[[ملف:قران103.png
تعليق]]
المائدة
{3} حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ كَامِلًا فِي الْبَقَرَة .
{3} حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
هِيَ الَّتِي تَمُوت خَنْقًا , وَهُوَ حَبْس النَّفَس سَوَاء فَعَلَ بِهَا ذَلِكَ آدَمِيّ أَوْ اتَّفَقَ لَهَا ذَلِكَ فِي حَبْل أَوْ بَيْن عُودَيْنِ أَوْ نَحْوه , وَذَكَرَ قَتَادَة : أَنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يَخْنُقُونَ الشَّاة وَغَيْرهَا فَإِذَا مَاتَتْ أَكَلُوهَا ; وَذَكَرَ نَحْوه اِبْن عَبَّاس .
{3} حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
الْمَوْقُوذَة هِيَ الَّتِي تُرْمَى أَوْ تُضْرَب بِحَجَرٍ أَوْ عَصًا حَتَّى تَمُوت مِنْ غَيْر تَذْكِيَة ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ ; يُقَال مِنْهُ : وَقَذَهُ يَقِذهُ وَقْذًا وَهُوَ وَقِيذ , وَالْوَقْذ شِدَّة الضَّرْب , وَفُلَان وَقِيذ أَيْ مُثْخَن ضَرْبًا . قَالَ قَتَادَة : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَيَأْكُلُونَهُ , وَقَالَ الضَّحَّاك : كَانُوا يَضْرِبُونَ الْأَنْعَام بِالْخَشَبِ لِآلِهَتِهِمْ حَتَّى يَقْتُلُوهَا فَيَأْكُلُوهَا , وَمِنْهُ الْمَقْتُولَة بِقَوْسِ الْبُنْدُق , وَقَالَ الْفَرَزْدَق : شَغَّارَة تَقِذ الْفَصِيل بِرِجْلِهَا فَطَّارَة لِقَوَادِم الْأَبْكَارِ وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَدِيّ بْن حَاتِم قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه فَإِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْد فَأُصِيب ; فَقَالَ : ( إِذَا رَمَيْت بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْهُ وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلهُ ) وَفِي رِوَايَة ( فَإِنَّهُ وَقِيذ ) . قَالَ أَبُو عُمَر : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي الصَّيْد بِالْبُنْدُقِ وَالْحَجَر وَالْمِعْرَاض ; فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ وَقِيذ لَمْ يُجِزْهُ إِلَّا مَا أُدْرِكَ ذَكَاته ; عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر , وَهُوَ قَوْل مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْرِيّ وَالشَّافِعِيّ , وَخَالَفَهُمْ الشَّامِيُّونَ فِي ذَلِكَ ; قَالَ الْأَوْزَاعِيّ فِي الْمِعْرَاض : كُلْهُ خَزَقَ أَوْ لَمْ يَخْزِق ; فَقَدْ كَانَ أَبُو الدَّرْدَاء وَفَضَالَة بْن عُبَيْد وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر وَمَكْحُول لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا ; قَالَ أَبُو عُمَر : هَكَذَا ذَكَرَ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر , وَالْمَعْرُوف عَنْ اِبْن عُمَر مَا ذَكَرَهُ مَالِك عَنْ نَافِع عَنْهُ , وَالْأَصْل فِي هَذَا الْبَاب وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل وَفِيهِ الْحُجَّة لِمَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ حَدِيث عَدِيّ بْن حَاتِم وَفِيهِ ( وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلهُ فَإِنَّمَا هُوَ وَقِيذ ) .
{3} حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
الْمُتَرَدِّيَة هِيَ الَّتِي تَتَرَدَّى مِنْ الْعُلُوّ إِلَى السُّفْل فَتَمُوت ; كَانَ ذَلِكَ مِنْ جَبَل أَوْ فِي بِئْر وَنَحْوه ; وَهِيَ مُتَفَعِّلَة مِنْ الرَّدَى وَهُوَ الْهَلَاك ; وَسَوَاء تَرَدَّتْ بِنَفْسِهَا أَوْ رَدَّاهَا غَيْرهَا , وَإِذَا أَصَابَ السَّهْم الصَّيْد فَتَرَدَّى مِنْ جَبَل إِلَى الْأَرْض حَرُمَ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا مَاتَ بِالصَّدْمَةِ وَالتَّرَدِّي لَا بِالسَّهْمِ ; وَمِنْهُ الْحَدِيث ( وَإِنْ وَجَدْته غَرِيقًا فِي الْمَاء فَلَا تَأْكُلهُ فَإِنَّك لَا تَدْرِي الْمَاء قَتَلَهُ أَوْ سَهْمك ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَكَانَتْ الْجَاهِلِيَّة تَأْكُل الْمُتَرَدِّيَ وَلَمْ تَكُنْ تَعْتَقِد مَيْتَة إِلَّا مَا مَاتَ بِالْوَجَعِ وَنَحْوه دُون سَبَب يُعْرَف ; فَأَمَّا هَذِهِ الْأَسْبَاب فَكَانَتْ عِنْدهَا كَالذَّكَاةِ ; فَحَصَرَ الشَّرْع الذَّكَاة فِي صِفَة مَخْصُوصَة عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانهَا , وَبَقِيَتْ هَذِهِ كُلّهَا مَيْتَة , وَهَذَا كُلّه مِنْ الْمُحْكَم الْمُتَّفَق عَلَيْهِ . وَكَذَلِكَ النَّطِيحَة وَأَكِيلَة السَّبُع الَّتِي فَاتَ نَفَسُهَا بِالنَّطْحِ وَالْأَكْل .
{3} حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
النَّطِيحَة فَعِيلَة بِمَعْنَى مَفْعُولَة , وَهِيَ الشَّاة تَنْطَحهَا أُخْرَى أَوْ غَيْر ذَلِكَ فَتَمُوت قَبْل أَنْ تُذَكَّى , وَتَأَوَّلَ قَوْم النَّطِيحَة بِمَعْنَى النَّاطِحَة ; لِأَنَّ الشَّاتَيْنِ قَدْ تَتَنَاطَحَانِ فَتَمُوتَانِ , وَقِيلَ : نَطِيحَة وَلَمْ يَقُلْ نَطِيح , وَحَقّ فَعِيل لَا يُذْكَر فِيهِ الْهَاء كَمَا يُقَال : كَفّ خَضِيب وَلِحْيَة دَهِين ; لَكِنْ ذَكَرَ الْهَاء هَهُنَا لِأَنَّ الْهَاء إِنَّمَا تُحْذَف مِنْ الْفَعِيلَة إِذَا كَانَتْ صِفَة لِمَوْصُوفٍ مَنْطُوق بِهِ ; يُقَال : شَاة نَطِيح وَامْرَأَة قَتِيل , فَإِنْ لَمْ تَذْكُر الْمَوْصُوف أَثْبَتّ الْهَاء فَتَقُول : رَأَيْت قَتِيلَة بَنِي فُلَان وَهَذِهِ نَطِيحَة الْغَنَم ; لِأَنَّك لَوْ لَمْ تَذْكُر الْهَاء فَقُلْت : رَأَيْت قَتِيل بَنِي فُلَان لَمْ يُعْرَف أَرَجُل هُوَ أَمْ اِمْرَأَة . وَقَرَأَ أَبُو مَيْسَرَة " وَالْمَنْطُوحَة " .
{3} حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
يُرِيدُ كُلَّ مَا افْتَرَسَهُ ذُو نَاب وَأَظْفَار مِنْ الْحَيَوَان , كَالْأَسَدِ وَالنَّمِر وَالثَّعْلَب وَالذِّئْب وَالضَّبْع وَنَحْوهَا , هَذِهِ كُلّهَا سِبَاع . يُقَال : سَبَعَ فُلَان فُلَانًا أَيْ عَضَّهُ بِسِنِّهِ , وَسَبَعَهُ أَيْ عَابَهُ وَوَقَعَ فِيهِ , وَفِي الْكَلَام إِضْمَار , أَيْ وَمَا أَكَلَ مِنْهُ السَّبُع ; لِأَنَّ مَا أَكَلَهُ السَّبُع فَقَدْ فَنِيَ , وَمِنْ الْعَرَب مَنْ يُوقِف اِسْم السَّبُع عَلَى الْأَسَد , وَكَانَتْ الْعَرَب إِذَا أَخَذَ السَّبُع شَاة ثُمَّ خَلَصَتْ مِنْهُ أَكَلُوهَا , وَكَذَلِكَ إِنْ أَكَلَ بَعْضهَا ; قَالَهُ قَتَادَة وَغَيْره وَقَرَأَ الْحَسَن وَأَبُو حَيْوَة " السَّبْع " بِسُكُونِ الْبَاء , وَهِيَ لُغَة لِأَهْلِ نَجْد , وَقَالَ حَسَّان فِي عُتْبَة بْن أَبِي لَهَب : مَنْ يَرْجِع الْعَام إِلَى أَهْله فَمَا أَكِيلُ السَّبْع بِالرَّاجِعِ وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود : " وَأَكِيلَة السَّبُع " وَقَرَأَ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس : " وَأَكِيل السَّبُع " .
{3} حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
نُصِبَ عَلَى الِاسْتِثْنَاء الْمُتَّصِل , عِنْد الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء وَالْفُقَهَاء , وَهُوَ رَاجِع عَلَى كُلّ مَا أُدْرِكَ ذَكَاته مِنْ الْمَذْكُورَات وَفِيهِ حَيَاة ; فَإِنَّ الذَّكَاة عَامِلَة فِيهِ ; لِأَنَّ حَقّ الِاسْتِثْنَاء أَنْ يَكُون مَصْرُوفًا إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْكَلَام , وَلَا يُجْعَل مُنْقَطِعًا إِلَّا بِدَلِيلٍ يَجِب التَّسْلِيم لَهُ . رَوَى اِبْن عُيَيْنَة وَشَرِيك وَجَرِير عَنْ الرُّكَيْن بْن الرَّبِيع عَنْ أَبِي طَلْحَة الْأَسَدِيّ قَالَ : سَأَلْت اِبْن عَبَّاس عَنْ ذِئْب عَدَا عَلَى شَاة فَشَقَّ بَطْنهَا حَتَّى انْتَثَرَ قُصْبهَا فَأَدْرَكْت ذَكَاتهَا فَذَكَّيْتهَا فَقَالَ : كُلْ وَمَا اِنْتَثَرَ مِنْ قُصْبهَا فَلَا تَأْكُل . قَالَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ : السُّنَّة فِي الشَّاة عَلَى مَا وَصَفَ اِبْن عَبَّاس ; فَإِنَّهَا وَإِنْ خَرَجَتْ مَصَارِينهَا فَإِنَّهَا حَيَّة بَعْد , وَمَوْضِع الذَّكَاة مِنْهَا سَالِم ; وَإِنَّمَا يُنْظَر عِنْد الذَّبْح أَحَيَّة هِيَ أَمْ مَيِّتَة , وَلَا يُنْظَر إِلَى فِعْل هَلْ يَعِيش مِثْلهَا ؟ فَكَذَلِكَ الْمَرِيضَة ; قَالَ إِسْحَاق : وَمَنْ خَالَفَ هَذَا فَقَدْ خَالَفَ السُّنَّة مِنْ جُمْهُور الصَّحَابَة وَعَامَّة الْعُلَمَاء . قُلْت : وَإِلَيْهِ ذَهَبَ اِبْن حَبِيب وَذُكِرَ عَنْ أَصْحَاب مَالِك ; وَهُوَ قَوْل اِبْن وَهْب وَالْأَشْهَرُ مِنْ مَذْهَب الشَّافِعِيّ . قَالَ الْمُزَنِيّ : وَأَحْفَظُ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلًا آخَر أَنَّهَا لَا تُؤْكَل إِذَا بَلَغَ مِنْهَا السَّبُع أَوْ التَّرَدِّي إِلَى مَا لَا حَيَاة مَعَهُ ; وَهُوَ قَوْل الْمَدَنِيِّينَ , وَالْمَشْهُور مِنْ قَوْل مَالِك , وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ عَبْد الْوَهَّاب فِي تَلْقِينه , وَرُوِيَ عَنْ زَيْد بْن ثَابِت ; ذَكَرَهُ مَالِك فِي مُوَطَّئِهِ , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي وَجَمَاعَة الْمَالِكِيِّينَ الْبَغْدَادِيِّينَ , وَالِاسْتِثْنَاء عَلَى هَذَا الْقَوْل مُنْقَطِع ; أَيْ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ هَذِهِ الْأَشْيَاء لَكِنْ مَا ذَكَّيْتُمْ فَهُوَ الَّذِي لَمْ يُحَرَّم . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : اِخْتَلَفَ قَوْل مَالِك فِي هَذِهِ الْأَشْيَاء ; فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُؤْكَل إِلَّا مَا ذُكِّيَ بِذَكَاةٍ صَحِيحَة ; وَاَلَّذِي فِي الْمُوَطَّأ أَنَّهُ إِنْ كَانَ ذَبَحَهَا وَنَفَسهَا يَجْرِي , وَهِيَ تَضْطَرِب فَلْيَأْكُلْ ; وَهُوَ الصَّحِيح مِنْ قَوْله الَّذِي كَتَبَهُ بِيَدِهِ وَقَرَأَهُ عَلَى النَّاس مِنْ كُلّ بَلَد طُول عُمْره ; فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الرِّوَايَات النَّادِرَة , وَقَدْ أَطْلَقَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى الْمَرِيضَة أَنَّ الْمَذْهَب جَوَاز تَذْكِيَتهَا وَلَوْ أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَوْت إِذَا كَانَتْ فِيهَا بَقِيَّة حَيَاة ; وَلَيْتَ شِعْرِي أَيّ فَرْق بَيْن بَقِيَّة حَيَاة مِنْ مَرَض , وَبَقِيَّة حَيَاة مِنْ سَبُع لَوْ اِتَّسَقَ النَّظَر , وَسَلِمَتْ مِنْ الشُّبْهَة الْفِكَرُ ! , وَقَالَ أَبُو عَمْرو : قَدْ أَجْمَعُوا فِي الْمَرِيضَة الَّتِي لَا تُرْجَى حَيَاتهَا أَنَّ ذَبْحهَا ذَكَاة لَهَا إِذَا كَانَتْ فِيهَا الْحَيَاة فِي حِين ذَبْحهَا , وَعُلِمَ ذَلِكَ مِنْهَا بِمَا ذَكَرُوا مِنْ حَرَكَة يَدهَا أَوْ رِجْلهَا أَوْ ذَنَبهَا أَوْ نَحْو ذَلِكَ ; وَأَجْمَعُوا أَنَّهَا إِذَا صَارَتْ فِي حَال النَّزْع وَلَمْ تُحَرِّك يَدًا وَلَا رِجْلًا أَنَّهُ لَا ذَكَاة فِيهَا ; وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي فِي الْقِيَاس أَنْ يَكُون حُكْم الْمُتَرَدِّيَة وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا فِي الْآيَة , وَاَللَّه أَعْلَمُ . قَوْله تَعَالَى : " ذَكَّيْتُمْ " الذَّكَاة فِي كَلَام الْعَرَب الذَّبْح ; قَالَهُ قُطْرُب , وَقَالَ اِبْن سِيدَهْ فِي [الْمُحْكَم] وَالْعَرَب تَقُول ( ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أُمّه ) ; قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ حَدِيث , وَذَكَّى الْحَيَوَان ذَبَحَهُ ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : يُذَكِّيهَا الْأَسَلْ قُلْت : الْحَدِيث الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد وَأَبِي هُرَيْرَة وَعَلِيّ وَعَبْد اللَّه عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أُمّه ) , وَبِهِ يَقُول جَمَاعَة أَهْل الْعِلْم , إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَة أَنَّهُ قَالَ : إِذَا خَرَجَ الْجَنِين مِنْ بَطْن أُمّه مَيِّتًا لَمْ يَحِلّ أَكْله ; لِأَنَّ ذَكَاة نَفْس لَا تَكُون ذَكَاة نَفْسَيْنِ . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَفِي قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أُمّه ) دَلِيل عَلَى أَنَّ الْجَنِين غَيْر الْأُمّ , وَهُوَ يَقُول : لَوْ أُعْتِقَتْ أَمَة حَامِل أَنَّ عِتْقه عِتْق أُمّه ; وَهَذَا يَلْزَمهُ أَنَّ ذَكَاته ذَكَاة أُمّه ; لِأَنَّهُ إِذَا أَجَازَ أَنْ يَكُون عِتْق وَاحِد عِتْق اِثْنَيْنِ جَازَ أَنْ يَكُون ذَكَاة وَاحِد ذَكَاة اِثْنَيْنِ ; عَلَى أَنَّ الْخَبَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابه , وَمَا عَلَيْهِ جُلّ النَّاس مُسْتَغْنًى بِهِ عَنْ قَوْل كُلّ قَائِل , وَأَجْمَعَ أَهْل الْعِلْم عَلَى أَنَّ الْجَنِين إِذَا خَرَجَ حَيًّا أَنَّ ذَكَاة أُمّه لَيْسَتْ بِذَكَاةٍ لَهُ , وَاخْتَلَفُوا إِذَا ذُكِّيَتْ الْأُمّ وَفِي بَطْنهَا جَنِين ; فَقَالَ مَالِك وَجَمِيع أَصْحَابه : ذَكَاته ذَكَاة أُمّه إِذَا كَانَ قَدْ تَمَّ خَلْقه وَنَبَتَ شَعْره , وَذَلِكَ إِذَا خَرَجَ مَيِّتًا أَوْ خَرَجَ بِهِ رَمَق مِنْ الْحَيَاة , غَيْر أَنَّهُ يُسْتَحَبّ أَنْ يُذْبَح إِنْ خَرَجَ يَتَحَرَّك , فَإِنْ سَبَقَهُمْ بِنَفْسِهِ أُكِلَ , وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : ضَحَّيْت بِنَعْجَةٍ فَلَمَّا ذَبَحْتهَا جَعَلَ يَرْكُض وَلَدهَا فِي بَطْنهَا فَأَمَرْتهمْ أَنْ يَتْرُكُوهَا حَتَّى يَمُوت فِي بَطْنهَا , ثُمَّ أَمَرْتهمْ فَشَقُّوا جَوْفهَا فَأُخْرِجَ مِنْهُ فَذَبَحْته فَسَالَ مِنْهُ دَم ; فَأَمَرْت أَهْلِي أَنْ يَشْوُوهُ , وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن كَعْب بْن مَالِك . كَانَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ : إِذَا أُشْعِرَ الْجَنِين فَذَكَاته ذَكَاة أُمّه . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَمِمَّنْ قَالَ ذَكَاته ذَكَاة أُمّه وَلَمْ يَذْكُر أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِر عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق . قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أُمّه أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِر " إِلَّا أَنَّهُ حَدِيث ضَعِيف ; فَمَذْهَب مَالِك هُوَ الصَّحِيح مِنْ الْأَقْوَال الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّة فُقَهَاء الْأَمْصَار . وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق . قَوْله تَعَالَى : " ذَكَّيْتُمْ " الذَّكَاة فِي اللُّغَة أَصْلهَا التَّمَام , وَمِنْهُ تَمَام السِّنّ , وَالْفَرَس الْمُذَكَّى الَّذِي يَأْتِي بَعْد تَمَام الْقُرُوح بِسَنَةٍ , وَذَلِكَ تَمَام اِسْتِكْمَال الْقُوَّة , وَيُقَال : ذَكَّى يُذَكِّي , وَالْعَرَب تَقُول : جَرْي الْمُذَكِّيَات غِلَاب 22 . وَالذَّكَاء حِدَّة الْقَلْب ; وَقَالَ الشَّاعِر : يُفَضِّلهُ إِذَا اِجْتَهَدُوا عَلَيْهِ تَمَامُ السِّنِّ مِنْهُ وَالذَّكَاءُ وَالذَّكَاء سُرْعَة الْفِطْنَة , وَالْفِعْل مِنْهُ ذَكِيَ يَذْكَى ذَكًا , وَالذَّكْوَة مَا تَذْكُو بِهِ النَّار , وَأَذْكَيْت الْحَرْب وَالنَّار أَوْقَدْتهمَا , وَذُكَاء اِسْم الشَّمْس ; وَذَلِكَ أَنَّهَا تَذْكُو كَالنَّارِ , وَالصُّبْح اِبْن ذُكَاء لِأَنَّهُ مِنْ ضَوْئِهَا . فَمَعْنَى " ذَكَّيْتُمْ " أَدْرَكْتُمْ ذَكَاته عَلَى التَّمَام . ذَكَّيْت الذَّبِيحَة أُذَكِّيهَا مُشْتَقَّة مِنْ التَّطَيُّب ; يُقَال : رَائِحَة ذَكِيَّة ; فَالْحَيَوَان إِذَا أُسِيلَ دَمه فَقَدْ طُيِّبَ , لِأَنَّهُ يَتَسَارَع إِلَيْهِ التَّجْفِيف ; وَفِي حَدِيث مُحَمَّد بْن عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا " ذَكَاة الْأَرْض يُبْسهَا " يُرِيد طَهَارَتهَا مِنْ النَّجَاسَة ; فَالذَّكَاة فِي الذَّبِيحَة تَطْهِيرٌ لَهَا , وَإِبَاحَةٌ لِأَكْلِهَا فَجُعِلَ يُبْسُ الْأَرْض بَعْد النَّجَاسَة تَطْهِيرًا لَهَا وَإِبَاحَةُ الصَّلَاة فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الذَّكَاة لِلذَّبِيحَةِ ; وَهُوَ قَوْل أَهْل الْعِرَاق , وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّهَا فِي الشَّرْع عِبَارَة عَنْ إِنْهَار الدَّم وَفَرْي الْأَوْدَاج فِي الْمَذْبُوح , وَالنَّحْر فِي الْمَنْحُور وَالْعَقْر فِي غَيْر الْمَقْدُور , مَقْرُونًا بِنِيَّةِ الْقَصْد لِلَّهِ وَذِكْره عَلَيْهِ ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَا يَقَع بِهِ الذَّكَاة ; فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء أَنَّ كُلّ مَا أَفْرَى الْأَوْدَاج وَأَنْهَرَ الدَّم فَهُوَ مِنْ آلَات الذَّكَاة مَا خَلَا السِّنّ وَالْعَظْم ; عَلَى هَذَا تَوَاتَرَتْ الْآثَار , وَقَالَ بِهِ فُقَهَاء الْأَمْصَار , وَالسِّنّ وَالظُّفْر الْمَنْهِيّ عَنْهُمَا فِي التَّذْكِيَة هُمَا غَيْر الْمَنْزُوعَيْنِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِير خَنْقًا ; وَكَذَلِكَ قَالَ اِبْن عَبَّاس : ذَلِكَ الْخَنْق ; فَأَمَّا الْمَنْزُوعَانِ فَإِذَا فَرَيَا الْأَوْدَاج فَجَائِز الذَّكَاة بِهِمَا عِنْدهمْ , وَقَدْ كَرِهَ قَوْم السِّنّ وَالظُّفْر وَالْعَظْم عَلَى كُلّ حَال ; مَنْزُوعَة أَوْ غَيْر مَنْزُوعَة ; مِنْهُمْ إِبْرَاهِيم وَالْحَسَن وَاللَّيْث بْن سَعْد , وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيّ ; وَحُجَّتهمْ ظَاهِر حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه إِنَّا لَاقُو الْعَدُوّ غَدًا وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى - فِي رِوَايَة - فَنُذَكِّي بِاللِّيطِ ؟ . وَفِي مُوَطَّأ مَالِك عَنْ نَافِع عَنْ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار عَنْ مُعَاذ بْن سَعْد أَوْ سَعْد بْن مُعَاذ : أَنَّ جَارِيَة لِكَعْبِ بْن مَالِك كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا لَهُ بِسَلْعٍ فَأُصِيبَتْ شَاة مِنْهَا فَأَدْرَكَتْهَا فَذَكَّتْهَا بِحَجَرٍ , فَسُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : ( لَا بَأْس بِهَا وَكُلُوهَا ) , وَفِي مُصَنَّف أَبِي دَاوُد : أَنَذْبَحُ بِالْمَرْوَةِ وَشِقَّة الْعَصَا ؟ قَالَ : ( أَعْجِلْ وَأَرِنْ مَا أَنْهَرَ الدَّم وَذُكِرَ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ فَكُلْ لَيْسَ السِّنّ وَالظُّفْر وَسَأُحَدِّثُك أَمَّا السِّنّ فَعَظْم وَأَمَّا الظُّفْر فَمُدَى الْحَبَشَة ) الْحَدِيث أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَرُوِيَ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَنَّهُ قَالَ : مَا ذُبِحَ بِاللِّيطَةِ وَالشَّطِير وَالظُّرَر فَحِلّ ذَكِيّ . اللِّيطَة فِلْقَة الْقَصَبَة وَيُمْكِن بِهَا الذَّبْح وَالنَّحْر . وَالشَّطِير فِلْقَة الْعُود , وَقَدْ يُمْكِن بِهَا الذَّبْح لِأَنَّ لَهَا جَانِبًا دَقِيقًا , وَالظُّرَر فِلْقَة الْحَجَر يُمْكِن الذَّكَاة بِهَا وَلَا يُمْكِن النَّحْر ; وَعَكْسه الشِّظَاظ يُنْحَر بِهِ , لِأَنَّهُ كَطَرَفِ السِّنَان وَلَا يُمْكِن بِهِ الذَّبْح . قَالَ مَالِك وَجَمَاعَة : لَا تَصِحّ الذَّكَاة إِلَّا بِقَطْعِ الْحُلْقُوم وَالْوَدَجَيْنِ , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : يَصِحّ بِقَطْعِ الْحُلْقُوم وَالْمَرِيء وَلَا يَحْتَاج إِلَى الْوَدَجَيْنِ ; لِأَنَّهُمَا مَجْرَى الطَّعَام وَالشَّرَاب الَّذِي لَا يَكُون مَعَهُمَا حَيَاة , وَهُوَ الْغَرَض مِنْ الْمَوْت . وَمَالك وَغَيْره اِعْتَبَرُوا الْمَوْت عَلَى وَجْه يَطِيب مَعَهُ اللَّحْم , وَيَفْتَرِق فِيهِ الْحَلَال - وَهُوَ اللَّحْم - مِنْ الْحَرَام الَّذِي يَخْرُج بِقَطْعِ الْأَوْدَاج وَهُوَ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة ; وَعَلَيْهِ يَدُلّ حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج فِي قَوْله : ( مَا أَنْهَرَ الدَّم ) , وَحَكَى الْبَغْدَادِيُّونَ عَنْ مَالِك أَنَّهُ يُشْتَرَط قَطْع أَرْبَع : الْحُلْقُوم وَالْوَدَجَيْنِ وَالْمَرِيء ; وَهُوَ قَوْل أَبِي ثَوْر , وَالْمَشْهُور مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ قَوْل اللَّيْث . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَصْحَابنَا فِي قَطْع أَحَد الْوَدَجَيْنِ وَالْحُلْقُوم هَلْ هُوَ ذَكَاة أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الذَّبْح مَهْمَا كَانَ فِي الْحَلْق تَحْت الْغَلْصَمَة فَقَدْ تَمَّتْ الذَّكَاة ; وَاخْتُلِفَ فِيمَا إِذَا ذُبِحَ فَوْقهَا وَجَازَهَا إِلَى الْبَدَن هَلْ ذَلِكَ ذَكَاة أَمْ لَا , عَلَى قَوْلَيْنِ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِك أَنَّهَا لَا تُؤْكَل ; وَكَذَلِكَ لَوْ ذَبَحَهَا مِنْ الْقَفَا وَاسْتَوْفَى الْقَطْع وَأَنْهَرَ الدَّم وَقَطَعَ الْحُلْقُوم وَالْوَدَجَيْنِ لَمْ تُؤْكَل , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : تُؤْكَل ; لِأَنَّ الْمَقْصُود قَدْ حَصَلَ , وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْل , وَهُوَ أَنَّ الذَّكَاة وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُود مِنْهَا إِنْهَار الدَّم فَفِيهَا ضَرْب مِنْ التَّعَبُّد ; وَقَدْ ذَبَحَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَلْق وَنَحَرَ فِي اللَّبَّة وَقَالَ : ( إِنَّمَا الذَّكَاة فِي الْحَلْق وَاللَّبَّة ) فَبَيَّنَ مَحِلّهَا وَعَيَّنَ مَوْضِعهَا , وَقَالَ مُبَيِّنًا لِفَائِدَتِهَا : ( مَا أَنْهَرَ الدَّم وَذُكِرَ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ فَكُلْ ) . فَإِذَا أُهْمِلَ ذَلِكَ وَلَمْ تَقَع بِنِيَّةٍ وَلَا بِشَرْطٍ وَلَا بِصِفَةٍ مَخْصُوصَة زَالَ مِنْهَا حَظّ التَّعَبُّد , فَلَمْ تُؤْكَل لِذَلِكَ , وَاللَّه أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ رَفَعَ يَده قَبْل تَمَام الذَّكَاة ثُمَّ رَجَعَ فِي الْفَوْر وَأَكْمَلَ الذَّكَاة ; فَقِيلَ : يُجْزِئهُ , وَقِيلَ : لَا يُجْزِئهُ ; وَالْأَوَّل أَصَحّ لِأَنَّهُ جَرَحَهَا ثُمَّ ذَكَّاهَا بَعْد وَحَيَاتهَا مُسْتَجْمَعَة فِيهَا . وَيُسْتَحَبّ أَلَّا يَذْبَح إِلَّا مَنْ تُرْضَى حَاله , وَكُلّ مَنْ أَطَاقَهُ وَجَاءَ بِهِ عَلَى سُنَّته مِنْ ذِكْر أَوْ أُنْثَى بَالِغ أَوْ غَيْر بَالِغ جَازَ ذَبْحه إِذَا كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا , وَذَبْح الْمُسْلِم أَفْضَلُ مِنْ ذَبْح الْكِتَابِيّ , وَلَا يَذْبَح نُسُكًا إِلَّا مُسْلِم ; فَإِنْ ذَبَحَ النُّسُك كِتَابِيّ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ ; وَلَا يَجُوز فِي تَحْصِيل الْمَذْهَب , وَقَدْ أَجَازَهُ أَشْهَب .
وَمَا اِسْتَوْحَشَ مِنْ الْإِنْسِيّ لَمْ يَجُزْ فِي ذَكَاته إِلَّا مَا يَجُوز فِي ذَكَاة الْإِنْسِيّ , فِي قَوْل مَالِك وَأَصْحَابه وَرَبِيعَة وَاللَّيْث بْن سَعْد ; وَكَذَلِكَ الْمُتَرَدِّي فِي الْبِئْر لَا تَكُون الذَّكَاة فِيهِ إِلَّا فِيمَا بَيْن الْحَلْق وَاللَّبَّة عَلَى سُنَّة الذَّكَاة , وَقَدْ خَالَفَ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ بَعْض أَهْل الْمَدِينَة وَغَيْرهمْ ; وَفِي الْبَاب حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج وَقَدْ تَقَدَّمَ , وَتَمَامه بَعْد قَوْله : ( فَمُدَى الْحَبَشَة ) قَالَ : وَأَصَبْنَا نَهْب إِبِل وَغَنَم فَنَدَّ مِنْهَا بَعِير فَرَمَاهُ رَجُل بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ ; فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِل أَوَابِد كَأَوَابِد الْوَحْش فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْء فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَا - وَفِي رِوَايَة - فَكُلُوهُ ) , وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ ; قَالَ الشَّافِعِيّ : تَسْلِيط النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذَا الْفِعْل دَلِيل عَلَى أَنَّهُ ذَكَاة ; وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي الْعُشَرَاء عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَمَا تَكُون الذَّكَاة إِلَّا فِي الْحَلْق وَاللَّبَّة ؟ قَالَ : ( لَوْ طَعَنْت فِي فَخِذهَا لَأَجْزَأَ عَنْك ) . قَالَ يَزِيد بْن هَارُون : وَهُوَ حَدِيث صَحِيح أَعْجَبَ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي دَاوُد , وَأَشَارَ عَلَى مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْحُفَّاظ أَنْ يَكْتُبَهُ . قَالَ أَبُو دَاوُد : لَا يَصْلُح هَذَا إِلَّا فِي الْمُتَرَدِّيَة وَالْمُسْتَوْحِش , وَقَدْ حَمَلَ اِبْن حَبِيب هَذَا الْحَدِيث عَلَى مَا سَقَطَ فِي مَهْوَاة فَلَا يُوصَل إِلَى ذَكَاته إِلَّا بِالطَّعْنِ فِي غَيْر مَوْضِع الذَّكَاة ; وَهُوَ قَوْل انْفَرَدَ بِهِ عَنْ مَالِك وَأَصْحَابه . قَالَ أَبُو عُمَر : قَوْل الشَّافِعِيّ أَظْهَر فِي أَهْل الْعِلْم , وَأَنَّهُ يُؤْكَل بِمَا يُؤْكَل بِهِ الْوَحْشِيّ ; لِحَدِيثِ رَافِع بْن خَدِيج ; وَهُوَ قَوْل اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود ; وَمِنْ جِهَة الْقِيَاس لَمَّا كَانَ الْوَحْشِيّ إِذَا قُدِرَ عَلَيْهِ لَمْ يَحِلّ إِلَّا بِمَا يَحِلّ بِهِ الْإِنْسِيّ ; لِأَنَّهُ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ ; فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي فِي الْقِيَاس إِذَا تَوَحَّشَ أَوْ صَارَ فِي مَعْنَى الْوَحْشِيّ مِنْ الِامْتِنَاع أَنْ يَحِلّ بِمَا يَحِلّ بِهِ الْوَحْشِيّ . قُلْت : أَجَابَ عُلَمَاؤُنَا عَنْ حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج بِأَنْ قَالُوا : تَسْلِيط النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى حَبْسه لَا عَلَى ذَكَاته , وَهُوَ مُقْتَضَى الْحَدِيث وَظَاهِره ; لِقَوْلِهِ : ( فَحَبَسَهُ ) وَلَمْ يَقُلْ إِنَّ السَّهْم قَتَلَهُ ; وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مَقْدُور عَلَيْهِ فِي غَالِب الْأَحْوَال فَلَا يُرَاعَى النَّادِر مِنْهُ , وَإِنَّمَا يَكُون ذَلِكَ فِي الصَّيْد , وَقَدْ صَرَّحَ الْحَدِيث بِأَنَّ السَّهْم حَبَسَهُ وَبَعْد أَنْ صَارَ مَحْبُوسًا صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ ; فَلَا يُؤْكَل إِلَّا بِالذَّبْحِ وَالنَّحْر , وَاللَّه أَعْلَمُ , وَأَمَّا حَدِيث أَبِي الْعُشَرَاء فَقَدْ قَالَ فِيهِ التِّرْمِذِيّ : " حَدِيث غَرِيب لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ حَدِيث حَمَّاد بْن سَلَمَة , وَلَا نَعْرِف لِأَبِي الْعُشَرَاء عَنْ أَبِيهِ غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَاخْتَلَفُوا فِي اِسْم أَبِي الْعُشَرَاء ; فَقَالَ بَعْضهمْ : اِسْمه أُسَامَة بْن قِهْطِم , وَيُقَال : اِسْمه يَسَار بْن بَرْز - وَيُقَال : بَلْز - وَيُقَال : اِسْمه عُطَارِد نُسِبَ إِلَى جَدّه " . فَهَذَا سَنَد مَجْهُول لَا حُجَّة فِيهِ ; وَلَوْ سُلِّمَتْ صِحَّته كَمَا قَالَ يَزِيد بْن هَارُون لَمَّا كَانَ فِيهِ حُجَّة ; إِذْ مُقْتَضَاهُ جَوَاز الذَّكَاة فِي أَيّ عُضْو كَانَ مُطْلَقًا فِي الْمَقْدُور وَغَيْره , وَلَا قَائِل بِهِ فِي الْمَقْدُور ; فَظَاهِره لَيْسَ بِمُرَادٍ قَطْعًا . وَتَأْوِيل أَبِي دَاوُد وَابْن حَبِيب لَهُ غَيْر مُتَّفَق عَلَيْهِ ; فَلَا يَكُون فِيهِ حُجَّة , وَاللَّه أَعْلَمُ . قَالَ أَبُو عُمَر : وَحُجَّة مَالِك أَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنِدّ الْإِنْسِيّ أَنَّهُ لَا يُذَكَّى إِلَّا بِمَا يُذَكَّى بِهِ الْمَقْدُور عَلَيْهِ , ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فَهُوَ عَلَى أَصْله حَتَّى يَتَّفِقُوا . وَهَذَا لَا حُجَّة فِيهِ ; لِأَنَّ إِجْمَاعهمْ إِنَّمَا اِنْعَقَدَ عَلَى مَقْدُور عَلَيْهِ , وَهَذَا غَيْر مَقْدُور عَلَيْهِ . وَمِنْ تَمَام هَذَا الْبَاب قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِنَّ اللَّه كَتَبَ الْإِحْسَان عَلَى كُلّ شَيْء فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَة وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْح وَلْيُحِدَّ أَحَدكُمْ شَفْرَته وَلْيُرِحْ ذَبِيحَته ) رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ شَدَّاد بْن أَوْس قَالَ : ثِنْتَانِ حَفِظْتهمَا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ اللَّه كَتَبَ ) فَذَكَرَهُ . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إِحْسَان الذَّبْح فِي الْبَهَائِم الرِّفْق بِهَا ; فَلَا يَصْرَعهَا بِعُنْفٍ وَلَا يَجُرّهَا مِنْ مَوْضِع إِلَى آخَر , وَإِحْدَاد الْآلَة , وَإِحْضَار نِيَّة الْإِبَاحَة وَالْقُرْبَة وَتَوْجِيههَا إِلَى الْقِبْلَة , وَالْإِجْهَاز , وَقَطْع الْوَدَجَيْنِ وَالْحُلْقُوم , وَإِرَاحَتهَا وَتَرْكهَا إِلَى أَنْ تَبْرُد , وَالِاعْتِرَاف لِلَّهِ بِالْمِنَّةِ , وَالشُّكْر لَهُ بِالنِّعْمَةِ ; بِأَنَّهُ سَخَّرَ لَنَا مَا لَوْ شَاءَ لَسَلَّطَهُ عَلَيْنَا , وَأَبَاحَ لَنَا مَا لَوْ شَاءَ لَحَرَّمَهُ عَلَيْنَا . وَقَالَ رَبِيعَة : مِنْ إِحْسَان الذَّبْح أَلَّا يَذْبَح بَهِيمَة وَأُخْرَى تَنْظُر إِلَيْهَا ; وَحُكِيَ جَوَازه عَنْ مَالِك ; وَالْأَوَّل أَحْسَنُ , وَأَمَّا حُسْن الْقِتْلَة فَعَامّ فِي كُلّ شَيْء مِنْ التَّذْكِيَة وَالْقِصَاص وَالْحُدُود وَغَيْرهَا , وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ اِبْن عَبَّاس وَأَبِي هُرَيْرَة قَالَا : نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَرِيطَة الشَّيْطَان , زَادَ اِبْن عِيسَى فِي حَدِيثه ( وَهِيَ الَّتِي تُذْبَح فَتُقْطَع وَلَا تُفْرَى الْأَوْدَاج ثُمَّ تُتْرَك فَتَمُوت ) .
{3} حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
قَالَ اِبْن فَارِس : " النُّصُب " حَجَر كَانَ يُنْصَب فَيُعْبَد وَتُصَبّ عَلَيْهِ دِمَاء الذَّبَائِح , وَهُوَ النَّصْب أَيْضًا , وَالنَّصَائِب حِجَارَة تُنْصَب حَوَالَيْ شَفِير الْبِئْر فَتُجْعَل عَضَائِد , وَغُبَار مُنْتَصِب مُرْتَفِع , وَقِيلَ : " النُّصُب " جَمْع , وَاحِده نِصَاب كَحِمَارٍ وَحُمُر , وَقِيلَ : هُوَ اِسْم مُفْرَد وَالْجَمْع أَنْصَاب ; وَكَانَتْ ثَلَاثمِائَةٍ وَسِتِّينَ حَجَرًا , وَقَرَأَ طَلْحَة " النُّصْب " بِجَزْمِ الصَّاد . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر " النَّصْب " بِفَتْحِ النُّون وَجَزْم الصَّاد . الْجَحْدَرِيّ : بِفَتْحِ النُّون وَالصَّاد جَعَلَهُ اِسْمًا مُوَحَّدًا كَالْجَبَلِ وَالْجَمَل , وَالْجَمْع أَنْصَاب ; كَالْأَجْمَالِ وَالْأَجْبَال . قَالَ مُجَاهِد : هِيَ حِجَارَة كَانَتْ حَوَالَيْ مَكَّة يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا . قَالَ اِبْن جُرَيْج : كَانَتْ الْعَرَب تَذْبَح بِمَكَّة وَتَنْضَح بِالدَّمِ مَا أَقْبَلَ مِنْ الْبَيْت , وَيُشَرِّحُونَ اللَّحْم وَيَضَعُونَهُ عَلَى الْحِجَارَة ; فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام قَالَ الْمُسْلِمُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَحْنُ أَحَقّ أَنْ نُعَظِّمَ هَذَا الْبَيْت بِهَذِهِ الْأَفْعَال , فَكَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَمْ يَكْرَه ذَلِكَ ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا " [الْحَجّ : 37] وَنَزَلَتْ " وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب " الْمَعْنَى : وَالنِّيَّة فِيهَا تَعْظِيم النُّصُب لَا أَنَّ الذَّبْح عَلَيْهَا غَيْر جَائِز , وَقَالَ الْأَعْشَى : وَذَا النُّصُبَ الْمَنْصُوبَ لَا تَنْسُكَنَّهُ لِعَافِيَةٍ وَاَللَّهَ رَبَّك فَاعْبُدَا وَقِيلَ : " عَلَى " بِمَعْنَى اللَّام ; أَيْ لِأَجْلِهَا ; قَالَ قُطْرُب قَالَ اِبْن زَيْد : مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّه شَيْء وَاحِد . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب جُزْء مِمَّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّه , وَلَكِنْ خُصَّ بِالذِّكْرِ بَعْد جِنْسه لِشُهْرَةِ الْأَمْر وَشَرَف الْمَوْضِع وَتَعْظِيم النُّفُوس لَهُ .
{3} حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
مَعْطُوف عَلَى مَا قَبْله , و " أَنْ " فِي مَحَلّ رَفْع , أَيْ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ الِاسْتِقْسَام . وَالْأَزْلَام قِدَاح الْمَيْسِر , وَاحِدهَا زَلَم وَزُلَم ; قَالَ : بَاتَ يُقَاسِيهَا غُلَام كَالزَّلَمْ وَقَالَ آخَر , فَجَمَعَ : فَلَئِنْ جَذِيمَة قَتَّلَتْ سَرَوَاتهَا فَنِسَاؤُهَا يَضْرِبْنَ بِالْأَزْلَامِ وَذَكَرَ مُحَمَّد بْن جَرِير : أَنَّ اِبْن وَكِيع حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِيهِ عَنْ شُرَيْك عَنْ أَبِي حُصَيْن عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّ الْأَزْلَام حَصًى بِيض كَانُوا يَضْرِبُونَ بِهَا . قَالَ مُحَمَّد بْن جَرِير : قَالَ لَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع : هِيَ الشِّطْرَنْج . فَأَمَّا قَوْل لَبِيد : تَزِلُّ عَنْ الثَّرَى أَزْلَامهَا فَقَالُوا : أَرَادَ أَظْلَاف الْبَقَرَة الْوَحْشِيَّة , وَالْأَزْلَام لِلْعَرَبِ ثَلَاثَة أَنْوَاع : مِنْهَا الثَّلَاثَة الَّتِي كَانَ يَتَّخِذهَا كُلّ إِنْسَان لِنَفْسِهِ , عَلَى أَحَدهَا افْعَلْ , وَعَلَى الثَّانِي لَا تَفْعَل , وَالثَّالِث مُهْمَل لَا شَيْء عَلَيْهِ , فَيَجْعَلهَا فِي خَرِيطَة مَعَهُ , فَإِذَا أَرَادَ فِعْل شَيْء أَدْخَلَ يَده - وَهِيَ مُتَشَابِهَة - فَإِذَا خَرَجَ أَحَدهَا اِئْتَمَرَ وَانْتَهَى بِحَسَبِ مَا يَخْرُج لَهُ , وَإِنْ خَرَجَ الْقِدْح الَّذِي لَا شَيْء عَلَيْهِ أَعَادَ الضَّرْب ; وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي ضَرَبَ بِهَا سُرَاقَة بْن مَالِك بْن جُعْشُم حِين اِتَّبَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْر وَقْت الْهِجْرَة ; وَإِنَّمَا قِيلَ لِهَذَا الْفِعْل : اِسْتِقْسَام لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهِ الرِّزْق وَمَا يُرِيدُونَ ; كَمَا يُقَال : الِاسْتِسْقَاء فِي الِاسْتِدْعَاء لِلسَّقْيِ . وَنَظِير هَذَا الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّه تَعَالَى قَوْل الْمُنَجِّم : لَا تَخْرُج مِنْ أَجْل نَجْم كَذَا , وَاخْرُج مِنْ أَجْل نَجْم كَذَا , وَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ : " وَمَا تَدْرِي نَفْس مَاذَا تَكْسِب غَدًا " الْآيَة [لُقْمَان : 34] , وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّه , وَالنَّوْع الثَّانِي : سَبْعَة قِدَاح كَانَتْ عِنْد هُبَل فِي جَوْف الْكَعْبَة مَكْتُوب عَلَيْهَا مَا يَدُور بَيْن النَّاس مِنْ النَّوَازِل , كُلّ قِدْح مِنْهَا فِيهِ كِتَاب ; قِدْح فِيهِ الْعَقْل مِنْ أَمْر الدِّيَات , وَفِي آخَر " مِنْكُمْ " وَفِي آخَر " مِنْ غَيْركُمْ " , وَفِي آخَر " مُلْصَق " , وَفِي سَائِرهَا أَحْكَام الْمِيَاه وَغَيْر ذَلِكَ , وَهِيَ الَّتِي ضَرَبَ بِهَا عَبْد الْمُطَّلِب عَلَى بَنِيهِ إِذْ كَانَ نَذَرَ نَحْر أَحَدهمْ إِذَا كَمُلُوا عَشَرَة ; الْخَبَر الْمَشْهُور ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق . وَهَذِهِ السَّبْعَة أَيْضًا كَانَتْ عِنْد كُلّ كَاهِن مِنْ كُهَّان الْعَرَب وَحُكَّامهمْ ; عَلَى نَحْو مَا كَانَتْ فِي الْكَعْبَة عِنْد هُبَل , وَالنَّوْع الثَّالِث : هُوَ قِدَاح الْمَيْسِر وَهِيَ عَشَرَة ; سَبْعَة مِنْهَا فِيهَا حُظُوظ , وَثَلَاثَة أَغْفَال , وَكَانُوا يَضْرِبُونَ بِهَا مُقَامَرَة لَهْوًا وَلَعِبًا , وَكَانَ عُقَلَاؤُهُمْ يَقْصِدُونَ بِهَا إِطْعَام الْمَسَاكِين وَالْمُعْدَم فِي زَمَن الشِّتَاء وَكَلَب الْبَرْد وَتَعَذُّر التَّحَرُّف , وَقَالَ مُجَاهِد : الْأَزْلَام هِيَ كِعَاب فَارِس وَالرُّوم الَّتِي يَتَقَامَرُونَ بِهَا , وَقَالَ سُفْيَان وَوَكِيع : هِيَ الشِّطْرَنْج ; فَالِاسْتِقْسَام بِهَذَا كُلّه هُوَ طَلَب الْقَسْم وَالنَّصِيب كَمَا بَيَّنَّا ; وَهُوَ مِنْ أَكْل الْمَال بِالْبَاطِلِ , وَهُوَ حَرَام , وَكُلّ مُقَامَرَة بِحَمَامٍ أَوْ بِنَرْدٍ أَوْ شِطْرَنْج أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْأَلْعَاب فَهُوَ اِسْتِقْسَام بِمَا هُوَ فِي مَعْنَى الْأَزْلَام حَرَام كُلّه ; وَهُوَ ضَرْب مِنْ التَّكَهُّن وَالتَّعَرُّض لِدَعْوَى عِلْم الْغَيْب . قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : وَلِهَذَا نَهَى أَصْحَابنَا عَنْ الْأُمُور الَّتِي يَفْعَلهَا الْمُنَجِّمُونَ عَلَى الطُّرُقَات مِنْ السِّهَام الَّتِي مَعَهُمْ , وَرِقَاع الْفَأْل فِي أَشْبَاه ذَلِكَ , وَقَالَ الْكِيَا الطَّبَرِيّ : وَإِنَّمَا نَهَى اللَّه عَنْهَا فِيمَا يَتَعَلَّق بِأُمُورِ الْغَيْب ; فَإِنَّهُ لَا تَدْرِي نَفْس مَاذَا يُصِيبهَا غَدًا , فَلَيْسَ لِلْأَزْلَامِ فِي تَعْرِيف الْمُغَيَّبَات أَثَر ; فَاسْتَنْبَطَ بَعْض الْجَاهِلِينَ مِنْ هَذَا الرَّدّ عَلَى الشَّافِعِيّ فِي الْإِقْرَاع بَيْن الْمَمَالِيك فِي الْعِتْق , وَلَمْ يَعْلَم هَذَا الْجَاهِل أَنَّ الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيّ بُنِيَ عَلَى الْأَخْبَار الصَّحِيحَة , وَلَيْسَ مِمَّا يُعْتَرَض عَلَيْهِ بِالنَّهْيِ عَنْ الِاسْتِقْسَام بِالْأَزْلَامِ ; فَإِنَّ الْعِتْق حُكْم شَرْعِيّ , يَجُوز أَنْ يَجْعَل الشَّرْع خُرُوج الْقُرْعَة عَلَمًا عَلَى إِثْبَات حُكْم الْعِتْق قَطْعًا لِلْخُصُومَةِ , أَوْ لِمَصْلَحَةٍ يَرَاهَا , وَلَا يُسَاوِي ذَلِكَ قَوْل الْقَائِل : إِذَا فَعَلْت كَذَا أَوْ قُلْت كَذَا فَذَلِكَ يَدُلّك فِي الْمُسْتَقْبَل عَلَى أَمْر مِنْ الْأُمُور , فَلَا يَجُوز أَنْ يُجْعَل خُرُوج الْقِدَاح عَلَمًا عَلَى شَيْء يَتَجَدَّد فِي الْمُسْتَقْبَل , وَيَجُوز أَنْ يُجْعَل خُرُوج الْقُرْعَة عَلَمًا عَلَى الْعِتْق قَطْعًا ; فَظَهَرَ اِفْتِرَاق الْبَابَيْنِ . وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَاب طَلَب الْفَأْل , وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يُعْجِبهُ أَنْ يَسْمَع يَا رَاشِد يَا نَجِيح ; أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ : حَدِيث صَحِيح غَرِيب ; وَإِنَّمَا كَانَ يُعْجِبهُ الْفَأْل لِأَنَّهُ تَنْشَرِح لَهُ النَّفْس وَتَسْتَبْشِر بِقَضَاءِ الْحَاجَة وَبُلُوغ الْأَمَل ; فَيَحْسُن الظَّنّ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَقَدْ قَالَ : ( أَنَا عِنْد ظَنّ عَبْدِي بِي ) , وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَام يَكْرَه الطِّيَرَة ; لِأَنَّهَا مِنْ أَعْمَال أَهْل الشِّرْك ; وَلِأَنَّهَا تَجْلِب ظَنّ السُّوء بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ الْخَطَّابِيّ : الْفَرْق بَيْن الْفَأْل وَالطِّيَرَة أَنَّ الْفَأْل إِنَّمَا هُوَ مِنْ طَرِيق حُسْن الظَّنّ بِاَللَّهِ , وَالطِّيَرَة إِنَّمَا هِيَ مِنْ طَرِيق الِاتِّكَال عَلَى شَيْء سِوَاهُ , وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : سَأَلْت اِبْن عَوْن عَنْ الْفَأْل فَقَالَ : هُوَ أَنْ يَكُون مَرِيضًا فَيَسْمَع يَا سَالِم , أَوْ يَكُون بَاغِيًا فَيَسْمَع يَا وَاجِد ; وَهَذَا مَعْنَى حَدِيث التِّرْمِذِيّ , وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( لَا طِيَرَة وَخَيْرهَا الْفَأْل ) , قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه وَمَا الْفَأْل ؟ قَالَ : ( الْكَلِمَة الصَّالِحَة يَسْمَعهَا أَحَدكُمْ ) , وَسَيَأْتِي لِمَعْنَى الطِّيَرَة مَزِيد بَيَان إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا الْعِلْم بِالتَّعَلُّمِ وَالْحِلْم بِالتَّحَلُّمِ , وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْر يُعْطَهُ , وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرّ يُوقَهُ , وَثَلَاثَة لَا يَنَالُونَ الدَّرَجَات الْعُلَا ; مَنْ تَكَهَّنَ أَوْ اِسْتَقْسَمَ أَوْ رَجَعَ مِنْ سَفَر مِنْ طِيَرَة .
{3} حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
إِشَارَة إِلَى الِاسْتِقْسَام بِالْأَزْلَامِ , وَالْفِسْق الْخُرُوج , وَقَدْ تَقَدَّمَ , وَقِيلَ يَرْجِع إِلَى جَمِيع مَا ذُكِرَ مِنْ الِاسْتِحْلَال لِجَمِيعِ هَذِهِ الْمُحَرَّمَات , وَكُلّ شَيْء مِنْهَا فِسْق وَخُرُوج مِنْ الْحَلَال إِلَى الْحَرَام , وَالِانْكِفَاف عَنْ هَذِهِ الْمُحَرَّمَات مِنْ الْوَفَاء بِالْعُقُودِ , إِذْ قَالَ : " أَوْفُوا بِالْعُقُودِ " [الْمَائِدَة : 1] .
{3} حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
يَعْنِي أَنْ تَرْجِعُوا إِلَى دِينهمْ كُفَّارًا . قَالَ الضَّحَّاك : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة حِين فَتْح مَكَّة ; وَذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَحَ مَكَّة لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَان سَنَة تِسْع , وَيُقَال : سَنَة ثَمَان , وَدَخَلَهَا وَنَادَى مُنَادِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَلَا مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَهُوَ آمِن , وَمَنْ وَضَعَ السِّلَاح فَهُوَ آمِن , وَمَنْ أَغْلَقَ بَابه فَهُوَ آمِن " , وَفِي " يَئِسَ " لُغَتَانِ , يَئِسَ يَيْأَس يَأْسًا , وَأَيِسَ يَأْيَس إِيَاسًا وَإِيَاسَة ; قَالَهُ النَّضْر بْن شُمَيْل .
{3} حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
أَيْ لَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي فَإِنِّي أَنَا الْقَادِر عَلَى نَصْركُمْ .
{3} حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين كَانَ بِمَكَّة لَمْ تَكُنْ إِلَّا فَرِيضَة الصَّلَاة وَحْدهَا , فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَة أَنْزَلَ اللَّه الْحَلَال وَالْحَرَام إِلَى أَنْ حَجَّ ; فَلَمَّا حَجَّ وَكَمُلَ الدِّين نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ " الْآيَة ; عَلَى مَا نُبَيِّنهُ . رَوَى الْأَئِمَّة عَنْ طَارِق بْن شِهَاب قَالَ : جَاءَ رَجُل مِنْ الْيَهُود إِلَى عُمَر فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ آيَة فِي كِتَابكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا أُنْزِلَتْ مَعْشَر الْيَهُود لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْم عِيدًا ; قَالَ : وَأَيّ آيَة ؟ قَالَ : " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا " فَقَالَ عُمَر : إِنِّي لَأَعْلَمُ الْيَوْم الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ وَالْمَكَان الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ ; نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَة فِي يَوْم جُمُعَة . لَفْظ مُسْلِم , وَعِنْد النَّسَائِيّ لَيْلَة جُمُعَة . وَرُوِيَ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ فِي يَوْم الْحَجّ الْأَكْبَر وَقَرَأَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكَى عُمَر ; فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا يُبْكِيك ) ؟ فَقَالَ : أَبْكَانِي أَنَّا كُنَّا فِي زِيَادَة مِنْ دِيننَا فَأَمَّا إِذْ كَمُلَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكْمُل شَيْء إِلَّا نَقَصَ . فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( صَدَقْت ) , وَرَوَى مُجَاهِد أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ يَوْم فَتْح مَكَّة . قُلْت : الْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ , أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَوْم جُمُعَة وَكَانَ يَوْم عَرَفَة بَعْد الْعَصْر فِي حَجَّة الْوَدَاع سَنَة عَشْر وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِف بِعَرَفَة عَلَى نَاقَته الْعَضْبَاء , فَكَادَ عَضُد النَّاقَة يَنْقَدّ مِنْ ثِقَلهَا فَبَرَكَتْ . و " الْيَوْم " قَدْ يُعَبَّر بِجُزْءٍ مِنْهُ عَنْ جَمِيعه , وَكَذَلِكَ عَنْ الشَّهْر بِبَعْضِهِ ; تَقُول : فَعَلْنَا فِي شَهْر كَذَا وَكَذَا وَفِي سَنَة كَذَا كَذَا , وَمَعْلُوم أَنَّك لَمْ تَسْتَوْعِب الشَّهْر وَلَا السَّنَة ; وَذَلِكَ مُسْتَعْمَل فِي لِسَان الْعَرَب وَالْعَجَم , وَالدِّين عِبَارَة عَنْ الشَّرَائِع الَّتِي شَرَعَ وَفَتَحَ لَنَا ; فَإِنَّهَا نَزَلَتْ نُجُومًا وَآخِر مَا نَزَلَ مِنْهَا هَذِهِ الْآيَة , وَلَمْ يَنْزِل بَعْدهَا حُكْم , قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ , وَقَالَ الْجُمْهُور : الْمُرَاد مُعْظَم الْفَرَائِض وَالتَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم , قَالُوا : وَقَدْ نَزَلَ بَعْد ذَلِكَ قُرْآن كَثِير , وَنَزَلَتْ آيَة الرِّبَا , وَنَزَلَتْ آيَة الْكَلَالَة إِلَى غَيْر ذَلِكَ , وَإِنَّمَا كَمُلَ مُعْظَم الدِّين وَأَمْر الْحَجّ , إِذْ لَمْ يَطُفْ مَعَهُمْ فِي هَذِهِ السَّنَة مُشْرِك , وَلَا طَافَ بِالْبَيْتِ عُرْيَان , وَوَقَفَ النَّاس كُلّهمْ بِعَرَفَة , وَقِيلَ : " أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ " بِأَنْ أَهْلَكْت لَكُمْ عَدُوّكُمْ وَأَظْهَرْت دِينكُمْ عَلَى الدِّين كُلّه كَمَا تَقُول : قَدْ تَمَّ لَنَا مَا نُرِيد إِذَا كُفِيت عَدُوّك . " وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي " أَيْ بِإِكْمَالِ الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام وَإِظْهَار دِين الْإِسْلَام كَمَا وَعَدْتُكُمْ , إِذْ قُلْت : " وَلِأُتِمّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ " [الْبَقَرَة : 150] وَهِيَ دُخُول مَكَّة . آمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا اِنْتَظَمَتْهُ هَذِهِ الْمِلَّة الْحَنِيفِيَّة إِلَى دُخُول الْجَنَّة فِي رَحْمَة اللَّه تَعَالَى . لَعَلَّ قَائِلًا يَقُول : قَوْله تَعَالَى : " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ " يَدُلّ عَلَى أَنَّ الدِّين كَانَ غَيْر كَامِل فِي وَقْت مِنْ الْأَوْقَات , وَذَلِكَ يُوجِب أَنْ يَكُون جَمِيع مَنْ مَاتَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار وَاَلَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَة وَبَايَعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْعَتَيْنِ جَمِيعًا , وَبَذَلُوا أَنْفُسهمْ لِلَّهِ مَعَ عَظِيم مَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ أَنْوَاع الْمِحَن مَاتُوا عَلَى دِين نَاقِص , وَأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ كَانَ يَدْعُو النَّاس إِلَى دِين نَاقِص , وَمَعْلُوم أَنَّ النَّقْص عَيْب , وَدِين اللَّه تَعَالَى قِيَم , كَمَا قَالَ تَعَالَى : " دِينًا قِيَمًا " [الْأَنْعَام : 161] فَالْجَوَاب أَنْ يُقَال لَهُ : لِمَ قُلْت إِنَّ كُلّ نَقْص فَهُوَ عَيْب وَمَا دَلِيلك عَلَيْهِ ؟ ثُمَّ يُقَال لَهُ : أَرَأَيْت نُقْصَان الشَّهْر هَلْ يَكُون عَيْبًا , وَنُقْصَان صَلَاة الْمُسَافِر أَهُوَ عَيْب لَهَا , وَنُقْصَان الْعُمْر الَّذِي أَرَادَهُ اللَّه بِقَوْلِهِ : " وَمَا يُعَمَّر مِنْ مُعَمَّر وَلَا يُنْقَص مِنْ عُمُره " [فَاطِر : 11] أَهُوَ عَيْب لَهُ , وَنُقْصَان أَيَّام الْحَيْض عَنْ الْمَعْهُود , وَنُقْصَان أَيَّام الْحَمْل , وَنُقْصَان الْمَال بِسَرِقَةٍ أَوْ حَرِيق أَوْ غَرَق إِذَا لَمْ يَفْتَقِر صَاحِبه , فَمَا أَنْكَرْت أَنَّ نُقْصَان أَجْزَاء الدِّين فِي الشَّرْع قَبْل أَنْ تَلْحَق بِهِ الْأَجْزَاء الْبَاقِيَة فِي عِلْم اللَّه تَعَالَى هَذِهِ لَيْسَتْ بِشَيْنٍ وَلَا عَيْب , وَمَا أَنْكَرْت أَنَّ مَعْنَى قَوْل اللَّه تَعَالَى : " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ " يُخَرَّج عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنْ يَكُون الْمُرَاد بَلَّغْته أَقْصَى الْحَدّ الَّذِي كَانَ لَهُ عِنْدِي فِيمَا قَضَيْته وَقَدَّرْته , وَذَلِكَ لَا يُوجِب أَنْ يَكُون مَا قَبْل ذَلِكَ نَاقِصًا نُقْصَان عَيْب , لَكِنَّهُ يُوصَف بِنُقْصَانٍ مُقَيَّد فَيُقَال لَهُ : إِنَّهُ كَانَ نَاقِصًا عَمَّا كَانَ عِنْد اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ مُلْحِقه بِهِ وَضَامّه إِلَيْهِ ; كَالرَّجُلِ يُبَلِّغهُ اللَّه مِائَة سَنَة فَيُقَال : أَكْمَلَ اللَّه عُمُره ; وَلَا يَجِب عَنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُون عُمُره حِين كَانَ اِبْن سِتِّينَ كَانَ نَاقِصًا نَقْص قُصُور وَخَلَل ; فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : ( مَنْ عَمَّرَهُ اللَّه سِتِّينَ سَنَة فَقَدْ أَعْذَرَ إِلَيْهِ فِي الْعُمُر ) . وَلَكِنَّهُ يَجُوز أَنْ يُوصَف بِنُقْصَانٍ مُقَيَّد فَيُقَال : كَانَ نَاقِصًا عَمَّا كَانَ عِنْد اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ مُبَلِّغه إِيَّاهُ وَمُعَمِّره إِلَيْهِ . وَقَدْ بَلَغَ اللَّه بِالظُّهْرِ وَالْعَصْر وَالْعِشَاء أَرْبَع رَكَعَات ; فَلَوْ قِيلَ عِنْد ذَلِكَ أَكْمَلَهَا لَكَانَ الْكَلَام صَحِيحًا , وَلَا يَجِب عَنْ ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ حِين كَانَتْ رَكْعَتَيْنِ نَاقِصَة نَقْص قُصُور وَخَلَل ; وَلَوْ قِيلَ : كَانَتْ نَاقِصَة عَمَّا عِنْد اللَّه أَنَّهُ ضَامّه إِلَيْهَا وَزَائِده عَلَيْهَا لَكَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا فَهَكَذَا , هَذَا فِي شَرَائِع الْإِسْلَام وَمَا كَانَ شُرِعَ مِنْهَا شَيْئًا فَشَيْئًا إِلَى أَنْ أَنْهَى اللَّه الدِّين مُنْتَهَاهُ الَّذِي كَانَ لَهُ عِنْده , وَاللَّه أَعْلَمُ , وَالْوَجْه الْآخَر : أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ " أَنَّهُ وَفَّقَهُمْ لِلْحَجِّ الَّذِي لَمْ يَكُنْ بَقِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَرْكَان الدِّين غَيْره , فَحَجُّوا ; فَاسْتَجْمَعَ لَهُمْ الدِّين أَدَاء لِأَرْكَانِهِ وَقِيَامًا بِفَرَائِضِهِ ; فَإِنَّهُ يَقُول عَلَيْهِ السَّلَام : ( بُنِيَ الْإِسْلَام عَلَى خَمْس ) الْحَدِيث , وَقَدْ كَانُوا تَشَهَّدُوا وَصَلَّوْا وَزَكَّوْا وَصَامُوا وَجَاهَدُوا وَاعْتَمَرُوا وَلَمْ يَكُونُوا حَجُّوا ; فَلَمَّا حَجُّوا ذَلِكَ الْيَوْم مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى وَهُمْ بِالْمَوْقِفِ عَشِيَّة عَرَفَة " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي " فَإِنَّمَا أَرَادَ أَكْمَلَ وَضْعه لَهُمْ ; وَفِي ذَلِكَ دَلَالَة عَلَى أَنَّ الطَّاعَات كُلّهَا دِين وَإِيمَان وَإِسْلَام . قَوْله تَعَالَى : " وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا " أَيْ أَعْلَمْتُكُمْ بِرِضَايَ بِهِ لَكُمْ دِينًا ; فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ رَاضِيًا بِالْإِسْلَامِ لَنَا دِينًا ; فَلَا يَكُون لِاخْتِصَاصِ الرِّضَا بِذَلِكَ الْيَوْم فَائِدَةٌ إِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى ظَاهِره . و " دِينًا " نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيز , وَإِنْ شِئْت عَلَى مَفْعُول ثَانٍ , وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَرَضِيت عَنْكُمْ إِذَا اِنْقَدْتُمْ لِي بِالدِّينِ الَّذِي شَرَعْته لَكُمْ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد " رَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا " أَيْ وَرَضِيت إِسْلَامكُمْ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ الْيَوْم دِينًا بَاقِيًا بِكَمَالِهِ إِلَى آخِر الْآيَة لَا أَنْسَخ مِنْهُ شَيْئًا , وَاللَّه أَعْلَمُ . و " الْإِسْلَام " فِي هَذِهِ الْآيَة هُوَ الَّذِي فِي قَوْله تَعَالَى : " إِنَّ الدِّين عِنْد اللَّه الْإِسْلَام " [آل عِمْرَان : 19] وَهُوَ الَّذِي يُفَسَّر فِي سُؤَال جِبْرِيل لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام , وَهُوَ الْإِيمَان وَالْأَعْمَال وَالشُّعَب .
{3} حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
يَعْنِي مَنْ دَعَتْهُ ضَرُورَة إِلَى أَكْل الْمَيْتَة وَسَائِر الْمُحَرَّمَات فِي هَذِهِ الْآيَة . وَالْمَخْمَصَة الْجُوع وَخَلَاء الْبَطْن مِنْ الطَّعَام . وَالْخَمَص ضُمُور الْبَطْن , وَرَجُل خَمِيص وَخُمْصَان وَامْرَأَة خَمِيصَة وَخُمْصَانَة ; وَمِنْهُ أَخْمَص الْقَدَم , وَيُسْتَعْمَل كَثِيرًا فِي الْجُوع وَالْغَرَث ; قَالَ الْأَعْشَى : تَبِيتُونَ فِي الْمَشْتَى مِلَاءً بُطُونكُمْ وَجَارَاتكُمْ غَرْثَى يَبِتْنَ خَمَائِصَا أَيْ مُنْطَوِيَات عَلَى الْجُوع قَدْ أَضْمَرَ بُطُونهنَّ . وَقَالَ النَّابِغَة فِي خَمَص الْبَطْن مِنْ جِهَة ضُمْره : وَالْبَطْن ذُو عُكَن خَمِيص لَيِّن وَالنَّحْر تَنْفُجُهُ بِثَدْيٍ مُقْعَد وَفِي الْحَدِيث : ( خِمَاص الْبُطُون خِفَاف الظُّهُور ) . الْخِمَاص جَمْع الْخَمِيص الْبَطْن , وَهُوَ الضَّامِر . أَخْبَرَ أَنَّهُمْ أَعِفَّاء عَنْ أَمْوَال النَّاس ; وَمِنْهُ الْحَدِيث : ( إِنَّ الطَّيْر تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوح بِطَانًا ) , وَالْخَمِيصَة أَيْضًا ثَوْب ; قَالَ الْأَصْمَعِيّ : الْخَمَائِص ثِيَاب خَزّ أَوْ صُوف مُعْلَمَة , وَهِيَ سَوْدَاء , كَانَتْ مِنْ لِبَاس النَّاس , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الِاضْطِرَار وَحُكْمه فِي الْبَقَرَة .
{3} حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
أَيْ غَيْر مَائِل لِحَرَامٍ , وَهُوَ بِمَعْنَى " غَيْر بَاغٍ وَلَا عَاد " [الْبَقَرَة : 173] وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَالْجَنَف الْمَيْل , وَالْإِثْم الْحَرَام ; وَمِنْهُ قَوْل عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : مَا تَجَانَفْنَا فِيهِ لِإِثْمٍ ; أَيْ مَا مِلْنَا وَلَا تَعَمَّدْنَا وَنَحْنُ نَعْلَمهُ : وَكُلّ مَائِل فَهُوَ مُتَجَانِف وَجَنِف . وَقَرَأَ النَّخَعِيّ وَيَحْيَى بْن وَثَّاب وَالسُّلَمِيّ " مُتَجَنِّف " دُون أَلِف , وَهُوَ أَبْلَغُ فِي الْمَعْنَى , لِأَنَّ شَدَّ الْعَيْن يَقْتَضِي مُبَالَغَة وَتَوَغُّلًا فِي الْمَعْنَى وَثُبُوتًا لِحُكْمِهِ ; وَتَفَاعُل إِنَّمَا هُوَ مُحَاكَاة الشَّيْء وَالتَّقَرُّب مِنْهُ ; أَلَا تُرَاك أَنَّك إِذَا قُلْت : تَمَايَلَ الْغُصْن فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَأَوُّدًا وَمُقَارَبَة مَيْل , وَإِذَا قُلْت : تَمَيَّلَ فَقَدْ ثَبَتَ حُكْم الْمَيْل , وَكَذَلِكَ تَصَاوَنَ الرَّجُل وَتَصَوَّنَ , وَتَعَاقَلَ وَتَعَقَّلَ ; فَالْمَعْنَى غَيْر مُتَعَمِّد لِمَعْصِيَةٍ فِي مَقْصِده ; قَالَهُ قَتَادَة وَالشَّافِعِيّ .
{3} حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
أَيْ فَإِنَّ اللَّه لَهُ غَفُور رَحِيم فَحَذَفَ , وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ : قَدْ أَصْبَحَتْ أُمّ الْخِيَار تَدَّعِي عَلَيَّ ذَنْبًا كُلّه لَمْ أَصْنَعِ أَرَادَ لَمْ أَصْنَعهُ فَحَذَفَ , وَاللَّه أَعْلَمُ .
{4} يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
الْآيَة نَزَلَتْ بِسَبَبِ عَدِيّ بْن حَاتِم وَزَيْد بْن مُهَلْهَل وَهُوَ زَيْد الْخَيْل الَّذِي سَمَّاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْد الْخَيْر ; قَالَا : يَا رَسُول اللَّه إِنَّا قَوْم نَصِيد بِالْكِلَابِ وَالْبُزَاة , وَإِنَّ الْكِلَاب تَأْخُذ الْبَقَر وَالْحُمُر وَالظِّبَاء فَمِنْهُ مَا نُدْرِك ذَكَاته , وَمِنْهُ مَا تَقْتُلهُ فَلَا نُدْرِك ذَكَاته , وَقَدْ حَرَّمَ اللَّه الْمَيْتَة فَمَاذَا يَحِلّ لَنَا ؟ فَنَزَلَتْ الْآيَة .
{4} يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
" مَا " فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ , وَالْخَبَر " أُحِلَّ لَهُمْ " و " ذَا " زَائِدَة , وَإِنْ شِئْت كَانَتْ بِمَعْنَى الَّذِي , وَيَكُون الْخَبَر " قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَات " وَهُوَ الْحَلَال , وَكُلّ حَرَام فَلَيْسَ بِطَيِّبٍ . وَقِيلَ : مَا الْتَذَّهُ آكِله وَشَارِبه وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ ضَرَر فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة . وَقِيلَ : الطَّيِّبَات الذَّبَائِح , لِأَنَّهَا طَابَتْ بِالتَّذْكِيَةِ .
{4} يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
أَيْ وَصَيْد مَا عَلَّمْتُمْ ; فَفِي الْكَلَام إِضْمَار لَا بُدّ مِنْهُ , وَلَوْلَاهُ لَكَانَ الْمَعْنَى يَقْتَضِي أَنْ يَكُون الْحِلّ الْمَسْئُول عَنْهُ مُتَنَاوِلًا لِلْمُعَلَّمِ مِنْ الْجَوَارِح الْمِكَلِّبِينَ , وَذَلِكَ لَيْسَ مَذْهَبًا لِأَحَدٍ ; فَإِنَّ الَّذِي يُبِيح لَحْم الْكَلْب فَلَا يُخَصِّص الْإِبَاحَة بِالْمُعَلَّمِ ; وَسَيَأْتِي مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي أَكْل الْكَلْب فِي " الْأَنْعَام " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَدْ ذَكَرَ بَعْض مَنْ صَنَّفَ فِي أَحْكَام الْقُرْآن أَنَّ الْآيَة تَدُلّ عَلَى أَنَّ الْإِبَاحَة تَتَنَاوَل مَا عَلَّمْنَاهُ مِنْ الْجَوَارِح , وَهُوَ يَنْتَظِم الْكَلْب وَسَائِر جَوَارِح الطَّيْر , وَذَلِكَ يُوجِب إِبَاحَة سَائِر وُجُوه الِانْتِفَاع , فَدَلَّ عَلَى جَوَاز بَيْع الْكَلْب وَالْجَوَارِح وَالِانْتِفَاع بِهَا بِسَائِرِ وُجُوه الْمَنَافِع إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيل , وَهُوَ الْأَكْل مِنْ الْجَوَارِح أَيْ الْكَوَاسِب مِنْ الْكِلَاب وَسِبَاع الطَّيْر ; وَكَانَ لِعَدِيٍّ كِلَاب خَمْسَة قَدْ سَمَّاهَا بِأَسْمَاءِ أَعْلَام , وَكَانَ أَسْمَاء أَكْلُبه سَلْهَب وَغَلَّاب وَالْمُخْتَلِس وَالْمُتَنَاعِس , قَالَ السُّهَيْلِيّ : وَخَامِس أَشُكّ , قَالَ فِيهِ أَخْطَب , أَوْ قَالَ فِيهِ وَثَّاب . الرَّابِعَة : أَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى أَنَّ الْكَلْب إِذَا لَمْ يَكُنْ أَسْوَد وَعَلَّمَهُ مُسْلِم فَيَنْشَلِي إِذَا أُشْلِيَ وَيُجِيب إِذَا دُعِيَ , وَيَنْزَجِر بَعْد ظَفَره بِالصَّيْدِ إِذَا زُجِرَ , وَأَنْ يَكُون لَا يَأْكُل مِنْ صَيْده الَّذِي صَادَهُ , وَأَثَّرَ فِيهِ بِجُرْحٍ أَوْ تَنْيِيب , وَصَادَ بِهِ مُسْلِم وَذَكَرَ اِسْم اللَّه عِنْد إِرْسَاله أَنَّ صَيْده صَحِيح يُؤْكَل بِلَا خِلَاف ; فَإِنْ اِنْخَرَمَ شَرْط مِنْ هَذِهِ الشُّرُوط دَخَلَ الْخِلَاف . فَإِنْ كَانَ الَّذِي يُصَاد بِهِ غَيْر كَلْب كَالْفَهْدِ وَمَا أَشْبَهَهُ وَكَالْبَازِي وَالصَّقْر وَنَحْوهمَا مِنْ الطَّيْر فَجُمْهُور الْأُمَّة عَلَى أَنَّ كُلّ مَا صَادَ بَعْد التَّعْلِيم فَهُوَ جَارِح كَاسِب . يُقَال : جَرَحَ فُلَان وَاجْتَرَحَ إِذَا اِكْتَسَبَ ; وَمِنْهُ الْجَارِحَة لِأَنَّهَا يُكْتَسَب بِهَا , وَمِنْهُ اِجْتِرَاح السَّيِّئَات , وَقَالَ الْأَعْشَى : ذَا جُبَار مُنْضِجًا مِيسَمُهْ يُذْكِر الْجَارِح مَا كَانَ اجْتَرَحْ وَفِي التَّنْزِيل " وَيَعْلَم مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ " [الْأَنْعَام : 60] وَقَالَ : " أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اِجْتَرَحُوا السَّيِّئَات " [الْجَاثِيَة : 21] .
{4} يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
مَعْنَى " مُكَلِّبِينَ " أَصْحَاب الْكِلَاب وَهُوَ كَالْمُؤَدِّبِ صَاحِب التَّأْدِيب , وَقِيلَ : مَعْنَاهُ مُضْرِينَ عَلَى الصَّيْد كَمَا تُضْرَى الْكِلَاب ; قَالَ الرُّمَّانِيّ : وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مُحْتَمَل . وَلَيْسَ فِي " مُكَلِّبِينَ " دَلِيل عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أُبِيحَ صَيْد الْكِلَاب خَاصَّة ; لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْله : " مُؤْمِنِينَ " وَإِنْ كَانَ قَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَصَرَ الْإِبَاحَة عَلَى الْكِلَاب خَاصَّة . رُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر فِيمَا حَكَى اِبْن الْمُنْذِر عَنْهُ قَالَ : وَأَمَّا مَا يُصَاد بِهِ مِنْ الْبُزَاة وَغَيْرهَا مِنْ الطَّيْر فَمَا أَدْرَكْت ذَكَاته فَذَكِّهِ فَهُوَ لَك حَلَال , وَإِلَّا فَلَا تَطْعَمْهُ . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَسُئِلَ أَبُو جَعْفَر عَنْ الْبَازِي يَحِلّ صَيْده قَالَ : لَا ; إِلَّا أَنْ تُدْرِك ذَكَاته , وَقَالَ الضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ : " وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِح مُكَلِّبِينَ " هِيَ الْكِلَاب خَاصَّة ; فَإِنْ كَانَ الْكَلْب أَسْوَد بَهِيمًا فَكَرِهَ صَيْده الْحَسَن وَقَتَادَة وَالنَّخَعِيّ , وَقَالَ أَحْمَد : مَا أَعْرِف أَحَدًا يُرَخِّص فِيهِ إِذَا كَانَ بَهِيمًا ; وَبِهِ قَالَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ ; فَأَمَّا عَوَامّ أَهْل الْعِلْم بِالْمَدِينَةِ وَالْكُوفَة فَيَرَوْنَ جَوَاز صَيْد كُلّ كَلْب مُعَلَّم , أَمَّا مَنْ مَنَعَ صَيْد الْكَلْب الْأَسْوَد فَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْكَلْب الْأَسْوَد شَيْطَان ) , أَخْرَجَهُ مُسْلِم . اِحْتَجَّ الْجُمْهُور بِعُمُومِ الْآيَة , وَاحْتَجُّوا أَيْضًا فِي جَوَاز صَيْد الْبَازِي بِمَا ذُكِرَ مِنْ سَبَب النُّزُول , وَبِمَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ عَدِيّ بْن حَاتِم قَالَ : سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَيْد الْبَازِي فَقَالَ : ( مَا أَمْسَكَ عَلَيْك فَكُلْ ) . فِي إِسْنَاده مُجَالِد وَلَا يُعْرَف إِلَّا مِنْ جِهَته وَهُوَ ضَعِيف , وَبِالْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ كُلّ مَا يَتَأَتَّى مِنْ الْكَلْب يَتَأَتَّى مِنْ الْفَهْد مَثَلًا فَلَا فَارِق إِلَّا فِيمَا لَا مَدْخَل لَهُ فِي التَّأْثِير ; وَهَذَا هُوَ الْقِيَاس فِي مَعْنَى الْأَصْل , كَقِيَاسِ السَّيْف عَلَى الْمُدْيَة وَالْأَمَة عَلَى الْعَبْد , وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاعْلَم أَنَّهُ لَا بُدّ لِلصَّائِدِ أَنْ يَقْصِد عِنْد الْإِرْسَال التَّذْكِيَة وَالْإِبَاحَة , وَهَذَا لَا يُخْتَلَف فِيهِ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِذَا أَرْسَلْت كَلْبك وَذَكَرْت اِسْم اللَّه عَلَيْهِ فَكُلْ ) وَهَذَا يَقْتَضِي النِّيَّة وَالتَّسْمِيَة ; فَلَوْ قَصَدَ مَعَ ذَلِكَ اللَّهْوَ فَكَرِهَهُ مَالِك وَأَجَازَهُ اِبْن عَبْد الْحَكَم , وَهُوَ ظَاهِر قَوْل اللَّيْث : مَا رَأَيْت حَقًّا أَشْبَه بِبَاطِلٍ مِنْهُ , يَعْنِي الصَّيْد ; فَأَمَّا لَوْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ نِيَّة التَّذْكِيَة فَهُوَ حَرَام ; لِأَنَّهُ مِنْ بَاب الْفَسَاد وَإِتْلَاف حَيَوَان لِغَيْرِ مَنْفَعَة , وَقَدْ نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْل الْحَيَوَان إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ , وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّ التَّسْمِيَة لَا بُدّ مِنْهَا بِالْقَوْلِ عِنْد الْإِرْسَال ; لِقَوْلِهِ : ( وَذَكَرْت اِسْم اللَّه ) فَلَوْ لَمْ تُوجَد عَلَى أَيّ وَجْه كَانَ لَمْ يُؤْكَل الصَّيْد ; وَهُوَ مَذْهَب أَهْل الظَّاهِر وَجَمَاعَة أَهْل الْحَدِيث , وَذَهَبَتْ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ إِلَى أَنَّهُ يَجُوز أَكْل مَا صَادَهُ الْمُسْلِم وَذَبَحَهُ وَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَة عَمْدًا ; وَحَمَلُوا الْأَمْر بِالتَّسْمِيَةِ عَلَى النَّدْب , وَذَهَبَ مَالِك فِي الْمَشْهُور إِلَى الْفَرْق بَيْن تَرْك التَّسْمِيَة عَمْدًا أَوْ سَهْوًا فَقَالَ : لَا تُؤْكَل مَعَ الْعَمْد وَتُؤْكَل مَعَ السَّهْو ; وَهُوَ قَوْل فُقَهَاء الْأَمْصَار , وَأَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ , وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي " الْأَنْعَام " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . ثُمَّ لَا بُدّ أَنْ يَكُون اِنْبِعَاث الْكَلْب بِإِرْسَالٍ مِنْ يَد الصَّائِد بِحَيْثُ يَكُون زِمَامه بِيَدِهِ . فَيُخَلِّي عَنْهُ وَيُغْرِيه عَلَيْهِ فَيَنْبَعِث , أَوْ يَكُون الْجَارِح سَاكِنًا مَعَ رُؤْيَته الصَّيْد فَلَا يَتَحَرَّك لَهُ إِلَّا بِالْإِغْرَاءِ مِنْ الصَّائِد , فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا زِمَامه بِيَدِهِ فَأَطْلَقَهُ مُغْرِيًا لَهُ عَلَى أَحَد الْقَوْلَيْنِ ; فَأَمَّا لَوْ اِنْبَعَثَ الْجَارِح مِنْ تِلْقَاء نَفْسه مِنْ غَيْر إِرْسَال وَلَا إِغْرَاء فَلَا يَجُوز صَيْده وَلَا يَحِلّ أَكْله عِنْد الْجُمْهُور وَمَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبِي ثَوْر وَأَصْحَاب الرَّأْي ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا صَادَ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْر إِرْسَال وَأَمْسَكَ عَلَيْهَا , وَلَا صُنْع لِلصَّائِدِ فِيهِ , فَلَا يُنْسَب إِرْسَالُهُ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَصْدُق عَلَيْهِ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِذَا أَرْسَلْت كَلْبك الْمُعَلَّم ) , وَقَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَالْأَوْزَاعِيّ : يُؤْكَل صَيْده إِذَا كَانَ أَخْرَجَهُ لِلصَّيْدِ . قَرَأَ الْجُمْهُور " عَلَّمْتُمْ " بِفَتْحِ الْعَيْن وَاللَّام , وَابْن عَبَّاس وَمُحَمَّد بْن الْحَنَفِيَّة بِضَمِّ الْعَيْن وَكَسْر اللَّام , أَيْ مِنْ أَمْر الْجَوَارِح وَالصَّيْد بِهَا . وَالْجَوَارِح الْكَوَاسِب , وَسُمِّيَتْ أَعْضَاء الْإِنْسَان جَوَارِح لِأَنَّهَا تَكْسِب وَتَتَصَرَّف . وَقِيلَ : سُمِّيَتْ جَوَارِح لِأَنَّهَا تَجْرَح وَتُسِيل الدَّم , فَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ الْجِرَاح , وَهَذَا ضَعِيف , وَأَهْل اللُّغَة عَلَى خِلَافه , وَحَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ قَوْم . و " مُكَلِّبِينَ " قِرَاءَة الْجُمْهُور بِفَتْحِ الْكَاف وَشَدّ اللَّام , وَالْمُكَلِّب مُعَلِّم الْكِلَاب وَمُضْرِيهَا , وَيُقَال لِمَنْ يُعَلِّم غَيْر الْكَلْب : مُكَلِّب ; لِأَنَّهُ يَرُدّ ذَلِكَ الْحَيَوَان كَالْكَلْبِ ; حَكَاهُ بَعْضهمْ , وَيُقَال لِلصَّائِدِ : مُكَلِّب فَعَلَى هَذَا مَعْنَاهُ صَائِدِينَ , وَقِيلَ : الْمُكَلِّب صَاحِب الْكِلَاب , يُقَال : كَلَّبَ فَهُوَ مُكَلِّب وَكَلَّاب , وَقَرَأَ الْحَسَن " مُكْلِبِينَ " بِسُكُونِ الْكَاف وَتَخْفِيف اللَّام , وَمَعْنَاهُ أَصْحَاب كِلَاب , يُقَال : أَمْشَى الرَّجُل كَثُرَتْ مَاشِيَته , وَأَكْلَبَ كَثُرَتْ كِلَابه , وَأَنْشَدَ الْأَصْمَعِيّ : وَكُلّ فَتًى وَإِنْ أَمْشَى فَأَثْرَى سَتَخْلِجُهُ عَنْ الدُّنْيَا مَنُونَ
{4} يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
أَنَّثَ الضَّمِير مُرَاعَاة لِلَفْظِ الْجَوَارِح ; إِذْ هُوَ جَمْع جَارِحَة , وَلَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء فِي شَرْطَيْنِ فِي التَّعْلِيم وَهُمَا : أَنْ يَأْتَمِر إِذَا أُمِرَ وَيَنْزَجِر إِذَا زُجِرَ ; لَا خِلَاف فِي هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ فِي الْكِلَاب وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ سِبَاع الْوُحُوش , وَاخْتُلِفَ فِيمَا يُصَاد بِهِ مِنْ الطَّيْر ; فَالْمَشْهُور أَنَّ ذَلِكَ مُشْتَرَط فِيهَا عِنْد الْجُمْهُور , وَذَكَرَ اِبْن حَبِيب أَنَّهُ لَا يُشْتَرَط فِيهَا أَنْ تَنْزَجِر إِذَا زُجِرَتْ ; فَإِنَّهُ لَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِيهَا غَالِبًا , فَيَكْفِي أَنَّهَا إِذَا أُمِرَتْ أَطَاعَتْ . وَقَالَ رَبِيعَة : مَا أَجَابَ مِنْهَا إِذَا دُعِيَ فَهُوَ الْمُعَلَّم الضَّارِي ; لِأَنَّ أَكْثَرَ الْحَيَوَان بِطَبْعِهِ يَنْشَلِي , وَقَدْ شَرَطَ الشَّافِعِيّ وَجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء فِي التَّعْلِيم أَنْ يُمْسِك عَلَى صَاحِبه , وَلَمْ يَشْتَرِطهُ مَالِك فِي الْمَشْهُور عَنْهُ , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : الْمُعَلَّم هُوَ الَّذِي إِذَا أَشْلَاهُ صَاحِبه انْشَلَى ; وَإِذَا دَعَاهُ إِلَى الرُّجُوع رَجَعَ إِلَيْهِ , وَيُمْسِك الصَّيْد عَلَى صَاحِبه وَلَا يَأْكُل مِنْهُ ; فَإِذَا فَعَلَ هَذَا مِرَارًا وَقَالَ أَهْل الْعُرْف : صَارَ مُعَلَّمًا فَهُوَ الْمُعَلَّم , وَعَنْ الشَّافِعِيّ أَيْضًا وَالْكُوفِيِّينَ : إِذَا أُشْلِيَ فَانْشَلَى وَإِذَا أَخَذَ حَبَسَ وَفَعَلَ ذَلِكَ مَرَّة بَعْد مَرَّة أُكِلَ صَيْده فِي الثَّالِثَة . وَمِنْ الْعُلَمَاء مَنْ قَالَ : يَفْعَل ذَلِكَ ثَلَاث مَرَّات وَيُؤْكَل صَيْده فِي الرَّابِعَة , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّة فَهُوَ مُعَلَّم وَيُؤْكَل صَيْده فِي الثَّانِيَة .
{4} يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
أَيْ حَبَسْنَ لَكُمْ , وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَأْوِيله ; فَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة وَالنَّخَعِيّ وَقَتَادَة وَابْن جُبَيْر وَعَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَعِكْرِمَة وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَالنُّعْمَان وَأَصْحَابه : الْمَعْنَى وَلَمْ يَأْكُل ; فَإِنْ أَكَلَ لَمْ يُؤْكَل مَا بَقِيَ , لِأَنَّهُ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسه وَلَمْ يُمْسِك عَلَى رَبّه , وَالْفَهْد عِنْد أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه كَالْكَلْبِ وَلَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ فِي الطُّيُور بَلْ يُؤْكَل مَا أَكَلَتْ مِنْهُ , وَقَالَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر وَسَلْمَان الْفَارِسِيّ وَأَبُو هُرَيْرَة أَيْضًا : الْمَعْنَى وَإِنْ أَكَلَ ; فَإِذَا أَكَلَ الْجَارِح كَلْبًا كَانَ أَوْ فَهْدًا أَوْ طَيْرًا أُكِلَ مَا بَقِيَ مِنْ الصَّيْد وَإِنْ لَمْ يَبْقَ إِلَّا بَضْعَة ; وَهَذَا قَوْل مَالِك وَجَمِيع أَصْحَابه , وَهُوَ الْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ , وَهُوَ الْقِيَاس , وَفِي الْبَاب حَدِيثَانِ بِمَعْنَى مَا ذَكَرْنَا أَحَدهمَا : حَدِيث عَدِيّ فِي الْكَلْب الْمُعَلَّم ( وَإِذَا أَكَلَ فَلَا تَأْكُل فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسه ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم . الثَّانِي : حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة الْخُشَنِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَيْد الْكَلْب : ( إِذَا أَرْسَلْت كَلْبك وَذَكَرْت اِسْم اللَّه عَلَيْهِ فَكُلْ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ وَكُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْك يَدَاك ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد , وَرُوِيَ عَنْ عَدِيّ وَلَا يَصِحّ ; وَالصَّحِيح عَنْهُ حَدِيث مُسْلِم ; وَلَمَّا تَعَارَضَتْ الرِّوَايَتَانِ رَامَ بَعْض أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ الْجَمْع بَيْنهمَا فَحَمَلُوا حَدِيث النَّهْي عَلَى التَّنْزِيه وَالْوَرَع , وَحَدِيث الْإِبَاحَة عَلَى الْجَوَاز , وَقَالُوا : إِنَّ عَدِيًّا كَانَ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ فَأَفْتَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكَفِّ وَرَعًا , وَأَبَا ثَعْلَبَة كَانَ مُحْتَاجًا فَأَفْتَاهُ بِالْجَوَازِ ; وَاللَّه أَعْلَمُ , وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّة هَذَا التَّأْوِيل قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي حَدِيث عَدِيّ : ( فَإِنِّي أَخَاف أَنْ يَكُون إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسه ) هَذَا تَأْوِيل عُلَمَائِنَا . وَقَالَ أَبُو عُمَر فِي كِتَاب " الِاسْتِذْكَار " : وَقَدْ عَارَضَ حَدِيث عَدِيّ هَذَا حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة , وَالظَّاهِر أَنَّ حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة نَاسِخ لَهُ ; فَقَوْله : وَإِنْ أَكَلَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : ( وَإِنْ أَكَلَ ) . قُلْت : هَذَا فِيهِ نَظَر ; لِأَنَّ التَّارِيخ مَجْهُول ; وَالْجَمْع بَيْن الْحَدِيثَيْنِ أَوْلَى مَا لَمْ يُعْلَم التَّارِيخ ; وَاللَّه أَعْلَمُ . وَأَمَّا أَصْحَاب الشَّافِعِيّ فَقَالُوا : إِنْ كَانَ الْأَكْل عَنْ فَرْط جُوع مِنْ الْكَلْب أُكِلَ وَإِلَّا لَمْ يُؤْكَل ; فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ سُوء تَعْلِيمه , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَوْم مِنْ السَّلَف التَّفْرِقَة بَيْن مَا أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْب وَالْفَهْد فَمَنَعُوهُ , وَبَيْن مَا أَكَلَ مِنْهُ الْبَازِي فَأَجَازُوهُ , قَالَهُ النَّخَعِيّ وَالثَّوْرِيّ وَأَصْحَاب الرَّأْي وَحَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَان , وَحُكِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَالُوا : الْكَلْب وَالْفَهْد يُمْكِن ضَرْبه وَزَجْره , وَالطَّيْر لَا يُمْكِن ذَلِكَ فِيهِ , وَحَدّ تَعْلِيمه أَنْ يُدْعَى فَيُجِيب , وَأَنْ يُشْلَى فَيَنْشَلِي ; لَا يُمْكِن فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ , وَالضَّرْب يُؤْذِيه . وَالْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْجَارِح إِذَا شَرِبَ مِنْ دَم الصَّيْد أَنَّ الصَّيْد يُؤْكَل ; قَالَ عَطَاء : لَيْسَ شُرْب الدَّم بِأَكْلٍ ; وَكَرِهَ أَكْل ذَلِكَ الصَّيْد الشَّعْبِيُّ وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ , وَلَا خِلَاف بَيْنهمْ أَنَّ سَبَب إِبَاحَة الصَّيْد الَّذِي هُوَ عَقْر الْجَارِح لَهُ لَا بُدّ أَنْ يَكُون مُتَحَقِّقًا غَيْر مَشْكُوك فِيهِ , وَمَعَ الشَّكّ لَا يَجُوز الْأَكْل , وَهِيَ : فَإِنْ وَجَدَ الصَّائِد مَعَ كَلْبه كَلْبًا آخَر فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ غَيْر مُرْسَل مِنْ صَائِد آخَر , وَأَنَّهُ إِنَّمَا اِنْبَعَثَ فِي طَلَب الصَّيْد بِطَبْعِهِ وَنَفْسه , وَلَا يُخْتَلَف فِي هَذَا ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( وَإِنْ خَالَطَهَا كِلَاب مِنْ غَيْرهَا فَلَا تَأْكُل - فِي رِوَايَة - فَإِنَّمَا سَمَّيْت عَلَى كَلْبك وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْره ) . فَأَمَّا لَوْ أَرْسَلَهُ صَائِد آخَر فَاشْتَرَكَ الْكَلْبَانِ فِيهِ فَإِنَّهُ لِلصَّائِدَيْنِ يَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِيهِ . فَلَوْ أَنْفَذَ أَحَد الْكَلْبَيْنِ مَقَاتِله ثُمَّ جَاءَ الْآخَر فَهُوَ لِلَّذِي أَنْفَذَ مَقَاتِله , وَكَذَلِكَ لَا يُؤْكَل مَا رُمِيَ بِسَهْمٍ فَتَرَدَّى مِنْ جَبَل أَوْ غَرِقَ فِي مَاء ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لِعَدِيٍّ : ( وَإِنْ رَمَيْت بِسَهْمِك فَاذْكُرْ اِسْم اللَّه فَإِنْ غَابَ عَنْك يَوْمًا فَلَمْ تَجِد فِيهِ إِلَّا أَثَر سَهْمك فَكُلْ وَإِنْ وَجَدْته غَرِيقًا فِي الْمَاء فَلَا تَأْكُل فَإِنَّك لَا تَدْرِي الْمَاء قَتَلَهُ أَوْ سَهْمك ) , وَهَذَا نَصّ . لَوْ مَاتَ الصَّيْد فِي أَفْوَاه الْكِلَاب مِنْ غَيْر بَضْع لَمْ يُؤْكَل ; لِأَنَّهُ مَاتَ خَنْقًا فَأَشْبَهَ أَنْ يُذْبَح بِسِكِّينٍ كَالَّة فَيَمُوت فِي الذَّبْح قَبْل أَنْ يُفْرَى حَلْقه . وَلَوْ أَمْكَنَهُ أَخْذه مِنْ الْجَوَارِح وَذَبْحه فَلَمْ يَفْعَل حَتَّى مَاتَ لَمْ يُؤْكَل , وَكَانَ مُقَصِّرًا فِي الذَّكَاة ; لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مَقْدُورًا عَلَى ذَبْحه , وَذَكَاة الْمَقْدُور عَلَيْهِ تُخَالِف ذَكَاة غَيْر الْمَقْدُور عَلَيْهِ , وَلَوْ أَخَذَهُ ثُمَّ مَاتَ قَبْل أَنْ يُخْرِج السِّكِّين , أَوْ تَنَاوَلَهَا وَهِيَ مَعَهُ جَازَ أَكْله ; وَلَوْ لَمْ تَكُنْ السِّكِّين مَعَهُ فَتَشَاغَلَ بِطَلَبِهَا لَمْ تُؤْكَل , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : فِيمَا نَالَتْهُ الْجَوَارِح وَلَمْ تُدْمِهِ قَوْلَانِ أَحَدهمَا : أَلَّا يُؤْكَل حَتَّى يُجْرَح ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " مِنْ الْجَوَارِح " وَهُوَ قَوْل اِبْن الْقَاسِم ; وَالْآخَر : أَنَّهُ حِلٌّ وَهُوَ قَوْل أَشْهَبَ , قَالَ أَشْهَبُ : إِنْ مَاتَ مِنْ صَدْمَة الْكَلْب أُكِلَ .
قَوْله : ( فَإِنْ غَابَ عَنْك يَوْمًا فَلَمْ تَجِد فِيهِ إِلَّا أَثَر سَهْمك فَكُلْ ) وَنَحْوه فِي حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة الَّذِي خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد , غَيْر أَنَّهُ زَادَ ( فَكُلْهُ بَعْد ثَلَاث مَا لَمْ يُنْتِن ) يُعَارِضهُ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( كُلْ مَا أَصْمَيْت وَدَعْ مَا أَنْمَيْت ) . فَالْإِصْمَاء مَا قُتِلَ مُسْرِعًا وَأَنْتَ تَرَاهُ , وَالْإِنْمَاء أَنْ تَرْمِيَ الصَّيْد فَيَغِيب عَنْك فَيَمُوت وَأَنْتَ لَا تَرَاهُ ; يُقَال : قَدْ أَنْمَيْت الرَّمِيَّة فَنَمَتْ تَنْمِي إِذَا غَابَتْ ثُمَّ مَاتَتْ قَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : فَهْوَ لَا تَنْمِي رَمِيَّتُهُ مَالَهُ لَا عُدَّ مِنْ نَفَرِهْ وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي أَكْل الصَّيْد الْغَائِب عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال : يُؤْكَل , وَسَوَاء قَتَلَهُ السَّهْم أَوْ الْكَلْب . الثَّانِي : لَا يُؤْكَل شَيْء مِنْ ذَلِكَ إِذَا غَابَ ; لِقَوْلِهِ : ( كُلْ مَا أَصْمَيْت وَدَعْ مَا أَنْمَيْت ) , وَإِنَّمَا لَمْ يُؤْكَل مَخَافَة أَنْ يَكُون قَدْ أَعَانَ عَلَى قَتْله غَيْر السَّهْم مِنْ الْهَوَامّ . الثَّالِث : الْفَرْق بَيْن السَّهْم فَيُؤْكَل وَبَيْن الْكَلْب فَلَا يُؤْكَل , وَوَجْهه أَنَّ السَّهْم يَقْتُل عَلَى جِهَة وَاحِدَة فَلَا يُشْكِل ; وَالْجَارِح عَلَى جِهَات مُتَعَدِّدَة فَيُشْكِل , وَالثَّلَاثَة الْأَقْوَال لِعُلَمَائِنَا , وَقَالَ مَالِك فِي غَيْر الْمُوَطَّأ : إِذَا بَاتَ الصَّيْد ثُمَّ أَصَابَهُ مَيِّتًا لَمْ يُنْفِذ الْبَازِي أَوْ الْكَلْب أَوْ السَّهْم مَقَاتِله لَمْ يَأْكُلهُ ; قَالَ أَبُو عُمَر : فَهَذَا يَدُلّك عَلَى أَنَّهُ إِذَا بَلَغَ مَقَاتِله كَانَ حَلَالًا عِنْده أَكْله وَإِنْ بَاتَ , إِلَّا أَنَّهُ يَكْرَههُ إِذَا بَاتَ ; لَمَّا جَاءَ عَنْ اِبْن عَبَّاس : " وَإِنْ غَابَ عَنْك لَيْلَة فَلَا تَأْكُل " وَنَحْوه عَنْ الثَّوْرِيّ قَالَ : إِذَا غَابَ عَنْك يَوْمًا كَرِهْت أَكْله , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : الْقِيَاس أَلَّا يَأْكُلهُ إِذَا غَابَ عَنْهُ مَصْرَعه , وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ : إِنْ وَجَدَهُ مِنْ الْغَد مَيِّتًا وَوَجَدَ فِيهِ سَهْمه أَوْ أَثَرًا مِنْ كَلْبه فَلْيَأْكُلْهُ ; وَنَحْوه قَالَ أَشْهَب وَعَبْد الْمَلِك وَأَصْبَغ ; قَالُوا : جَائِز أَكْل الصَّيْد وَإِنْ بَاتَ إِذَا نَفَذَتْ مَقَاتِله , وَقَوْله فِي الْحَدِيث : ( مَا لَمْ يُنْتِن ) تَعْلِيل ; لِأَنَّهُ إِذَا أَنْتَنَ لَحِقَ بِالْمُسْتَقْذَرَاتِ الَّتِي تَمُجّهَا الطِّبَاع فَيُكْرَه أَكْلهَا ; فَلَوْ أَكَلَهَا لَجَازَ , كَمَا أَكَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِهَالَة السَّنِخَة وَهِيَ الْمُنْتِنَة , وَقِيلَ : هُوَ مُعَلَّل بِمَا يُخَاف مِنْهُ الضَّرَر عَلَى آكِله , وَعَلَى هَذَا التَّعْلِيل يَكُون أَكْله مُحَرَّمًا إِنْ كَانَ الْخَوْف مُحَقَّقًا , وَاللَّه أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء مِنْ هَذَا الْبَاب فِي الصَّيْد بِكَلْبِ الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ إِذَا كَانَ مُعَلَّمًا , فَكَرِهَهُ الْحَسَن الْبَصْرِيّ ; وَأَمَّا كَلْب الْمَجُوسِيّ وَبَازه وَصَقْره فَكَرِهَ الصَّيْدَ بِهَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَن وَعَطَاء وَمُجَاهِد وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْرِيّ وَإِسْحَاق , وَأَجَازَ الصَّيْد بِكِلَابِهِمْ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة إِذَا كَانَ الصَّائِد مُسْلِمًا ; قَالُوا : وَذَلِكَ مِثْل شَفْرَته , وَأَمَّا إِنْ كَانَ الصَّائِد مِنْ أَهْل الْكِتَاب فَجُمْهُور الْأُمَّة عَلَى جَوَاز صَيْده غَيْر مَالِك , وَفَرَّقَ بَيْن ذَلِكَ وَبَيْن ذَبِيحَته ; وَتَلَا : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّه بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْد تَنَالهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحكُمْ " [الْمَائِدَة : 94] , قَالَ : فَلَمْ يَذْكُر اللَّه فِي هَذَا الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى , وَقَالَ اِبْن وَهْب وَأَشْهَبُ : صَيْد الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ حَلَال كَذَبِيحَتِهِ ; وَفِي كِتَاب مُحَمَّد لَا يَجُوز صَيْد الصَّابِئ وَلَا ذَبْحه , وَهُمْ قَوْم بَيْن الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَلَا دِين لَهُمْ , وَأَمَّا إِنْ كَانَ الصَّائِد مَجُوسِيًّا فَمَنَعَ مِنْ أَكْله مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابهمْ وَجُمْهُور النَّاس , وَقَالَ أَبُو ثَوْر فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : كَقَوْلِ هَؤُلَاءِ , وَالْآخَر : أَنَّ الْمَجُوس مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَأَنَّ صَيْدهمْ جَائِز , وَلَوْ اصْطَادَ السَّكْرَان أَوْ ذَبَحَ لَمْ يُؤْكَل صَيْده وَلَا ذَبِيحَته ; لِأَنَّ الذَّكَاة تَحْتَاج إِلَى قَصْد , وَالسَّكْرَان لَا قَصْد لَهُ . الْخَامِسَة عَشْرَة : وَاخْتَلَفَ النُّحَاة فِي " مِنْ " فِي قَوْله تَعَالَى : " مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ " فَقَالَ الْأَخْفَش : هِيَ زَائِدَة كَقَوْلِهِ : " كُلُوا مِنْ ثَمَره " [الْأَنْعَام : 141] , وَخَطَّأَهُ الْبَصْرِيُّونَ وَقَالُوا : " مِنْ " لَا تُزَاد فِي الْإِثْبَات وَإِنَّمَا تُزَاد فِي النَّفْي وَالِاسْتِفْهَام , وَقَوْله : " مِنْ ثَمَره " , " يُكَفِّر عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتكُمْ " [الْبَقَرَة : 271] و " يَغْفِر لَكُمْ مِنْ ذُنُوبكُمْ " [الْأَحْقَاف : 31] لِلتَّبْعِيضِ ; أَجَابَ فَقَالَ : قَدْ قَالَ : " يَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبكُمْ " [الْأَحْزَاب 71] بِإِسْقَاطِ " مِنْ " فَدَلَّ عَلَى زِيَادَتهَا فِي الْإِيجَاب ; أُجِيبَ بِأَنَّ " مِنْ " هَهُنَا لِلتَّبْعِيضِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَحِلّ مِنْ الصَّيْد اللَّحْم دُون الْفَرْث وَالدَّم . قُلْت : هَذَا لَيْسَ بِمُرَادٍ وَلَا مَعْهُود فِي الْأَكْل فَيُعَكِّر عَلَى مَا قَالَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد " مِمَّا أَمْسَكْنَ " أَيْ مِمَّا أَبْقَتْهُ الْجَوَارِح لَكُمْ ; وَهَذَا عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ : لَوْ أَكَلَ الْكَلْب الْفَرِيسَة لَمْ يَضُرّ وَبِسَبَبِ هَذَا الِاحْتِمَال اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي جَوَاز أَكْل الصَّيْد إِذَا أَكَلَ الْجَارِح مِنْهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ . السَّادِسَة عَشْرَة : وَدَلَّتْ الْآيَة عَلَى جَوَاز اِتِّخَاذ الْكِلَاب وَاقْتِنَائِهَا لِلصَّيْدِ , وَثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيح السُّنَّة وَزَادَتْ الْحَرْث وَالْمَاشِيَة ; وَقَدْ كَانَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ أَمْرٌ بِقَتْلِ الْكِلَاب حَتَّى كَانَ يَقْتُل كَلْب الْمُرَيَّةِ مِنْ الْبَادِيَة يَتْبَعهَا ; رَوَى مُسْلِم عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْب صَيْد أَوْ مَاشِيَة نَقَصَ مِنْ أَجْره كُلّ يَوْم قِيرَاطَانِ ) , وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ اِتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْب مَاشِيَة أَوْ صَيْد أَوْ زَرْع اِنْتَقَصَ مِنْ أَجْره كُلّ يَوْم قِيرَاط ) . قَالَ الزُّهْرِيّ : وَذُكِرَ لِابْنِ عُمَر قَوْل أَبِي هُرَيْرَة فَقَالَ : يَرْحَم اللَّه أَبَا هُرَيْرَة , كَانَ صَاحِب زَرْع ; فَقَدْ دَلَّتْ السُّنَّة عَلَى مَا ذَكَرْنَا , وَجُعِلَ النَّقْص مِنْ أَجْر مَنْ اِقْتَنَاهَا عَلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْمَنْفَعَة ; إِمَّا لِتَرْوِيعِ الْكَلْبِ الْمُسْلِمِينَ وَتَشْوِيشه عَلَيْهِمْ بِنُبَاحِهِ - كَمَا قَالَ بَعْض شُعَرَاء الْبَصْرَة , وَقَدْ نَزَلَ بِعَمَّارٍ فَسَمِعَ لِكِلَابِهِ نُبَاحًا فَأَنْشَأَ يَقُول : نَزَلْنَا بِعَمَّارٍ فَأَشْلَى كِلَابه عَلَيْنَا فَكِدْنَا بَيْن بَيْتَيْهِ نُؤْكَل فَقُلْت لِأَصْحَابِي أُسِرّ إِلَيْهِمُ إِذَا الْيَوْم أَمْ يَوْم الْقِيَامَة أَطْوَلُ - أَوْ لِمَنْعِ دُخُول الْمَلَائِكَة الْبَيْت , أَوْ لِنَجَاسَتِهِ عَلَى مَا يَرَاهُ الشَّافِعِيّ , أَوْ لِاقْتِحَامِ النَّهْي عَنْ اِتِّخَاذ مَا لَا مَنْفَعَة فِيهِ ; وَاللَّه أَعْلَمُ , وَقَالَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ : ( قِيرَاطَانِ ) وَفِي الْأُخْرَى ( قِيرَاط ) وَذَلِكَ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي نَوْعَيْنِ مِنْ الْكِلَاب أَحَدهمَا أَشَدّ أَذًى مِنْ الْآخَر ; كَالْأَسْوَدِ الَّذِي أَمَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِقَتْلِهِ , وَلَمْ يُدْخِلهُ فِي الِاسْتِثْنَاء حِين نَهَى عَنْ قَتْلهَا فَقَالَ : ( عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيم ذِي النُّقْطَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَان ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْمَوَاضِع , فَيَكُون مُمْسِكه بِالْمَدِينَةِ مَثَلًا أَوْ بِمَكَّة يُنْقَص قِيرَاطَانِ , وَبِغَيْرِهِمَا قِيرَاط ; وَاللَّه أَعْلَمُ , وَأَمَّا الْمُبَاح اِتِّخَاذه فَلَا يَنْقُص أَجْر مُتَّخِذه كَالْفَرَسِ وَالْهِرّ , وَيَجُوز بَيْعه وَشِرَاؤُهُ , حَتَّى قَالَ سَحْنُون : وَيَحُجّ بِثَمَنِهِ , وَكَلْب الْمَاشِيَة الْمُبَاح اِتِّخَاذه عِنْد مَالِك هُوَ الَّذِي يَسْرَح مَعَهَا لَا الَّذِي يَحْفَظهَا فِي الدَّار مِنْ السُّرَّاق , وَكَلْب الزَّرْع هُوَ الَّذِي يَحْفَظهُ مِنْ الْوُحُوش بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار لَا مِنْ السُّرَّاق , وَقَدْ أَجَازَ غَيْر مَالِك اِتِّخَاذهَا لِسُرَّاقِ الْمَاشِيَة وَالزَّرْع وَالدَّار فِي الْبَادِيَة , وَفِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْعَالِم لَهُ مِنْ الْفَضِيلَة مَا لَيْسَ لِلْجَاهِلِ ; لِأَنَّ الْكَلْب إِذَا عُلِمَ يَكُون لَهُ فَضِيلَة عَلَى سَائِر الْكِلَاب , فَالْإِنْسَان إِذَا كَانَ لَهُ عِلْم أَوْلَى أَنْ يَكُون لَهُ فَضْل عَلَى سَائِر النَّاس , لَا سِيَّمَا إِذَا عَمِلَ بِمَا عَلِمَ ; وَهَذَا كَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب كَرَّمَ اللَّه وَجْهه أَنَّهُ قَالَ : لِكُلِّ شَيْء قِيمَة وَقِيمَة الْمَرْء مَا يُحْسِنهُ .
{4} يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
أَمْر بِالتَّسْمِيَةِ ; قِيلَ : عِنْد الْإِرْسَال عَلَى الصَّيْد , وَفِقْه الصَّيْد وَالذَّبْح فِي مَعْنَى التَّسْمِيَة وَاحِد , يَأْتِي بَيَانه فِي " الْأَنْعَام " , وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالتَّسْمِيَةِ هُنَا التَّسْمِيَة عِنْد الْأَكْل , وَهُوَ الْأَظْهَر , وَفِي صَحِيح مُسْلِم أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعُمَر بْن أَبِي سَلَمَة : ( يَا غُلَام سَمِّ اللَّه وَكُلْ بِيَمِينِك وَكُلْ مِمَّا يَلِيك ) , وَرُوِيَ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الشَّيْطَان لَيَسْتَحِلّ الطَّعَام أَلَّا يُذْكَر اِسْم اللَّه عَلَيْهِ ) الْحَدِيث . فَإِنْ نَسِيَ التَّسْمِيَة أَوَّل الْأَكْل فَلْيُسَمِّ آخِره ; وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ أُمَيَّة بْن مَخْشِيّ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَأْكُل وَلَمْ يُسَمِّ اللَّه , فَلَمَّا كَانَ فِي آخِر لُقْمَة قَالَ : بِسْمِ اللَّه أَوَّله وَآخِره ; فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا زَالَ الشَّيْطَان يَأْكُل مَعَهُ فَلَمَّا سَمَّى قَاءَ مَا أَكَلَهُ ) .
{4} يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
أَمْرٌ بِالتَّقْوَى عَلَى الْجُمْلَة , وَالْإِشَارَة الْقَرِيبَة هِيَ مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَات مِنْ الْأَوَامِر , وَسُرْعَة الْحِسَاب هِيَ مِنْ حَيْثُ كَوْنه تَعَالَى قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْء عِلْمًا وَأَحْصَى كُلّ شَيْء عَدَدًا ; فَلَا يَحْتَاج إِلَى مُحَاوَلَة عَدّ وَلَا عَقْد كَمَا يَفْعَلهُ الْحُسَّاب ; وَلِهَذَا قَالَ : " وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ " [الْأَنْبِيَاء : 47] فَهُوَ سُبْحَانه يُحَاسِب الْخَلَائِق دَفْعَة وَاحِدَة . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون وَعِيدًا بِيَوْمِ الْقِيَامَة كَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّ حِسَاب اللَّه لَكُمْ سَرِيع إِتْيَانه ; إِذْ يَوْم الْقِيَامَة قَرِيب , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِالْحِسَابِ الْمُجَازَاة ; فَكَأَنَّهُ تَوَعَّدَ فِي الدُّنْيَا بِمُجَازَاةٍ سَرِيعَة قَرِيبَة إِنْ لَمْ يَتَّقُوا اللَّه .
{5} الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
أَيْ " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ " و " الْيَوْم أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَات " فَأَعَادَ تَأْكِيدًا أَيْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَات الَّتِي سَأَلْتُمْ عَنْهَا ; وَكَانَتْ الطَّيِّبَات أُبِيحَتْ لِلْمُسْلِمِينَ قَبْل نُزُول هَذِهِ الْآيَة ; فَهَذَا جَوَاب سُؤَالهمْ إِذْ قَالُوا : مَاذَا أُحِلَّ لَنَا ؟ , وَقِيلَ : أَشَارَ بِذِكْرِ الْيَوْم إِلَى وَقْت مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يُقَال : هَذِهِ أَيَّام فُلَان ; أَيْ هَذَا أَوَان ظُهُوركُمْ وَشُيُوع الْإِسْلَام ; فَقَدْ أَكْمَلْت بِهَذَا دِينكُمْ , وَأَحْلَلْت لَكُمْ الطَّيِّبَات , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر الطَّيِّبَات فِي الْآيَة قَبْل هَذَا .
{5} الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
اِبْتِدَاء وَخَبَر , وَالطَّعَام اِسْم لِمَا يُؤْكَل وَالذَّبَائِح مِنْهُ , وَهُوَ هُنَا خَاصّ بِالذَّبَائِحِ عِنْد كَثِير مِنْ أَهْل الْعِلْم بِالتَّأْوِيلِ , وَأَمَّا مَا حُرِّمَ عَلَيْنَا مِنْ طَعَامهمْ فَلَيْسَ بِدَاخِلٍ تَحْت عُمُوم الْخِطَاب ; قَالَ اِبْن عَبَّاس : قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اِسْم اللَّه عَلَيْهِ " [الْأَنْعَام : 121] , ثُمَّ اِسْتَثْنَى فَقَالَ : " وَطَعَام الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب حِلّ لَكُمْ " يَعْنِي ذَبِيحَة الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ ; وَإِنْ كَانَ النَّصْرَانِيّ يَقُول عِنْد الذَّبْح : بِاسْمِ الْمَسِيح وَالْيَهُودِيّ يَقُول : بِاسْمِ عُزَيْر ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَذْبَحُونَ عَلَى الْمِلَّة , وَقَالَ عَطَاء : كُلْ مِنْ ذَبِيحَة النَّصْرَانِيّ وَإِنْ قَالَ بِاسْمِ الْمَسِيح ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ قَدْ أَبَاحَ ذَبَائِحهمْ , وَقَدْ عَلِمَ مَا يَقُولُونَ , وَقَالَ الْقَاسِم بْن مُخَيْمِرَة : كُلْ مِنْ ذَبِيحَته وَإِنْ قَالَ بِاسْمِ سَرْجِس - اِسْم كَنِيسَة لَهُمْ - وَهُوَ قَوْل الزُّهْرِيّ وَرَبِيعَة وَالشَّعْبِيّ وَمَكْحُول ; وَرُوِيَ عَنْ صَحَابِيَّيْنِ : عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء وَعُبَادَة بْن الصَّامِت . وَقَالَتْ طَائِفَة : إِذَا سَمِعْت الْكِتَابِيّ يُسَمِّي غَيْر اِسْم اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَلَا تَأْكُل ; وَقَالَ بِهَذَا مِنْ الصَّحَابَة عَلِيّ وَعَائِشَة وَابْن عُمَر ; وَهُوَ قَوْل طَاوُس وَالْحَسَن مُتَمَسِّكِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اِسْم اللَّه عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْق " [الْأَنْعَام : 121] , وَقَالَ مَالِك : أَكْرَه ذَلِكَ , وَلَمْ يُحَرِّمهُ . قُلْت : الْعَجَب مِنْ الْكِيَا الطَّبَرِيّ الَّذِي حَكَى الِاتِّفَاق عَلَى جَوَاز ذَبِيحَة أَهْل الْكِتَاب , ثُمَّ أَخَذَ يَسْتَدِلّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَة عَلَى الذَّبِيحَة لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فَقَالَ : وَلَا شَكّ أَنَّهُمْ لَا يُسَمُّونَ عَلَى الذَّبِيحَة إِلَّا الْإِلَه الَّذِي لَيْسَ مَعْبُودًا حَقِيقَة مِثْل الْمَسِيح وَعُزَيْر , وَلَوْ سَمَّوْا الْإِلَه حَقِيقَة لَمْ تَكُنْ تَسْمِيَتهمْ عَلَى طَرِيق الْعِبَادَة , وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى طَرِيق آخَر ; وَاشْتِرَاط التَّسْمِيَة لَا عَلَى وَجْه الْعِبَادَة لَا يُعْقَل , وَوُجُود التَّسْمِيَة مِنْ الْكَافِر وَعَدَمهَا بِمَثَابَةٍ وَاحِدَة ; إِذَا لَمْ تُتَصَوَّر مِنْهُ الْعِبَادَة , وَلِأَنَّ النَّصْرَانِيّ إِنَّمَا يَذْبَح عَلَى اِسْم الْمَسِيح , وَقَدْ حَكَمَ اللَّه بِحِلِّ ذَبَائِحهمْ مُطْلَقًا , وَفِي ذَلِكَ دَلِيل عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَة لَا تُشْتَرَط أَصْلًا كَمَا يَقُول الشَّافِعِيّ , وَسَيَأْتِي مَا فِي هَذَا لِلْعُلَمَاءِ فِي " الْأَنْعَام " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَلَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء أَنَّ مَا لَا يَحْتَاج إِلَى ذَكَاة كَالطَّعَامِ الَّذِي لَا مُحَاوَلَة فِيهِ كَالْفَاكِهَةِ وَالْبُرّ جَائِز أَكْله ; إِذْ لَا يَضُرّ فِيهِ تَمَلُّك أَحَد . وَالطَّعَام الَّذِي تَقَع فِيهِ مُحَاوَلَة عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدهمَا : مَا فِيهِ مُحَاوَلَة صَنْعَة لَا تَعَلُّق لِلدِّينِ بِهَا ; كَخَبْزِ الدَّقِيق , وَعَصْر الزَّيْت وَنَحْوه ; فَهَذَا إِنْ تُجُنِّبَ مِنْ الذِّمِّيّ فَعَلَى وَجْه التَّقَزُّز , وَالضَّرْب الثَّانِي : هِيَ التَّذْكِيَة الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَحْتَاج إِلَى الدِّين وَالنِّيَّة ; فَلَمَّا كَانَ الْقِيَاس أَلَّا تَجُوز ذَبَائِحهمْ - كَمَا نَقُول إِنَّهُمْ لَا صَلَاة لَهُمْ وَلَا عِبَادَة مَقْبُولَة - رَخَّصَ اللَّه تَعَالَى فِي ذَبَائِحهمْ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّة , وَأَخْرَجَهَا النَّصّ عَنْ الْقِيَاس عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْل اِبْن عَبَّاس ; وَاللَّه أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء أَيْضًا فِيمَا ذَكَّوْهُ هَلْ تَعْمَل الذَّكَاة فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ أَوْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ; فَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهَا عَامِلَة فِي كُلّ الذَّبِيحَة مَا حَلَّ لَهُ مِنْهَا وَمَا حُرِّمَ عَلَيْهِ , لِأَنَّهُ مُذَكًّى , وَقَالَتْ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم : إِنَّمَا حَلَّ لَنَا مِنْ ذَبِيحَتهمْ مَا حَلَّ لَهُمْ ; لِأَنَّ مَا لَا يَحِلّ لَهُمْ لَا تَعْمَل فِيهِ تَذْكِيَتهمْ ; فَمَنَعَتْ هَذِهِ الطَّائِفَة الطَّرِيف وَالشُّحُوم الْمَحْضَة مِنْ ذَبَائِح أَهْل الْكِتَاب ; وَقَصَرَتْ لَفْظ الطَّعَام عَلَى الْبَعْض , وَحَمَلَتْهُ الْأُولَى عَلَى الْعُمُوم فِي جَمِيع مَا يُؤْكَل , وَهَذَا الْخِلَاف مَوْجُود فِي مَذْهَب مَالِك . قَالَ أَبُو عُمَر : وَكَرِهَ مَالِك شُحُوم الْيَهُود وَأَكْل مَا نَحَرُوا مِنْ الْإِبِل , وَأَكْثَرُ أَهْل الْعِلْم لَا يَرَوْنَ بِذَلِكَ بَأْسًا ; وَسَيَأْتِي هَذَا فِي " الْأَنْعَام " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ; وَكَانَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه يَكْرَه مَا ذَبَحُوهُ إِذَا وُجِدَ مَا ذَبَحَهُ الْمُسْلِم , وَكَرِهَ أَنْ يَكُون لَهُمْ أَسْوَاق يَبِيعُونَ فِيهَا مَا يَذْبَحُونَ ; وَهَذَا مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّه تَنَزُّه . وَأَمَّا الْمَجُوس فَالْعُلَمَاء مُجْمِعُونَ - إِلَّا مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ - عَلَى أَنَّ ذَبَائِحهمْ لَا تُؤْكَل , وَلَا يُتَزَوَّج مِنْهُمْ ; لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْل كِتَاب عَلَى الْمَشْهُور عِنْد الْعُلَمَاء , وَلَا بَأْس بِأَكْلِ طَعَام مَنْ لَا كِتَاب لَهُ كَالْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَة الْأَوْثَان مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَبَائِحهمْ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذَكَاة ; إِلَّا الْجُبْن ; لِمَا فِيهِ مِنْ إِنْفَحَة الْمَيْتَة . فَإِنْ كَانَ أَبُو الصَّبِيّ مَجُوسِيًّا وَأُمّه كِتَابِيَّة فَحُكْمه حُكْم أَبِيهِ عِنْد مَالِك , وَعِنْد غَيْره لَا تُؤْكَل ذَبِيحَة الصَّبِيّ إِذَا كَانَ أَحَد أَبَوَيْهِ مِمَّنْ لَا تُؤْكَل ذَبِيحَته . وَأَمَّا ذَبِيحَة نَصَارَى بَنِي تَغْلِب وَذَبَائِح كُلّ دَخِيل فِي الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة فَكَانَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَنْهَى عَنْ ذَبَائِح بَنِي تَغْلِب ; لِأَنَّهُمْ عَرَب , وَيَقُول : إِنَّهُمْ لَمْ يَتَمَسَّكُوا بِشَيْءٍ مِنْ النَّصْرَانِيَّة إِلَّا بِشُرْبِ الْخَمْر ; وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ ; وَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ يُنْهَى عَنْ ذَبَائِح النَّصَارَى الْمُحَقَّقِينَ مِنْهُمْ , وَقَالَ جُمْهُور الْأُمَّة : إِنَّ ذَبِيحَة كُلّ نَصْرَانِيّ حَلَال ; سَوَاء كَانَ مِنْ بَنِي تَغْلِب أَوْ غَيْرهمْ , وَكَذَلِكَ الْيَهُودِيّ , وَاحْتَجَّ اِبْن عَبَّاس بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ " [الْمَائِدَة : 51] , فَلَوْ لَمْ تَكُنْ بَنُو تَغْلِب مِنْ النَّصَارَى إِلَّا بِتَوَلِّيهِمْ إِيَّاهُمْ لَأُكِلَتْ ذَبَائِحهمْ . وَلَا بَأْس بِالْأَكْلِ وَالشُّرْب وَالطَّبْخ فِي آنِيَة الْكُفَّار كُلّهمْ , مَا لَمْ تَكُنْ ذَهَبًا أَوْ فِضَّة أَوْ جِلْد خِنْزِير بَعْد أَنْ تُغْسَل وَتُغْلَى ; لِأَنَّهُمْ لَا يَتَوَقَّوْنَ النَّجَاسَات وَيَأْكُلُونَ الْمَيْتَات ; فَإِذَا طَبَخُوا فِي تِلْكَ الْقُدُور تَنَجَّسَتْ , وَرُبَّمَا سَرَتْ النَّجَاسَات فِي أَجْزَاء قُدُور الْفَخَّار ; فَإِذَا طُبِخَ فِيهَا بَعْد ذَلِكَ تُوُقِّعَ مُخَالَطَة تِلْكَ الْأَجْزَاء النَّجِسَة لِلْمَطْبُوخِ فِي الْقِدْر ثَانِيَة ; فَاقْتَضَى الْوَرَع الْكَفّ عَنْهَا . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : إِنْ كَانَ الْإِنَاء مِنْ نُحَاس أَوْ حَدِيد غُسِلَ , وَإِنْ كَانَ مِنْ فَخَّار أُغْلِيَ فِيهِ الْمَاء ثُمَّ غُسِلَ - هَذَا إِذَا اُحْتِيجَ إِلَيْهِ - وَقَالَهُ مَالِك ; فَأَمَّا مَا يَسْتَعْمِلُونَهُ لِغَيْرِ الطَّبْخ فَلَا بَأْس بِاسْتِعْمَالِهِ مِنْ غَيْر غَسْل ; لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عُمَر أَنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْ بَيْت نَصْرَانِيّ فِي حُقّ نَصْرَانِيَّة ; وَهُوَ صَحِيح وَسَيَأْتِي فِي " الْفُرْقَان " بِكَمَالِهِ , وَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة الْخُشَنِيّ قَالَ أَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه إِنَّا بِأَرْضِ قَوْم مِنْ أَهْل كِتَاب نَأْكُل فِي آنِيَتهمْ , وَأَرْض صَيْد , أَصِيد بِقَوْسِي وَأَصِيد بِكَلْبِي الْمُعَلَّم , وَأَصِيد بِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ ; فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي يَحِلّ لَنَا مِنْ ذَلِكَ ؟ قَالَ : ( أَمَّا مَا ذَكَرْت أَنَّكُمْ بِأَرْضِ قَوْم مِنْ أَهْل كِتَاب تَأْكُلُونَ فِي آنِيَتهمْ فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْر آنِيَتهمْ فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا ) ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيث .
{5} الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
دَلِيل عَلَى أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِتَفَاصِيل شَرْعنَا ; أَيْ إِذَا اِشْتَرَوْا مِنَّا اللَّحْم يَحِلّ لَهُمْ اللَّحْم وَيَحِلّ لَنَا الثَّمَن الْمَأْخُوذ مِنْهُمْ .
{5} الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
الْآيَة . قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهَا فِي " الْبَقَرَة " و " النِّسَاء " وَالْحَمْد لِلَّهِ , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى : " وَالْمُحْصَنَات مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب " . هُوَ عَلَى الْعَهْد دُون دَار الْحَرْب فَيَكُون خَاصًّا , وَقَالَ غَيْره : يَجُوز نِكَاح الذِّمِّيَّة وَالْحَرْبِيَّة لِعُمُومِ الْآيَة . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : " الْمُحْصَنَات " الْعَفِيفَات الْعَاقِلَات , وَقَالَ الشَّعْبِيّ : هُوَ أَنْ تُحْصِن فَرْجهَا فَلَا تَزْنِي , وَتَغْتَسِل مِنْ الْجَنَابَة , وَقَرَأَ الشَّعْبِيّ " وَالْمُحْصِنَات " بِكَسْرِ الصَّاد , وَبِهِ قَرَأَ الْكِسَائِيّ , وَقَالَ مُجَاهِد : " الْمُحْصَنَات " الْحَرَائِر ; قَالَ أَبُو عُبَيْد : يَذْهَب إِلَى أَنَّهُ لَا يَحِلّ نِكَاح إِمَاء أَهْل الْكِتَاب ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ مِنْ فَتَيَاتكُمْ الْمُؤْمِنَات " [النِّسَاء : 25] وَهَذَا الْقَوْل الَّذِي عَلَيْهِ جُلَّة الْعُلَمَاء .
{5} الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
قِيلَ : لَمَّا قَالَ تَعَالَى : " وَالْمُحْصَنَات مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب " قَالَ نِسَاء أَهْل الْكِتَاب : لَوْلَا أَنَّ اللَّه تَعَالَى رَضِيَ دِيننَا لَمْ يُبِحْ لَكُمْ نِكَاحنَا ; فَنَزَلَتْ " وَمَنْ يَكْفُر بِالْإِيمَانِ " أَيْ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّد . وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم : الْبَاء صِلَة ; أَيْ وَمَنْ يَكْفُر الْإِيمَان أَيْ يَجْحَدهُ
{5} الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
وَقَرَأَ اِبْن السَّمَيْقَع " فَقَدْ حَبَطَ " بِفَتْحِ الْبَاء , وَقِيلَ : لَمَّا ذُكِرَتْ فَرَائِض وَأَحْكَام يَلْزَم الْقِيَام بِهَا , ذُكِرَ الْوَعِيد عَلَى مُخَالَفَتهَا ; لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَأْكِيد الزَّجْر عَنْ تَضْيِيعهَا , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد أَنَّ الْمَعْنَى : وَمَنْ يَكْفُر بِاَللَّهِ ; قَالَ الْحَسَن بْن الْفَضْل : إِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَة فَمَعْنَاهَا بِرَبِّ الْإِيمَان . وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ : وَلَا يَجُوز أَنْ يُسَمَّى اللَّه إِيمَانًا خِلَافًا لِلْحَشْوِيَّةِ وَالسَّالِمِيَّة ; لِأَنَّ الْإِيمَان مَصْدَر آمَنَ يُؤْمِن إِيمَانًا , وَاسْم الْفَاعِل مِنْهُ مُؤْمِن ; وَالْإِيمَان التَّصْدِيق , وَالتَّصْدِيق لَا يَكُون إِلَّا كَلَامًا , وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون الْبَارِي تَعَالَى كَلَامًا .
المراجع
quran.al-islam.com/Page.aspx?pageid=221&BookID=11&Page=1موسوعه الاسلام
التصانيف
تصنيف :تفسير القران الكريم
login |