إن مما يجب إثباته وعدم إنكاره ؛ ويجب طرحه بوضوح وعدم إغماضه، الخلافات في المسائل العلمية عامة، وهذه ظاهرة للمتتبع، وموجودة في كتب العلم، حتى أصبح أمراً مستساغاً عند سلف هذه الأمة .
 
ولكن يحسن بنا أن ننبه ونحن في صدر الموضوع أن هذا الخلاف هو في فروع الدين دون أصوله؛ فعقيدة أهل السنة واضحة بينة؛ بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، لا يقبل فيها خلاف ولا يمكن أن يتنازل عنها.
 
بعد هذا البيان قد يقع سؤال عن سبب الخلاف؟    الله سبحانه وتعالى وزع الأفهام، وقسم المدارك، فكل له فهم وإدراك ؛ وبناءً عليه كان فهم  الأدلة الشرعية على حسب هذه الأفهام؛ فتجد أن أحدهم ينظر للدليل من جهة فينبغي عليه حكماً، وينظر الآخر من جهة أخرى  فينبغي حكماً آخر، وكلهم قد استند إلى دليل واحد . و كذلك العلماء موزعون في الأمصار، وكان  في القرون الأولى وما بعدها بزمن يسير لم تستقر كتب السنة بعد؛ فتجد أن الإمام مالك مثلاً عنده حديث ليس عند الإمام أبي حنيفة، وعند الإمام أحمد ما ليس عند الإمام الشافعي  فكل يبني حكمه على ما وجد من الأدلة، هذا من جهة أخرى . كذلك كل إمام من الأئمة الأربعة -على وجه المثال- له أصول يبني عليها أحكامه؛ وكذلك يبني عليها أتباعه، فمنهم من يأخذ بقول الصحابي ويقدمه على القياس . وبعضهم يأخذ بعمل أهل المدينة، وبعضهم لا يقبل خبر الواحد-ليس على الإطلاق- بل يقدم عليه القياس... إلى غير ذلك من المصطلحات التي قد يحتاج لكل واحد منها مقام خاص لشرحه؛ وما مدى صحة الأخذ به ؛ مقابل ترك غيره فبناءً على هذه الأصول يكون الحكم المختار؛ وعليه يكون الخلاف قائماً.
 
إذا تقرر هذا، فهل ما يسمع هنا وهناك من قسوة في الرد؛ أو شدة في الخطاب؛ أو غلظة في التعبير؛ قد تصل إلى التبديع والتفسيق، هل هي ظاهرة صحية لهذا الخلاف ؟
 
التأريخ يجيب بما يحمل، قال الشافعي : كلامي صواب يحتمل الخطأ وكلام غيري خطأ يحتمل الصواب، وكان يقول: ما ناظرت أحداً إلا أحببت أن يخرج الله الحق على لسانه... ومما يؤسف له أن الردود أصبحت  لا تقتصر على الحكم بأدلته؛ بل تصل إلى الذوات؛ وقد يحصل فيها تصفية لحسابات سابقة، وهذا كله لم يكن موجوداً عند سلف الأمة إلى زماننا هذا؛ فلقد كان الإمام الألباني- رحمه الله- يزور الإمام ابن باز والشيخ حمود التويجري
 
 -رحمهما الله- وكان يثني عليهم وهم كانوا كذلك (مع اختلافهم في كثير من المسائل).....وهذا الكلام لا يعني نقد المناظرات  والمناقشات؛ ولكن نريد أن ننهج فيها نهج سلف الأمة؛ من طلب الحق والسعي له، ولقد حفظ عن الأمة الأربعة أنهم كانوا يوصون: أنه إذا خالف قولهم الدليل فيضرب بقولهم عرض الحائط .
 
كثير ما يكون منشأ الجدل قلت البضاعة العلمية لأنه من المعلوم إذا قل العلم كثر الجدل و الاختلاف و الخلاف.
 
كثيراً ما يطرح سؤال يشكل خاصة على العامة عندما يسألون أكثر من مفت ؛ فجد كل له حكم، فيقف السائل حائراً ما أصنع؟ الجواب على شقين: إن كان الشخض طالب علم؛ يعرف حين النظر في الأدلة القول الأقرب للدليل؛ فعليه فعل ذلك، إلا عند الاضطرار فله أن يقلد... وللعلماء كلام طويل في حكم تقليد طالب العلم يرجع فيه إلى مضانه، أما إن كان عامياً- أي ليست عنده آلة الترجيح- فله أن يقلد من العلماء من يرى أنه أتقى وأصلح وأعلم، ولا يجوز أن يأخذ ما تشتهيه نفسه من أقوال العلماء- إن كان يرى أن غير من قلده أتقى منه-، والمسلم يدين في هذا، ((يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور))... .
 
أخيراً حري بنا أن نجرد قصدنا في كل شيء لله تعالى ،و أن نتعاهد أنفسنا على ذلك، و نجاهدها مع الدعاء و التضرع والانكسار لله تعالى، بأن يرينا الحق حقا و يرزقنا اتباعه وأن يرينا الباطل باطلا و يرزقنا اجتنابه و أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء على صراط مستقيم.
 
 و صلى الله على نبينا  محمد و آله و سلم.

المراجع

موسوعة شبكة نور الإسلام

التصانيف

ثقافة   عقيدة إسلامية   العلوم الاجتماعية