[[ملف:قران97.png
تعليق]]
النساء
{148} لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا
" إِلَّا مَنْ ظُلِمَ " اِسْتِثْنَاء لَيْسَ مِنْ الْأَوَّل فِي مَوْضِع نَصْب ; أَيْ لَكِنْ مَنْ ظُلِمَ فَلَهُ أَنْ يَقُول ظَلَمَنِي فُلَان . وَيَجُوز أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع رَفْع وَيَكُون التَّقْدِير : لَا يُحِبُّ اللَّه أَنْ يَجْهَر أَحَد بِالسُّوءِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ . وَقِرَاءَة الْجُمْهُور " ظُلِمَ " بِضَمِّ الظَّاء وَكَسْر اللَّام ; وَيَجُوز إِسْكَانهَا . وَمَنْ قَرَأَ " ظَلَمَ " بِفَتْحِ الظَّاء وَفَتْح اللَّام وَهُوَ زَيْد بْن أَسْلَمَ وَابْن أَبِي إِسْحَق وَغَيْرهمَا عَلَى مَا يَأْتِي , فَلَا يَجُوز لَهُ أَنْ يُسَكِّنَ اللَّام لِخِفَّةِ الْفَتْحَة . فَعَلَى الْقِرَاءَة الْأُولَى قَالَتْ طَائِفَة : الْمَعْنَى لَا يُحِبّ اللَّه أَنْ يَجْهَر أَحَد بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل إِلَّا مَنْ ظُلِمَ فَلَا يُكْرَه لَهُ الْجَهْر بِهِ . ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّة الْجَهْر بِالسُّوءِ وَمَا هُوَ الْمُبَاح مِنْ ذَلِكَ ; فَقَالَ الْحَسَن : هُوَ الرَّجُل يَظْلِم الرَّجُل فَلَا يَدَع عَلَيْهِ , وَلَكِنْ لِيَقُلْ : اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِ , اللَّهُمَّ اِسْتَخْرِجْ حَقِّي , اللَّهُمَّ حُلْ بَيْنه وَبَيْنَ مَا يُرِيد مِنْ ظُلْمِي . فَهَذَا دُعَاء فِي الْمُدَافَعَة وَهِيَ أَقَلّ مَنَازِل السُّوء . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره : الْمُبَاح لِمَنْ ظُلِمَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ , وَإِنْ صَبَرَ فَهُوَ خَيْر لَهُ ; فَهَذَا إِطْلَاق فِي نَوْع الدُّعَاء عَلَى الظَّالِم . وَقَالَ أَيْضًا هُوَ وَالسُّدِّيّ : لَا بَأْس لِمَنْ ظُلِمَ أَنْ يَنْتَصِر مِمَّنْ ظَلَمَهُ بِمِثْلِ ظُلْمِهِ وَيَجْهَر لَهُ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل . وَقَالَ اِبْن الْمُسْتَنِير : " إِلَّا مَنْ ظُلِمَ " مَعْنَاهُ ; إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَجْهَر بِسُوءٍ مِنْ الْقَوْل كُفْرٍ أَوْ نَحْوه فَذَلِكَ مُبَاح . وَالْآيَة عَلَى هَذَا فِي الْإِكْرَاه ; وَكَذَا قَالَ قُطْرُب : " إِلَّا مَنْ ظُلِمَ " يُرِيد الْمُكْرَه ; لِأَنَّهُ مَظْلُوم فَذَلِكَ مَوْضُوع عَنْهُ وَإِنْ كَفَرَ ; قَالَ : وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى " إِلَّا مَنْ ظُلِمَ " عَلَى الْبَدَل ; كَأَنَّهُ قَالَ : لَا يُحِبّ اللَّه إِلَّا مَنْ ظُلِمَ , أَيْ لَا يُحِبّ اللَّه الظَّالِم ; فَكَأَنَّهُ يَقُول : يُحِبّ مَنْ ظُلِمَ أَيْ يَأْجُر مَنْ ظُلِمَ . وَالتَّقْدِير عَلَى هَذَا الْقَوْل : لَا يُحِبّ اللَّه ذَا الْجَهْر بِالسُّوءِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ , عَلَى الْبَدَل . وَقَالَ مُجَاهِد : نَزَلَتْ فِي الضِّيَافَة فَرُخِّصَ لَهُ أَنْ يَقُول فِيهِ . قَالَ اِبْن جُرَيْج عَنْ مُجَاهِد : نَزَلَتْ فِي رَجُل ضَافَ رَجُلًا بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْض فَلَمْ يُضِفْهُ فَنَزَلَتْ " إِلَّا مَنْ ظُلِمَ " وَرَوَاهُ اِبْن أَبِي نَجِيح أَيْضًا عَنْ مُجَاهِد ; قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل إِلَّا مَنْ ظُلِمَ " فِي الرَّجُل يَمُرّ بِالرَّجُلِ فَلَا يُضِيفُهُ فَرُخِّصَ لَهُ أَنْ يَقُول فِيهِ : إِنَّهُ لَمْ يُحْسِن ضِيَافَته . وَقَدْ اِسْتَدَلَّ مَنْ أَوْجَبَ الضِّيَافَة بِهَذِهِ الْآيَة ; قَالُوا : لِأَنَّ الظُّلْم مَمْنُوع مِنْهُ فَدَلَّ عَلَى وُجُوبهَا ; وَهُوَ قَوْل اللَّيْث بْن سَعْد . وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهَا مِنْ مَكَارِم الْأَخْلَاق وَسَيَأْتِي بَيَانهَا فِي " هُود " وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَاهِر الْآيَة أَنَّ لِلْمَظْلُومِ أَنْ يَنْتَصِرَ مِنْ ظَالِمه - وَلَكِنْ مَعَ اِقْتِصَاد - وَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَا قَالَ الْحَسَن ; فَأَمَّا أَنْ يُقَابِل الْقَذْف بِالْقَذْفِ وَنَحْوه فَلَا ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " . وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَأَرْسَلَ لِسَانَك وَادْعُ بِمَا شِئْت مِنْ الْهَلَكَة وَبِكُلِّ دُعَاء ; كَمَا فَعَلَ النَّبِيّ صَلِّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ : ( اللَّهُمَّ اُشْدُدْ وَطْأَتك عَلَى مُضَر وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُف ) وَقَالَ : ( اللَّهُمَّ عَلَيْك بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ ) سَمَّاهُمْ . وَإِنْ كَانَ مُجَاهِرًا بِالظُّلْمِ دُعِيَ عَلَيْهِ جَهْرًا , وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عِرْض مُحْتَرَم وَلَا بَدَن مُحْتَرَم وَلَا مَال مُحْتَرَم . وَقَدْ رُوِيَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَائِشَة قَالَ : سُرِقَ لَهَا شَيْء فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَيْهِ ; فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلِّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُسَبِّخِي عَنْهُ ) أَيْ لَا تُخَفِّفِي عَنْهُ الْعُقُوبَة بِدُعَائِك عَلَيْهِ . وَرُوِيَ , أَيْضًا عَنْ عَمْرو بْن الشَّرِيد عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُول اللَّه صَلِّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَيّ الْوَاجِد ظُلْم يُحِلّ عِرْضه وَعُقُوبَته ) . قَالَ اِبْن الْمُبَارَك : يُحِلّ عِرْضه يُغَلِّظ لَهُ , وَعُقُوبَته يُحْبَس لَهُ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم ( مَطْل الْغَنِيّ ظُلْم ) . فَالْمُوسِر الْمُتَمَكِّن إِذَا طُولِبَ بِالْأَدَاءِ وَمَطَلَ ظَلَمَ , وَذَلِكَ يُبِيح مِنْ عِرْضه أَنْ يُقَال فِيهِ : فُلَان يَمْطُل النَّاس وَيَحْبِس حُقُوقهمْ وَيُبِيح لِلْإِمَامِ أَدَبه وَتَعْزِيره حَتَّى يَرْتَدِع عَنْ ذَلِكَ ; حُكِيَ مَعْنَاهُ عَنْ سُفْيَان , وَهُوَ مَعْنَى قَوْل اِبْن الْمُبَارَك رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا .
وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَاب مَا وَقَعَ فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ قَوْل الْعَبَّاس فِي عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا بِحَضْرَةِ عُمَر وَعُثْمَان وَالزُّبَيْر وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ اِقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا الْكَاذِب الْآثِم الْغَادِر الْخَائِن . الْحَدِيث . وَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ وَاحِد مِنْهُمْ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ حُكُومَة , كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا يَعْتَقِدهَا لِنَفْسِهِ , حَتَّى أَنْفَذَ فِيهَا عَلَيْهِمْ عُمَر الْوَاجِب ; قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ . وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا إِنَّمَا يَكُون فِيمَا إِذَا اِسْتَوَتْ الْمَنَازِل أَوْ تَقَارَبَتْ , وَأَمَّا إِذَا تَفَاوَتَتْ , فَلَا تُمَكَّن الْغَوْغَاء مِنْ أَنْ تَسْتَطِيل عَلَى الْفُضَلَاء , وَإِنَّمَا تَطْلُب حَقّهَا بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِنْ غَيْر تَصْرِيح بِظُلْمٍ وَلَا غَضَبٍ ; وَهَذَا صَحِيح وَعَلَيْهِ تَدُلّ الْآثَار . وَوَجْه آخَر : وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْقَوْل أَخْرَجَهُ مِنْ الْعَبَّاس الْغَضَب وَصَوْلَة سُلْطَة الْعُمُومَة ! فَإِنَّ الْعَمّ صِنْو الْأَب , وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَب إِذَا أَطْلَقَ هَذِهِ الْأَلْفَاظ عَلَى وَلَده إِنَّمَا يَحْمِل ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الْإِغْلَاظ وَالرَّدْع مُبَالَغَة فِي تَأْدِيبه , لَا أَنَّهُ مَوْصُوف بِتِلْكَ الْأُمُور ; ثُمَّ اِنْضَافَ إِلَى هَذَا أَنَّهُمْ فِي مُحَاجَّة وِلَايَة دِينِيَّة ; فَكَانَ الْعَبَّاس يَعْتَقِد أَنَّ مُخَالَفَتَهُ فِيهَا لَا تَجُوز , وَأَنَّ مُخَالَفَته فِيهَا تُؤَدِّي إِلَى أَنْ يَتَّصِف الْمُخَالِف بِتِلْكَ الْأُمُور ; فَأَطْلَقَهَا بِبَوَادِر الْغَضَب عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُه ; وَلَمَّا عَلِمَ الْحَاضِرُونَ ذَلِكَ لَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ ; أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَازَرِيّ وَالْقَاضِي عِيَاض وَغَيْرهمَا .
فَأَمَّا مَنْ قَرَأَ " ظَلَمَ " بِالْفَتْحِ فِي الظَّاء وَاللَّام - وَهِيَ , قِرَاءَة زَيْد بْن أَسْلَمَ , وَكَانَ مِنْ الْعُلَمَاء بِالْقُرْآنِ بِالْمَدِينَةِ بَعْد مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ , وَقِرَاءَة اِبْن أَبِي إِسْحَق وَالضَّحَّاك وَابْن عَبَّاس وَابْن جُبَيْر وَعَطَاء بْن السَّائِب - فَالْمَعْنَى : إِلَّا مَنْ ظَلَمَ فِي فِعْل أَوْ قَوْل فَاجْهَرُوا لَهُ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل ; فِي مَعْنَى النَّهْي عَنْ فِعْله وَالتَّوْبِيخ لَهُ وَالرَّدّ عَلَيْهِ ; الْمَعْنَى لَا يُحِبّ اللَّه أَنْ يُقَال لِمَنْ تَابَ مِنْ النِّفَاق : أَلَسْت نَافَقْت ؟ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ , أَيْ أَقَامَ عَلَى النِّفَاق ; وَدَلَّ عَلَى هَذَا قَوْله تَعَالَى : " إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا " . قَالَ اِبْن زَيْد : وَذَلِكَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا أَخْبَرَ عَنْ الْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ فِي الدَّرْك الْأَسْفَل مِنْ النَّار كَانَ ذَلِكَ جَهْرًا بِسُوءٍ مِنْ الْقَوْل , ثُمَّ قَالَ لَهُمْ بَعْد ذَلِكَ : " مَا يَفْعَل اللَّه بِعَذَابِكُمْ " [النِّسَاء : 147] عَلَى مَعْنَى التَّأْنِيس وَالِاسْتِدْعَاء إِلَى الشُّكْر وَالْإِيمَان . ثُمَّ قَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ : " لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل إِلَّا مَنْ ظُلِمَ " فِي إِقَامَته عَلَى النِّفَاق ; فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ : أَلَسْت الْمُنَافِق الْكَافِر الَّذِي لَك فِي الْآخِرَة الدَّرْك الْأَسْفَل مِنْ النَّار ؟ وَنَحْو هَذَا مِنْ الْقَوْل . وَقَالَ قَوْم : مَعْنَى الْكَلَام : لَا يُحِبّ اللَّه أَنْ يَجْهَر أَحَد بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل , ثُمَّ اِسْتَثْنَى اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِعًا ; أَيْ لَكِنْ مَنْ ظُلِمَ فَإِنَّهُ يَجْهَر بِالسُّوءِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا وَهُوَ ظَالِم فِي ذَلِكَ .
قُلْت : وَهَذَا شَأْن كَثِير مِنْ الظُّلْمَة وَدَأْبهمْ ; فَإِنَّهُمْ مَعَ ظُلْمهمْ يَسْتَطِيلُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَيَنَالُونَ مِنْ عِرْض مَظْلُومهمْ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ . وَقَالَ أَبُو إِسْحَق الزَّجَّاج : يَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى " إِلَّا مَنْ ظُلِمَ " فَقَالَ سُوءًا ; فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ ; وَيَكُون الِاسْتِثْنَاء لَيْسَ مِنْ الْأَوَّل . قُلْت : وَيَدُلّ عَلَى هَذَا أَحَادِيث مِنْهَا قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( خُذُوا عَلَى أَيْدِي سُفَهَائِكُمْ ) . وَقَوْله : ( اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ) قَالُوا : هَذَا نَنْصُرهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرهُ ظَالِمًا ؟ قَالَ : ( تَكُفُّهُ عَنْ الظُّلْم ) . وَقَالَ الْفَرَّاء : " إِلَّا مَنْ ظُلِمَ " يَعْنِي وَلَا مَنْ ظُلِمَ .
{148} لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا
تَحْذِير لِلظَّالِمِ حَتَّى لَا يَظْلِم , وَلِلْمَظْلُومِ حَتَّى لَا يَتَعَدَّى الْحَدّ فِي الِانْتِصَار .
{149} إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا
أَتْبَعَ هَذَا بِقَوْلِهِ : " إِنْ تَبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوَا عَنْ سُوء " فَنَدَبَ إِلَى الْعَفْو وَرَغَّبَ فِيهِ . وَالْعَفْو مِنْ صِفَة اللَّه تَعَالَى مَعَ الْقُدْرَة عَلَى الِانْتِقَام ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " آل عِمْرَان " فَضْل الْعَافِينَ عَنْ النَّاس . فَفِي هَذِهِ الْأَلْفَاظ الْيَسِيرَة مَعَانٍ كَثِيرَة لِمَنْ تَأَمَّلَهَا . وَقِيلَ : إِنْ عَفَوْت فَإِنَّ اللَّه يَعْفُو عَنْك . رُوِيَ اِبْن الْمُبَارَك قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ الْحَسَن يَقُول : إِذَا جَثَتْ الْأُمَم بَيْنَ يَدَيْ رَبّ الْعَالَمِينَ يَوْم الْقِيَامَة نُودِيَ لِيَقُمْ مَنْ أَجْره عَلَى اللَّه فَلَا يَقُوم إِلَّا مَنْ عَفَا فِي الدُّنْيَا ; يُصَدِّق هَذَا الْحَدِيث قَوْله تَعَالَى : " فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْره عَلَى اللَّه " [الشُّورَى : 40] .
{150} إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا
لَمَّا ذَكَرَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ذَكَرَ الْكُفَّار مِنْ أَهْل الْكِتَاب , الْيَهُود وَالنَّصَارَى ; إِذْ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلِّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبَيَّنَ أَنَّ الْكُفْر بِهِ كُفْر بِالْكُلِّ ; لِأَنَّهُ مَا مِنْ نَبِيّ إِلَّا وَقَدْ أَمَرَ قَوْمه بِالْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلِّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ الصَّلَاة وَالسَّلَام .
{150} إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا
أَيْ بَيْنَ الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَرُسُله ; فَنَصَّ سُبْحَانه عَلَى أَنَّ التَّفْرِيق بَيْنَ اللَّه وَرُسُله كُفْر ; وَإِنَّمَا كَانَ كُفْرًا لِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه فَرَضَ عَلَى النَّاس أَنْ يَعْبُدُوهُ بِمَا شَرَعَ لَهُمْ عَلَى أَلْسِنَة الرُّسُل , فَإِذَا جَحَدُوا الرُّسُل رَدُّوا عَلَيْهِمْ شَرَائِعهمْ وَلَمْ يَقْبَلُوهَا مِنْهُمْ , فَكَانُوا مُمْتَنِعِينَ مِنْ اِلْتِزَام الْعُبُودِيَّة الَّتِي أُمِرُوا بِالْتِزَامِهَا ; فَكَانَ كَجَحْدِ الصَّانِع سُبْحَانه , وَجَحْد الصَّانِع كُفْر لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْك اِلْتِزَام الطَّاعَة وَالْعُبُودِيَّة . وَكَذَلِكَ التَّفْرِيق بَيْنَ رُسُله فِي الْإِيمَان بِهِمْ كُفْر , وَهِيَ :
{150} إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا
وَهُمْ الْيَهُود آمَنُوا بِمُوسَى وَكَفَرُوا بِعِيسَى وَمُحَمَّد ; وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا مِنْ قَوْلهمْ فِي " الْبَقَرَة " . وَيَقُولُونَ لِعَوَامِّهِمْ : لَمْ نَجِدْ ذِكْر مُحَمَّد فِي كُتُبِنَا .
{150} إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا
أَيْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ الْإِيمَان وَالْجَحْد طَرِيقًا , أَيْ دِينًا مُبْتَدَعًا بَيْنَ الْإِسْلَام وَالْيَهُودِيَّة . وَقَالَ : " ذَلِكَ " وَلَمْ يَقُلْ ذَيْنك ; لِأَنَّ ذَلِكَ تَقَع لِلِاثْنَيْنِ وَلَوْ كَانَ ذَيْنك لَجَازَ .
{151} أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا
تَأْكِيد يُزِيل التَّوَهُّم فِي إِيمَانهمْ حِينَ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ نُؤْمِن بِبَعْضٍ , وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعهُمْ إِذَا كَفَرُوا بِرَسُولِهِ ; وَإِذَا كَفَرُوا بِرَسُولِهِ فَقَدْ كَفَرُوا بِهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَكَفَرُوا بِكُلِّ رَسُول مُبَشَّر بِذَلِكَ الرَّسُول ; فَلِذَلِكَ صَارُوا الْكَافِرِينَ حَقًّا .
{151} أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا
يَقُوم مَقَام الْمَفْعُول الثَّانِي لِأَعْتَدْنَا ; أَيْ أَعْتَدْنَا لِجَمِيعِ أَصْنَافهمْ
{151} أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا
أَيْ مُذِلًّا .
{152} وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا
يَعْنِي بِهِ النَّبِيّ صَلِّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّته .
{153} يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا
سَأَلَتْ الْيَهُود مُحَمَّدًا صَلِّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَصْعَد إِلَى السَّمَاء وَهُمْ يَرَوْنَهُ فَيُنَزِّل عَلَيْهِمْ كِتَابًا مَكْتُوبًا فِيمَا يَدَّعِيه عَلَى صِدْقه دَفْعَة وَاحِدَة , كَمَا أَتَى مُوسَى بِالتَّوْرَاةِ ; تَعَنُّتًا لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَأَعْلَمَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ آبَاءَهُمْ قَدْ عَنَّتُوا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام بِأَكْبَرَ مِنْ هَذَا " فَقَالُوا أَرِنَا اللَّه جَهْرَة " أَيْ عِيَانًا ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " . و " جَهْرَة " نَعْت لِمَصْدَرٍ مَحْذُوف أَيْ رُؤْيَةً جَهْرَةً ; فَعُوقِبُوا بِالصَّاعِقَةِ لِعِظَمِ مَا جَاءُوا بِهِ مِنْ السُّؤَال وَالظُّلْم مِنْ بَعْد مَا رَأَوْا مِنْ الْمُعْجِزَات .
{153} يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا
فِي الْكَلَام حَذْف تَقْدِيره : فَأَحْيَيْنَاهُمْ فَلَمْ يَبْرَحُوا فَاِتَّخَذُوا الْعِجْل ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " وَيَأْتِي ذِكْره فِي " طَه " إِنْ شَاءَ اللَّه .
{153} يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا
أَيْ الْبَرَاهِين وَالدَّلَالَات وَالْمُعْجِزَات الظَّاهِرَات مِنْ الْيَد وَالْعَصَا وَفَلْق الْبَحْر وَغَيْرهَا بِأَنَّهُ لَا مَعْبُود إِلَّا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ .
{153} يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا
أَيْ عَمَّا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ التَّعَنُّت .
{153} يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا
أَيْ حُجَّة بَيِّنَة وَهِيَ الْآيَات الَّتِي جَاءَ بِهَا ; وَسُمِّيَتْ سُلْطَانًا لِأَنَّ مَنْ جَاءَ بِهَا قَاهِر بِالْحُجَّةِ , وَهِيَ قَاهِرَة لِلْقُلُوبِ , بِأَنْ تَعْلَم أَنَّهُ لَيْسَ فِي قُوَى الْبَشَر أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهَا .
{154} وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا
" وَرَفَعْنَا فَوْقهمْ الطُّور بِمِيثَاقِهِمْ " أَيْ بِسَبَبِ نَقْضِهِمْ الْمِيثَاق الَّذِي أُخِذَ مِنْهُمْ , وَهُوَ الْعَمَل بِمَا فِي التَّوْرَاة ; وَقَدْ تَقَدَّمَ رَفْع الْجَبَل وَدُخُولهمْ الْبَاب فِي " الْبَقَرَة " . و " سُجَّدًا " نَصْب عَلَى الْحَال . وَقَرَأَ وَرْش وَحْده " وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعَدُّوا فِي السَّبْت " بِفَتْحِ الْعَيْن مِنْ عَدَا يَعْدُو عَدْوًا وَعُدْوَانًا وَعُدُوًّا وَعَدَاءً , أَيْ بِاقْتِنَاصِ الْحِيتَان كَمَا تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " . وَالْأَصْل فِيهِ تَعْتَدُوا أُدْغِمَتْ التَّاء فِي الدَّال ; قَالَ النَّحَّاس : وَلَا يَجُوز إِسْكَان الْعَيْن وَلَا يُوصَل إِلَى الْجَمْع بَيْنَ سَاكِنَيْنِ فِي هَذَا , وَاَلَّذِي يَقْرَأ بِهِ إِنَّمَا يَرُوم الْخَطَأ .
{154} وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا
يَعْنِي الْعَهْد الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاة . وَقِيلَ : عَهْد مُؤَكَّد بِالْيَمِينِ فَسُمِّيَ غَلِيظًا لِذَلِكَ .
المراجع
quran.al-islam.com/Page.aspx?pageid=221&BookID=11&Page=1موسوعه الاسلام
التصانيف
تصنيف :تفسير القران الكريم
login |