها سببا في نصر المؤمنين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) (9) سورة الأحزاب
ونحن هنا لا ننفي علم الحساب والعلوم الحديثة التي تحدد ويعرف بها وقت حدوث بعض الظواهر الكونية لأننا نعلم علم اليقين إنما يكون ذلك بعلم الله عز وجل وحكمته وقدرته , لحكمة أرادها ولو أراد إخفاءها عنهم فلن يعجزه شيء سبحانه .
يقول شيخ الإســلام ابن تيمية في الفتاوى 35/ 175 عندما تحدث عن الخسوف والكسوف ( وما أخبر به النبي لا ينافى لكون الكسوف له وقت محدود يكون فيه حيث لا يكون كسوف الشمس إلا في آخر الشهر ليلة السرار ولا يكون خسوف القمر إلا في وسط الشهر وليالي الإبدار ومن ادعى خلاف ذلك من المتفقهة أو العامة فلعدم علمه بالحساب ولهذا يمكن المعرفة بما مضى من الكسوف وما يستقبل كما يمكن المعرفة بما مضى من الأهلة وما يستقبل إذ كل ذلك بحساب .
كما قال تعالى (فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (96) سورة الأنعام
(الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) (5) سورة الرحمن
(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) (5) سورة يونس . (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ) (189) سورة البقرة .
ومن هنا صار بعض العامة إذا رأى المنجم قد أصاب في خبره عن الكسوف المستقبل يظن أن خبره عن الحوادث من هذا النوع فان هذا جهل إذ الخبر الأول بمنزلة إخباره بان الهلال يطلع إما ليلة الثلاثين وإما ليلة إحدى وثلاثين فان هذا أمر أجرى الله به العادة لا يخرم أبدا وبمنزلة خبره أن الشمس تغرب آخر النهار وأمثال ذلك فمن عرف منزلة الشمس والقمر ومجاريهما علم ذلك وإن كان ذلك علما قليل المنفعة .
فإذا كان الكسوف له أجل مسمى لم يناف ذلك أن يكون عند اجله يجعله الله سببا لما يقضيه من عذاب وغيره لمن يعذب الله في ذلك الوقت أو لغيره ممن ينزل الله به ذلك ) انتهى .
فلنكثر من الإلحاح والاستغفار والدعاء ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (25) سورة الأنفال.
فالرسول صلى الله عليه وسلم حذر العرب مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ وقال: لا إله إلا الله فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمأْجُوجَ مِثْلُ هَذَا وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ وَبِالَّتِي تَلِيهَا فَقَالَتْ زَيْنَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ : نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ . متفق عليـه
نسأل الله السلامة والعافية فلنحذر فإن أمر الله إذا جاء لا عاصم منه إلا من رحم .
(فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) (165) سورة الأعراف
فالمتأمــل في (قلة الأمطار , وثوران الغبار , وغلاء الأسعـار ) وغيره من الحوادث لا نشك أبداً إلا أن سبب من أسبابها ذنوبنا فالبدار البدار بكثرة الاستغفار (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (33) سورة الأنفال
ومما يحسن ذكره في هذا المقام , أنه يجوز الجمع بين الصلاتين لأن هذا الغبار يحمل ترابا يتأثر به الإنسان ويشق عليـه فإنها تدخل في القاعدة العامة وهي المشقة تجلب التيسير وحينئذ يجوز الجمع ( وهذا ما ذكره الشيخ محمد بن عثيمين_رحمه الله_ في الشرح الممتــع في مسائل الجمع بتصرف 4/ ص 390 )
فنسأل الله كما سأل رسول الله ربه يوم عصفت الريح في حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى الرِّيحَ قَالَ (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهَا وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ ) رواه الترمذي وصححه الألباني ( 2757 )
سائلين الله أن يصرف عنا وعن المسلمين موجبات العذاب و نَقَمَاتْ السخط
وصلى الله وسلم على نبينا محمد..
المراجع
موسوعة شبكة نور الإسلام
التصانيف
ثقافة عقيدة إسلامية العلوم الاجتماعية