[[ملف:قران95.png
تعليق]]
لنساء
{137} إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا
" لِيَهْدِيَهُمْ " يُرْشِدهُمْ . " سَبِيلًا " طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّة . وَقِيلَ : لَا يَخُصّهُمْ بِالتَّوْفِيقِ كَمَا يَخُصّ أَوْلِيَاءَهُ . وَفِي هَذِهِ الْآيَة رَدّ عَلَى أَهْل الْقَدَر ; فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَهْدِي الْكَافِرِينَ طَرِيق خَيْر لِيَعْلَم الْعَبْد أَنَّهُ إِنَّمَا يَنَال الْهُدَى بِاَللَّهِ تَعَالَى , وَيُحْرَم الْهُدَى بِإِرَادَةِ اللَّه تَعَالَى أَيْضًا . وَتَضَمَّنَتْ الْآيَة أَيْضًا حُكْم الْمُرْتَدِّينَ , وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِيهِمْ فِي " الْبَقَرَة " عِنْد قَوْله تَعَالَى : " وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينه فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِر " [الْبَقَرَة : 217] .
{138} بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
التَّبْشِير الْإِخْبَار بِمَا ظَهَرَ أَثَره عَلَى الْبَشَرَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي " الْبَقَرَة " وَمَعْنَى النِّفَاق .
{139} الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا
" الَّذِينَ " نَعْت لِلْمُنَافِقِينَ . وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ مَنْ عَمِلَ مَعْصِيَة مِنْ الْمُوَحِّدِينَ لَيْسَ بِمُنَافِقٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَوَلَّى الْكُفَّار . وَتَضَمَّنَتْ الْمَنْع مِنْ مُوَالَاة الْكَافِر , وَأَنْ يَتَّخِذُوا أَعْوَانًا عَلَى الْأَعْمَال الْمُتَعَلِّقَة بِالدِّينِ . وَفِي الصَّحِيح عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ لَحِقَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَاتِل مَعَهُ , فَقَالَ لَهُ : ( اِرْجِعْ فَإِنَّا لَا نَسْتَعِين بِمُشْرِكٍ ) .
{139} الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا
أَيْ الْغَلَبَة , عَزَّهُ يَعِزّهُ عِزًّا إِذَا غَلَبَهُ .
{139} الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا
أَيْ الْغَلَبَة وَالْقُوَّة لِلَّهِ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : " أَيَبْتَغُونَ عِنْدهمْ " يُرِيد بَنِي قَيْنُقَاع , فَإِنَّ اِبْن أُبَيّ كَانَ يُوَالِيهِمْ . الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْح مِنْ اللَّه قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيب قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ
{140} وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا
الْخِطَاب لِجَمِيعِ مَنْ أَظْهَر الْإِيمَان مِنْ مُحِقٍّ وَمُنَافِق ; لِأَنَّهُ إِذَا أَظْهَرَ الْإِيمَان فَقَدْ لَزِمَهُ أَنْ يَمْتَثِل أَوَامِر كِتَاب اللَّه . فَالْمُنَزَّل قَوْله تَعَالَى : " وَإِذَا رَأَيْت الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيث غَيْرِهِ " [الْأَنْعَام : 68] . وَكَانَ الْمُنَافِقِينَ يَجْلِسُونَ إِلَى أَحْبَار الْيَهُود فَيَسْخَرُونَ مِنْ الْقُرْآن . وَقَرَأَ عَاصِم وَيَعْقُوب " وَقَدْ نَزَّلَ " بِفَتْحِ النُّون وَالزَّاي وَشَدِّهَا ; لِتَقَدُّمِ اِسْم اللَّه جَلَّ جَلَاله فِي قَوْله تَعَالَى : " فَإِنَّ الْعِزَّة لِلَّهِ جَمِيعًا " . وَقَرَأَ حُمَيْد كَذَلِكَ , إِلَّا أَنَّهُ خَفَّفَ الزَّاي . الْبَاقُونَ " نُزِّلَ " غَيْر مُسَمَّى الْفَاعِل . " أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَات اللَّه " مَوْضِع " أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ " عَلَى قِرَاءَة عَاصِم وَيَعْقُوب نَصْب بِوُقُوعِ الْفِعْل عَلَيْهِ . وَفِي قِرَاءَة الْبَاقِينَ رَفْع ; لِكَوْنِهِ اِسْم مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله . " يُكْفَر بِهَا " أَيْ إِذَا سَمِعْتُمْ الْكُفْر وَالِاسْتِهْزَاء بِآيَاتِ اللَّه ; فَأَوْقَعَ السَّمَاع عَلَى الْآيَات , وَالْمُرَاد سَمَاع الْكُفْر وَالِاسْتِهْزَاء ; كَمَا تَقُول : سَمِعْت عَبْد اللَّه يُلَام , أَيْ سَمِعْت اللَّوْم فِي عَبْد اللَّه .
{140} وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا
أَيْ غَيْر الْكُفْر .
{140} وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا
فَدَلَّ بِهَذَا عَلَى وُجُوب اِجْتِنَاب أَصْحَاب الْمَعَاصِي إِذَا ظَهَرَ مِنْهُمْ مُنْكَر ; لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَجْتَنِبْهُمْ فَقَدْ رَضِيَ فِعْلهمْ , وَالرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْر ; قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلهمْ " . فَكُلّ مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِس مَعْصِيَة وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِمْ يَكُون مَعَهُمْ فِي الْوِزْر سَوَاء , وَيَنْبَغِي أَنْ يُنْكِر عَلَيْهِمْ إِذَا تَكَلَّمُوا بِالْمَعْصِيَةِ وَعَمِلُوا بِهَا ; فَإِنْ لَمْ يَقْدِر عَلَى النَّكِير عَلَيْهِمْ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُوم عَنْهُمْ حَتَّى لَا يَكُون مِنْ أَهْل هَذِهِ الْآيَة . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَخَذَ قَوْمًا يَشْرَبُونَ الْخَمْر , فَقِيلَ لَهُ عَنْ أَحَد الْحَاضِرِينَ : إِنَّهُ صَائِم , فَحَمَلَ عَلَيْهِ الْأَدَب وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَة " إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلهمْ " أَيْ إِنَّ الرِّضَا بِالْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَة ; وَلِهَذَا يُؤَاخَذ الْفَاعِل وَالرَّاضِي بِعُقُوبَةِ الْمَعَاصِي حَتَّى يَهْلِكُوا بِأَجْمَعِهِمْ . وَهَذِهِ الْمُمَاثَلَة لَيْسَتْ فِي جَمِيع الصِّفَات , وَلَكِنَّهُ إِلْزَام شُبِّهَ بِحُكْمِ الظَّاهِر مِنْ الْمُقَارَنَة ; كَمَا قَالَ : فَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمُقَارِنِ يَقْتَدِي وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَإِذَا ثَبَتَ تَجَنَّبَ أَصْحَاب الْمَعَاصِي كَمَا بَيَّنَّا فَتَجَنُّب أَهْل الْبِدَع وَالْأَهْوَاء أَوْلَى . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : قَوْله تَعَالَى : " فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيث غَيْره " نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابهمْ مِنْ شَيْء " [الْأَنْعَام : 69] . وَقَالَ عَامَّة . الْمُفَسِّرِينَ : هِيَ مُحْكَمَة . وَرَوَى جُوَيْبِر عَنْ الضَّحَّاك قَالَ : دَخَلَ فِي هَذِهِ الْآيَة كُلّ مُحْدَث فِي الدِّين مُبْتَدِع إِلَى يَوْم الْقِيَامَة .
{140} وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا
الْأَصْل " جَامِعٌ " بِالتَّنْوِينِ فَحُذِفَ اِسْتِخْفَافًا ; فَإِنَّهُ بِمَعْنَى يَجْمَع .
{135} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
فِيهِ خَمْس مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " كُونُوا قَوَّامِينَ " " قَوَّامِينَ " بِنَاء مُبَالَغَة , أَيْ لِيَتَكَرَّرْ مِنْكُمْ الْقِيَام بِالْقِسْطِ , وَهُوَ الْعَدْل فِي شَهَادَتكُمْ عَلَى أَنْفُسكُمْ , وَشَهَادَة الْمَرْء عَلَى نَفْسه إِقْرَاره بِالْحُقُوقِ عَلَيْهَا . ثُمَّ ذَكَرَ الْوَالِدَيْنِ لِوُجُوبِ بِرِّهِمَا وَعِظَمِ قَدْرهمَا , ثُمَّ ثَنَّى بِالْأَقْرَبِينَ إِذْ هُمْ مَظِنَّة الْمَوَدَّة وَالتَّعَصُّب ; فَكَانَ الْأَجْنَبِيّ مِنْ النَّاس أَحْرَى أَنْ يُقَام عَلَيْهِ بِالْقِسْطِ وَيُشْهَد عَلَيْهِ , فَجَاءَ الْكَلَام فِي السُّورَة فِي حِفْظ حُقُوق الْخَلْق فِي الْأَمْوَال .
الثَّانِيَة : لَا خِلَاف بَيْنَ أَهْل الْعِلْم فِي صِحَّة أَحْكَام هَذِهِ الْآيَة , وَأَنَّ شَهَادَة الْوَلَد عَلَى الْوَالِدَيْنِ الْأَب وَالْأُمّ مَاضِيَة , وَلَا يَمْنَع ذَلِكَ مِنْ بِرِّهِمَا , بَلْ مِنْ بِرِّهِمَا أَنْ يَشْهَد عَلَيْهِمَا وَيُخَلِّصَهُمَا مِنْ الْبَاطِل , وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : " قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا " [التَّحْرِيم : 6] فَإِنْ شَهِدَ لَهُمَا أَوْ شَهِدَا لَهُ وَهِيَ :
الثَّالِثَة : فَقَدْ اِخْتَلَفَ فِيهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا ; فَقَالَ اِبْن شِهَاب الزُّهْرِيّ : كَانَ مَنْ مَضَى مِنْ السَّلَف الصَّالِح يُجِيزُونَ شَهَادَة الْوَالِدَيْنِ وَالْأَخ , وَيَتَأَوَّلُونَ فِي ذَلِكَ قَوْل اللَّه تَعَالَى : " كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ " فَلَمْ يَكُنْ أَحَد يُتَّهَم فِي ذَلِكَ مِنْ السَّلَف الصَّالِح رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ . ثُمَّ ظَهَرَتْ مِنْ النَّاس أُمُور حَمَلَتْ الْوُلَاة عَلَى اِتِّهَامهمْ , فَتُرِكَتْ شَهَادَة مَنْ يُتَّهَم , وَصَارَ ذَلِكَ لَا يَجُوز فِي الْوَلَد وَالْوَالِد وَالْأَخ وَالزَّوْج وَالزَّوْجَة , وَهُوَ مَذْهَب الْحَسَن وَالنَّخَعِيّ وَالشَّعْبِيّ وَشُرَيْح وَمَالِك وَالثَّوْرِيّ وَالشَّافِعِيّ وَابْن حَنْبَل . وَقَدْ أَجَازَ قَوْم شَهَادَة بَعْضهمْ لِبَعْضٍ إِذَا كَانُوا عُدُولًا . وَرُوِيَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب أَنَّهُ أَجَازَهُ ; وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز , وَبِهِ قَالَ إِسْحَاق وَالثَّوْرِيّ وَالْمُزَنِيّ . وَمَذْهَب مَالِك جَوَاز شَهَادَة الْأَخ لِأَخِيهِ إِذَا كَانَ عَدْلًا إِلَّا فِي النَّسَب . وَرَوَى عَنْهُ اِبْن وَهْب أَنَّهَا لَا تَجُوز إِذَا كَانَ فِي عِيَاله أَوْ فِي نَصِيب مِنْ مَال يَرِثهُ . وَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة : شَهَادَة الزَّوْج لِزَوْجَتِهِ لَا تُقْبَل ; لِتَوَاصُلِ مَنَافِع الْأَمْلَاك بَيْنهمَا وَهِيَ مَحِلّ الشَّهَادَة . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : تَجُوز شَهَادَة الزَّوْجَيْنِ بَعْضهمَا لِبَعْضِ ; لِأَنَّهُمَا أَجْنَبِيَّانِ , وَإِنَّمَا بَيْنهمَا عَقَدَ الزَّوْجِيَّة وَهُوَ مُعَرَّض لِلزَّوَالِ . وَالْأَصْل قَبُول الشَّهَادَة إِلَّا حَيْثُ خُصَّ فِيمَا عَدَا الْمَخْصُوص فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْل ; وَهَذَا ضَعِيف ; فَإِنَّ الزَّوْجِيَّة تُوجِب الْحَنَان وَالْمُوَاصَلَة وَالْأُلْفَة وَالْمَحَبَّة , فَالتُّهْمَة قَوِيَّة ظَاهِرَة . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث سُلَيْمَان بْن مُوسَى عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ شَهَادَة الْخَائِن وَالْخَائِنَة وَذِي الْغُمْر عَلَى أَخِيهِ , وَرَدَّ شَهَادَة الْقَانِع لِأَهْلِ الْبَيْت وَأَجَازَهَا لِغَيْرِهِمْ . قَالَ الْخَطَّابِيّ : ذُو الْغِمْر الَّذِي بَيْنه وَبَيْنَ الْمَشْهُود عَلَيْهِ عَدَاوَة ظَاهِرَة , فَتُرَدُّ شَهَادَته عَلَيْهِ لِلتُّهْمَةِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : شَهَادَته عَلَى الْعَدُوّ مَقْبُولَة إِذَا كَانَ عَدْلًا . وَالْقَانِع السَّائِل وَالْمُسْتَطْعِم , وَأَصْل الْقُنُوع السُّؤَال . وَيُقَال فِي الْقَانِع : إِنَّهُ الْمُنْقَطِع إِلَى الْقَوْم يَخْدُمهُمْ وَيَكُون فِي حَوَائِجهمْ ; وَذَلِكَ مِثْل الْأَجِير أَوْ الْوَكِيل وَنَحْوه . وَمَعْنَى رَدّ هَذِهِ الشَّهَادَة التُّهْمَة فِي جَرّ الْمَنْفَعَة إِلَى نَفْسه ; لِأَنَّ الْقَانِع لِأَهْلِ الْبَيْت يَنْتَفِع بِمَا يَصِير إِلَيْهِمْ مِنْ نَفْع . وَكُلّ مَنْ جَرَّ إِلَى نَفْسه بِشَهَادَتِهِ نَفْعًا فَشَهَادَته مَرْدُودَة ; كَمَنْ شَهِدَ لِرَجُلٍ عَلَى شِرَاء دَار هُوَ شَفِيعُهَا , أَوْ كَمَنْ حُكِمَ لَهُ عَلَى رَجُل بِدَيْنٍ وَهُوَ مُفْلِس , فَشَهِدَ الْمُفْلِس عَلَى رَجُل بِدَيْنٍ وَنَحْوه . قَالَ الْخَطَّابِيّ : وَمَنْ رَدَّ شَهَادَة الْقَانِع لِأَهْلِ الْبَيْت بِسَبَبِ جَرِّ الْمَنْفَعَة فَقِيَاس قَوْله أَنْ يَرُدّ شَهَادَة الزَّوْج لِزَوْجَتِهِ ; لِأَنَّ مَا بَيْنهمَا مِنْ التُّهْمَة فِي جَرّ الْمَنْفَعَة أَكْثَر ; وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَة . وَالْحَدِيث حُجَّة عَلَى مَنْ أَجَازَ شَهَادَة الْأَب لِابْنِهِ ; لِأَنَّهُ يَجُرّ بِهِ النَّفْع لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنْ حُبّه وَالْمَيْل إِلَيْهِ ; وَلِأَنَّهُ يَمْتَلِك مَالَهُ , وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك ) . وَمِمَّنْ تُرَدُّ شَهَادَته عِنْد مَالِكٍ الْبَدَوِيُّ عَلَى الْقَرَوِيِّ ; قَالَ : إِلَّا أَنْ يَكُون فِي بَادِيَة أَوْ قَرْيَة , فَأَمَّا الَّذِي يُشْهِد فِي الْحَضَر بَدَوِيًّا وَيَدَع جِيرَته مِنْ أَهْل الْحَضَر عِنْدِي مُرِيب . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالدَّرَاقُطْنِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( لَا تَجُوز شَهَادَة بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِب قَرْيَة ) . قَالَ مُحَمَّد بْن عَبْد الْحَكَم : تَأَوَّلَ مَالِك هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الشَّهَادَة فِي الْحُقُوق وَالْأَمْوَال , وَلَا تُرَدّ الشَّهَادَة فِي الدِّمَاء وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا يَطْلُب بِهِ الْخَلْق . وَقَالَ عَامَّة أَهْل الْعِلْم : شَهَادَة الْبَدَوِيّ إِذَا كَانَ عَدْلًا يُقِيم الشَّهَادَة عَلَى وَجْههَا جَائِزَة ; وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي هَذَا فِي " الْبَقَرَة " , وَيَأْتِي فِي " بَرَاءَة " تَمَامهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
الرَّابِعَة : قَوْله تَعَالَى : " شُهَدَاء لِلَّهِ " نَصْب عَلَى النَّعْت لِ " قَوَّامِينَ " , وَإِنْ شِئْت كَانَ خَبَرًا بَعْد خَبَر . قَالَ النَّحَّاس : وَأَجْوَد مِنْ هَذَيْنِ أَنْ يَكُون نَصْبًا عَلَى الْحَال بِمَا فِي " قَوَّامِينَ " مِنْ ذِكْر الَّذِينَ آمَنُوا ; لِأَنَّهُ نَفْس الْمَعْنَى , أَيْ كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْعَدْلِ عِنْد شَهَادَتكُمْ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَالْحَال فِيهِ ضَعِيفَة فِي الْمَعْنَى ; لِأَنَّهَا تَخْصِيص الْقِيَام بِالْقِسْطِ إِلَى مَعْنَى الشَّهَادَة فَقَطْ . وَلَمْ يَنْصَرِف " شُهَدَاء " لِأَنَّ فِيهِ أَلِف التَّأْنِيث .
الْخَامِسَة : قَوْله تَعَالَى : " لِلَّهِ " مَعْنَاهُ لِذَاتِ اللَّه وَلِوَجْهِهِ وَلِمَرْضَاتِهِ وَثَوَابه .
{135} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
مُتَعَلِّق بِ " شُهَدَاء " ; هَذَا هُوَ الظَّاهِر الَّذِي فَسَّرَ عَلَيْهِ النَّاس , وَإِنَّ هَذِهِ الشَّهَادَة الْمَذْكُورَة هِيَ فِي الْحُقُوق فَيُقِرّ بِهَا لِأَهْلِهَا , فَذَلِكَ قِيَامه بِالشَّهَادَةِ عَلَى نَفْسه ; كَمَا تَقَدَّمَ . أَدَّبَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ الْمُؤْمِنِينَ بِهَذَا ; كَمَا قَالَ اِبْن عَبَّاس : أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا الْحَقّ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسهمْ . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله : " شُهَدَاء لِلَّهِ " مَعْنَاهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ لِلَّهِ , وَيَتَعَلَّق قَوْله : " وَلَوْ عَلَى أَنْفُسكُمْ " ب " قَوَّامِينَ " وَالتَّأْوِيل الْأَوَّل أَبْيَنُ .
{135} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
فِي الْكَلَام إِضْمَار وَهُوَ اِسْم كَانَ ; أَيْ إِنْ يَكُنْ الطَّالِب أَوْ الْمَشْهُود عَلَيْهِ غَنِيًّا فَلَا يُرَاعَى لِغِنَاهُ وَلَا يُخَاف مِنْهُ , وَإِنْ يَكُنْ فَقِيرًا فَلَا يُرَاعَى إِشْفَاقًا عَلَيْهِ .
{135} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
أَيْ فِيمَا اِخْتَارَ لَهُمَا مِنْ فَقْر وَغِنًى . قَالَ السُّدِّيّ : اِخْتَصَمَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنِيّ وَفَقِير , فَكَانَ ضَلْعُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْفَقِير , وَرَأَى أَنَّ الْفَقِير لَا يَظْلِم الْغَنِيّ ; فَنَزَلَتْ الْآيَة .
قَوْله تَعَالَى : " فَاَللَّه أَوْلَى بِهِمَا " إِنَّمَا قَالَ " بِهِمَا " وَلَمْ يَقُلْ " بِهِ " وَإِنْ كَانَتْ " أَوْ " إِنَّمَا تَدُلّ عَلَى الْحُصُول الْوَاحِد ; لِأَنَّ الْمَعْنَى فَاَللَّه أَوْلَى بِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا . وَقَالَ الْأَخْفَش : تَكُون " أَوْ " بِمَعْنَى الْوَاو ; أَيْ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا وَفَقِيرًا فَاَللَّه أَوْلَى بِالْخَصْمَيْنِ كَيْفَمَا كَانَا ; وَفِيهِ ضَعْف . وَقِيلَ : إِنَّمَا قَالَ : " بِهِمَا " لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرهمَا ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْت فَلِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُس " [النِّسَاء : 12] .
{135} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
نَهْي , فَإِنَّ اِتِّبَاع الْهَوَى مُرْدٍ , أَيْ مُهْلِك ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّك عَنْ سَبِيل اللَّه " [ص : 26] فَاتِّبَاع الْهَوَى يَحْمِل عَلَى الشَّهَادَة بِغَيْرِ الْحَقّ , وَعَلَى الْجَوْر فِي الْحُكْم , إِلَى غَيْر ذَلِكَ . وَقَالَ الشَّعْبِيّ : أَخَذَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْحُكَّام ثَلَاثَة أَشْيَاء : أَلَّا يَتَّبِعُوا الْهَوَى , وَأَلَّا يَخْشَوْا النَّاس وَيَخْشَوْهُ , وَأَلَّا يَشْتَرُوا بِآيَاتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا . " أَنْ تَعْدِلُوا " فِي مَوْضِع نَصْب .
{135} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
" وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا " قُرِئَ " وَإِنْ تَلْوُوا " مِنْ لَوَيْت فُلَانًا حَقّه لَيًّا إِذَا دَفَعْته بِهِ , وَالْفِعْل مِنْهُ " لَوَى " وَالْأَصْل فِيهِ " لَوَيَ " قُلِبَتْ الْيَاء أَلِفًا لِحَرَكَتِهَا وَحَرَكَة مَا قَبْلهَا , وَالْمَصْدَر " لَيًّا " وَالْأَصْل لَوْيًا , وَلِيَّانًا وَالْأَصْل لِوْيَانًا , ثُمَّ أُدْغِمَتْ الْوَاو فِي الْيَاء . وَقَالَ الْقُتَبِيّ : " تَلْوُوا " مِنْ اللَّيّ فِي الشَّهَادَة وَالْمَيْل إِلَى أَحَد الْخَصْمَيْنِ . وَقَرَأَ اِبْن عَامِر وَالْكُوفِيُّونَ " تَلُوا " أَرَادَ قُمْتُمْ بِالْأَمْرِ وَأَعْرَضْتُمْ , مِنْ قَوْلك : وَلَّيْت الْأَمْر , فَيَكُون فِي الْكَلَام . التَّوْبِيخ لِلْإِعْرَاضِ عَنْ الْقِيَام بِالْأَمْرِ وَقِيلَ : إِنَّ مَعْنَى " تَلُوا " الْإِعْرَاض . فَالْقِرَاءَة بِضَمِّ اللَّام تُفِيد مَعْنَيَيْنِ : الْوِلَايَة وَالْإِعْرَاض , وَالْقِرَاءَة بِوَاوَيْنِ تُفِيد مَعْنًى وَاحِدًا وَهُوَ الْإِعْرَاض . وَزَعَمَ بَعْض النَّحْوِيِّينَ أَنَّ مَنْ قَرَأَ " تَلُوا " فَقَدْ لَحَنَ ; لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْوِلَايَةِ هَاهُنَا . قَالَ النَّحَّاس وَغَيْره : وَلَيْسَ يَلْزَم هَذَا وَلَكِنْ تَكُون " تَلُوا " بِمَعْنَى " تَلْوُوا " وَذَلِكَ أَنَّ أَصْله " تَلْوُوا " فَاسْتُثْقِلَتْ الضَّمَّة عَلَى الْوَاو بَعْدهَا وَاو أُخْرَى . فَأُلْقِيَتْ الْحَرَكَة عَلَى اللَّام وَحُذِفَتْ إِحْدَى الْوَاوَيْنِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ ; وَهِيَ كَالْقِرَاءَةِ بِإِسْكَانِ اللَّام وَوَاوَيْنِ ; ذَكَرَهُ مَكِّيّ . وَقَالَ الزَّجَّاج : الْمَعْنَى عَلَى قِرَاءَته " وَإِنْ تَلْوُوا " ثُمَّ هَمَزَ الْوَاو الْأُولَى فَصَارَتْ " تَلْئُوا " ثُمَّ خُفِّفَتْ الْهَمْزَة بِإِلْقَاءِ حَرَكَتهَا عَلَى اللَّام فَصَارَتْ " تَلُوا " وَأَصْلهَا " تَلْوُوا " . فَتَتَّفِق الْقِرَاءَتَانِ عَلَى هَذَا التَّقْدِير . وَذَكَرَهُ النَّحَّاس وَمَكِّيّ وَابْن الْعَرَبِيّ وَغَيْرهمْ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ فِي الْخَصْمَيْنِ يَجْلِسَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي فَيَكُون لَيّ الْقَاضِي وَإِعْرَاضه لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَر ; فَاللَّيّ عَلَى هَذَا مَطْل الْكَلَام وَجَرّه حَتَّى يَفُوت فَصْل الْقَضَاء وَإِنْفَاذه لِلَّذِي يَمِيل الْقَاضِي إِلَيْهِ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَقَدْ شَاهَدْت بَعْض الْقُضَاة يَفْعَلُونَ ذَلِكَ , وَاَللَّه حَسِيب الْكُلّ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا وَالسُّدِّيّ وَابْن زَيْد وَالضِّحَاك وَمُجَاهِد : هِيَ فِي الشُّهُود يَلْوِي الشَّاهِد الشَّهَادَة بِلِسَانِهِ وَيُحَرِّفهَا فَلَا يَقُول الْحَقّ فِيهَا , أَوْ يُعْرِض عَنْ أَدَاء الْحَقّ فِيهَا . وَلَفْظ الْآيَة يَعُمُّ الْقَضَاء وَالشَّهَادَة , وَكُلّ إِنْسَان مَأْمُور بِأَنْ يَعْدِل . وَفِي الْحَدِيث : ( لَيّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ ) . قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : عُقُوبَته حَبْسُهُ , وَعِرْضُهُ شِكَايَتُهُ .
وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بَعْض الْعُلَمَاء فِي رَدِّ شَهَادَة الْعَبْد بِهَذِهِ الْآيَة ; فَقَالَ : جَعَلَ اللَّه تَعَالَى الْحَاكِمَ شَاهِدًا فِي هَذِهِ الْآيَة , وَذَلِكَ أَدَلّ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْعَبْد لَيْسَ مِنْ أَهْل الشَّهَادَة ; لِأَنَّ الْمَقْصُود مِنْهُ الِاسْتِقْلَال بِهَذَا الْمُهِمّ إِذَا دَعَتْ الْحَاجَة إِلَيْهِ , وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ مِنْ الْعَبْد أَصْلًا فَلِذَلِكَ رُدَّتْ الشَّهَادَة .
{136} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا
الْآيَة نَزَلَتْ فِي جَمِيع الْمُؤْمِنِينَ ; وَالْمَعْنَى : يَا أَيّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا أَقِيمُوا عَلَى تَصْدِيقِكُمْ وَاثْبُتُوا عَلَيْهِ .
{136} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا
أَيْ الْقُرْآن .
{136} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا
أَيْ كُلّ كِتَاب أَنْزَلَ عَلَى النَّبِيِّينَ . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو وَابْن عَامِر " نُزِّلَ " و " أُنْزِلَ " بِالضَّمِّ . الْبَاقُونَ " نَزَلَ " و " أَنْزَلَ " بِالْفَتْحِ . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِيمَنْ آمَنَ بِمَنْ تَقَدَّمَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ السَّلَام .
{136} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا
قِيلَ : إِنَّهُ خِطَاب لِلْمُنَافِقِينَ ; وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فِي الظَّاهِر أَخْلِصُوا لِلَّهِ . وَقِيلَ : الْمُرَاد الْمُشْرِكُونَ ; وَالْمَعْنَى يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَالطَّاغُوت آمِنُوا بِاَللَّهِ ; أَيْ صَدِّقُوا بِاَللَّهِ وَبِكُتُبِهِ .
{137} إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا
قِيلَ : الْمَعْنَى آمَنُوا بِمُوسَى وَكَفَرُوا بِعُزَيْرٍ , ثُمَّ آمَنُوا بِعُزَيْرٍ ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسَى , ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقِيلَ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسَى ثُمَّ آمَنُوا بِعُزَيْرٍ , ثُمَّ كَفَرُوا بَعْد عُزَيْر بِالْمَسِيحِ , وَكَفَرَتْ النَّصَارَى بِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى وَآمَنُوا بِعِيسَى , ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْقُرْآن . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى لَا يَغْفِر شَيْئًا مِنْ الْكُفْر فَكَيْفَ قَالَ : " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنْ اللَّه لِيَغْفِرَ لَهُمْ " فَالْجَوَاب أَنَّ الْكَافِر إِذَا آمَنَ غُفِرَ لَهُ كُفْره , فَإِذَا رَجَعَ فَكَفَرَ لَمْ يُغْفَر لَهُ الْكُفْر الْأَوَّل ; وَهَذَا كَمَا جَاءَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : قَالَ أُنَاس لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا رَسُول اللَّه أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّة ؟ قَالَ : ( أَمَّا مَنْ أَحْسَنَ مِنْكُمْ فِي الْإِسْلَام فَلَا يُؤَاخَذ بِهَا وَمَنْ أَسَاءَ أُخِذَ بِعَمَلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام ) . وَفِي رِوَايَة ( وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَام أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِر ) . الْإِسَاءَة هُنَا بِمَعْنَى الْكُفْر ; إِذْ لَا يَصِحّ أَنْ يُرَاد بِهَا هُنَا اِرْتِكَاب سَيِّئَة , فَإِنَّهُ يَلْزَم عَلَيْهِ أَلَّا يَهْدِم الْإِسْلَام مَا سَبَقَ قَبْله إِلَّا لِمَنْ يُعْصَم مِنْ جَمِيع السَّيِّئَات إِلَّا حِينَ مَوْته , وَذَلِكَ بَاطِل بِالْإِجْمَاعِ . وَمَعْنَى : " ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا " أَصَرُّوا عَلَى الْكُفْر .
المراجع
quran.al-islam.com/Page.aspx?pageid=221&BookID=11&Page=1موسوعه الاسلام
التصانيف
تصنيف :تفسير القران الكريم
login |