بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد .
فهذا عرض مختصر لمسألة أقسام المياه ؛ هل ينقسم الماء إلى قسمين أو ثلاثة ؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين :
1. إن الماء ينقسم إلى ثلاثة : (طهور ،و طاهر ،و نجس ) وهو قول الجمهور .
2. إن الماء ينقسم إلى قسمين :( طهور و نجس ) وهو مقتضى كلام ابن حزم ، ورواية عن أحمد ، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ، ومحمد بن عبد الوهاب ، ومن المعاصرين حمد بن عتيق ، ومحمد بن إبراهيم ، وابن سعدي ،وابن باز ، و عبد الرزاق عفيفي ، وابن عثيمين .
سبب الخلاف : هو الخلاف في الماء المتغير بالطاهرات ، والماء المستعمل ، والماء الذي غمس فيه يد قائم من نوم ليل ؛ فمن قال : إنها غير مطهرة وليست نجسة ، قال بالقسم الثالث : إنها طاهرة غير مطهرة ، ومن قال : إن الماء طهور في هذه المسائل لم يحتج إلى ذكر قسم ثالث . فيكون الماء قسمان : "طهور ونجس " وهذا الأخير هو الراجح لما سيأتي في بحث المسائل المذكورة ، وأن الراجح فيها : أن الماء طهور .
المسألة الأولى : حكم الماء المتغير بالطاهرات . فيه قولان :
القول الأول : أنه طاهر : وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في رواية .
القول الثاني : أنه طهور : و هو مذهب أبي حنيفة و ابن حزم ورواية عن أحمد و اختيار ابن تيمية .
و الراجح : هو القول الثاني : وهو أن الماء طهور ،و الأدلة عليه ما يأتي :
1. قوله تعالى { فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً } .
دلت الآية على أن ضابط الماء الطهور الذي يتوضأ به : هو أن يسمى ماءً ولو كان متغيراً ، لأن قوله (ماءً ) : نكرة في سياق النفي فتعم كل ماء ، ولا فرق في ذلك بين ما تغير بممازج أو تغير بغير ممازج ، أو تغير بما يشق صون الماء عنه أو ما لا يشق ، أو تغير بالمجاورة أو بالمخالطة أو تغير بقصد من المكلف أو بغير قصد .
2. ثبت في الصحيحين : أن النبي e: أمر بغسل المحرم الذي و قصته راحلته فمات بماء وسدر، وأمر بغسل ابنته أيضاً بعد موتها بماء وسدر .
و من المعلوم أن السدر لابد أن يغير الماء ،و لو كان التغير يفسد الماء لم يأمر به .
3. عن أم هانئ رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل هو و ميمونة من إناء واحد في قصعة فيها أثر العجين .( أخرجه النسائي و ابن ماجه . إسناده صحيح كما قال الألباني في الإرواء ) .
ومن المعلوم أنه لا بد في العادة من تغير الماء بذلك العجين لاسيما في آخر الأمر إذا قل الماء وانحل العجين .
أما إذا غلب على الماء أجزاء المختلط به فلا يسمى ماءً ، وإنما يسمى شاياً ، أو عصيراً أو قهوةً أو مرقاً أو غير ذلك، فلا يصح الوضوء به . ( انظر مجموع الفتاوى 21/24 ) .
المسألة الثانية : حكم الماء الذي غمس فيه يد قائم من نوم ليل ، هل هو طاهر أو طهور ؟.
الراجح : أنه طهور ؛ لأن الأصل في الماء الطهورية ،ولا ننتقل عنه إلا بدليل ، ولا دليل .ثم هو ماء طهور لاقى عضواً طاهراً ، فلم يسلبه الطهورية .
أما حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثاً فان أحدكم لا يدري أين باتت يده " . متفق عليه .
فهذا الحديث فيه نهي عن الغمس فقط . و ليس فيه أن الماء لا يكون طهوراً بالغمس .
مسألة : حكم المـــاء المستعمل هل هو طاهر أو طهور ؟ :
الماء المستعمل : هو المنفصل من أعضاء المغتسل أو المتوضئ ( فلو جمع هذا الماء المتساقط من أعضاء المغتسل أو المتوضئ ؛ فهل يكون طاهراً ، أو طهوراً )خلاف بين أهل العلم على ثلاثة أقوال :
القول الأول : أنه طهور ، وهو رواية عن مالك و الشافعي وأحمد ، وقول ابن حزم ، واختيار ابن تيمية ، و من المعاصرين ابن باز وابن عثيمين.
القول الثاني : أنه طاهر ، وهو مذهب الشافعية و الحنابلة .
القول الثالث : أنه نجس ، وهو مذهب الحنفية .
أدلة القول الأول :
أ. أن الأصل في الماء الطهورية ،ولا ننتقل عنه إلا بدليل ، ولا دليل .
ب. ولأنه ماء طهور لاقى أعضاء طاهرة ، فلم يسلبه الطهورية، كما لو تبرد .
ج .عن الربيع بنت معوذ رض الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم " مسح برأسه من فضل ماء كان في يده " (أخرجه أبو داود وحسنه الألباني كما في صحيح أبو داود)؛ أي أنه لم يأخذ ماءً جديداً لمسح الرأس فيكون قد مسح بماء مستعمل.
دليل القول الثاني :
حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب " أخرجه مســــلم. فالنبي e نهى الجنب دون غيره ، وهذا يدل على تأثير الجنب في الماء فيسلبه الطهورية .
المناقشة : هذا الاستدلال غير مسلم به لأمرين :
1. أن الحديث يدل على نهي الجنب عن الغسل في الماء الدائم ، وليس فيه التعرض مطلقاً لكون الماء طاهراً أو طهوراً .
2. ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الماء لا يتأثر بالجنابة ، ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جفنة ، فجاء صلى الله عليه وسلم ليغتسل فيها ، فقالت : إني كنت جنباً ، فقال : " إن الماء لا يجنب " ( أخرجه الأربعة و أحمد و صححه الحاكم ووافقه الذهبي ، وصححه الألباني).
الراجح : هو القول الأول ، أنه طهور كما ظهر ذلك من خلال منا قشة استدلال القول الثاني .
وبهذا يتبين أنه لا مكان للماء الطاهر ، وأن الماء قسمان فقط طاهر وطهور .
مسألة : حكم الماء إذا وقعت فيه نجاسة .
تحرير محل النزاع :
إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بالنجاسة فهو نجس بالإجماع ، أما إذا لم يظهر التغير في الماء ، فلا يخلو من حالتين :
الأولى : أن يكون الماء كثيراً : ( وهو ما بلغ القلتين فأكثر ) فهو طهور بالاتفاق ، واستثنى بعض الحنابلة بول الآدمي وعذرته المائعة، فإن الماء في هذه الحالة لا يطهر ولو بلغ القلتين إلا أن يشق نزحه فطهور .
الثانية : أن يكون الماء قليلاً : ( وهو مادون القلتين ) : ففيه خلاف قوي بين العلماء :
الأقوال في محل النزاع :
1. أنه ينجس : وهو مذهب الحنفية ، والشافعية والحنابلة .
2. أنه لا ينجس : وهو مذهب المالكية وقول ابن حزم ، واختيار ابن تيمية ـ رحمهم الله جميعاً ـ .
سبب الخلاف : هو التعارض الظاهري بين حديث بئر بضاعة وهو قوله صلى الله عليه وسلم " إن الماء طهور لا ينجسه شيء " و حديث القلتين و هو قوله صلى الله عليه وسلم " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث "
دليل القول الأول : حديث ابن عمر رضي الله عنهما : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء وما ينوبه من السباع ،فقال" إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث " أخرجه الأربعة ،وصححه الشافعي و أحمد وابن خزيمة والطحاوي وابن القيم ومن المعاصرين الألباني.
وجه الاستدلال : مفهوم الحديث أن مادون القلتين يحمل الخبث فيكون مخصصاً لعموم حديث بئر بضاعة.
دليل القول الثاني : حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قيل يا رسول الله : " أنتوضأ من بئر بضاعة ؟ وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن ، فقال رسول الله e: " إن الماء طهور لا ينجسه شيء " أخرجه الترمذي وصححه الإمام أحمد ويحيى ابن معين وابن حزم وابن تيمية ومن المعاصرين أحمد شاكر و الألباني .
فدل الحديث على أن الماء لا ينجس إذا وقعت فيه النجاسة و لم تغيره ، ولم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم فيه بين القليل و الكثير ، وهو مقدم على حديث القلتين ، لأن دلالته بالمنطوق ، ودلالة حديث القلتين بالمفهوم ،ودلالة المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم عند التعارض .
الترجيح : الراجح هو القول الأول ؛ أن النجاسة إذا وقعت في الماء وكان دون القلتين ولم تغيره، فهو طهور .
فالضابط هو " التغير " ، قل الماء أو كثر ، إلا أن تكون النجاسة ليس لها طعم أو لون أو رائحة ؛ كسؤر الكلب السباع النجسة ، فالضابط هو القلتان ، فيكون الجمع بين الحديثين بالنظر إلى سبب ورود الحديث . فحديث القلتين ورد في النجاسة التي ليس لها طعم أو لون أو رائحة ، وهو سؤر السباع النجسة وحينئذ لا يمكن معرفة النجس بالتغير فجعل لها النبي e ضابطاً يتميز به النجس من غيره وهو القلتان ، أما حديث بئر بضاعة فورد في النجاسة التي لها طعم أو لون أو رائحة ،فيكون الضابط هو التغير وما لم يتغير فهو طهور قل أو كثر - هذه محاولة للجمع بين الحديثين و الله أ علم .
- عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام
المراجع
موسوعة شبكة نور الإسلام
التصانيف
ثقافة عقيدة إسلامية العلوم الاجتماعية