"يا لائمي في الهوى العذري معذرة مني إليك ولو أنصفت لم تلمِ"
(البوصيري)
يجلس
على حافة السرير ممسكا يدي الباردة يجس نبضي ، يغلق فمي بميزان الحرارة ، يراقب
بصمت وجهي الشاحب الممزوج بسيل من الدمع وتصببِ العرق ، يضع السماعة على صدري
متضارب الدقات ، يضرب بأصابعه على ظهري، يقلبني ذات اليمين وذات اليسار ..
يدخل قطعة خشب في فمي ويشعل الضوء ، يخلط زجاجات صغيرة في إبرة توخز شراييني ..
" الحمدلله، لم يرَ اسما على لساني ، لم يجد وجها مرسوما على صفحة قلبي ، لم يسمع
خطوات أقدام تركض في نبضي ، لم يخرج جسد مع القيء ..!!" .
- مجرد التهاب رئوي حاد من تعرضك للبرد ، قلة النوم والأكل ، التدخين وأهمها تعرضك
لصدمة عصبية.. من الذي تجرأ وأغضب هذا المحيا الجميل وجرح الفؤاد ؟
أنظر بعيون زائغة نحو الوجوه الخائفة المحيطة بي
:"
ترى على من أضع اللوم ومن الذي تقع عليه القرعة ، ومن أعرض عليه لائحة الاتهام ؟" .
- لا أحد .. فقط دعني أناااااااااااام قليلا ..
- سأبقي المصل معلقا لتعويض السوائل المفقودة، حاولي الابتعاد عن التفكير ، لا شيء
يستحق (الزعل) ، ممنوع الموبايل ، التلفزيون ، الصحف ، الكومبيوتر ، ابتعدي عن
العالم الخارجي قليلا ، للتعافي سريعا ..!!
يركبُ الدواء موجة التخدير في دمي ، ويدور بجسدي النحيل ،أغمض عينان متورمتان ،
لكن القلب صاح ٍ ..!!
يغادرني، ككل صباح، يتركني معلقة في الساعة حتى المساء ، ألاحقه ب(الموبايل)،
بهمسات الشوق ويغازلني بالرسائل القصيرة حتى نلتقي ونرخي شال الحب على أمسياتنا
الجميلة .
به ثورة الشباب وفورة الغرور ..لا يفقه من الشاعرية والرومانسية سوى حروف ينمقها
حين يشاء ، ومتى شاء ... وأحبه ..!!
قال:
انتظريني ، بعد ساعة أكون بين يديك .
تزينت ، تجملت ، سكبت العطور ، اخترت أغنية يحبها .. تجولت بين أوراقه وملفاته
أعيد ترتيبها.. لا توجد بيننا أسرار ولا محظورات، أوراقنا كشفناها.. الماضي انتهى
بمناقشات إيجابية . بدأنا من جديد ..
الصراحة تجمعنا، الوضوح يربط علاقتنا، والإخلاص جوهر حياتنا المشتركة ..!
ملف جديد ، أراه لأول مرة، تعبث يدي به عن غير قصد ، يغلي التوتر في أعصابي ،
ويتسلل إلى صدري الخوف .. إنه ( حدس ) المرأة
!
صور ..
صور ..
صور نساء ماضِيهِ ، وبأوضاع حديثة .. السمراء والشقراء ، الجميلة
والقبيحة ، النحيلة والبدينة ، جمعها في ملف وأخفاها عن عيني؟؟
لم تمض أسابيع على آخر نزوة ..!!
- تخبرني أنك دفعت ثمن ساعة مع ( ....) تلامس اللحم الحرام لتثبت وفاءَك ؟
- لا أخفي عنكِ حقيقة ، أجل حاولت .. وعدت الى عشنا الهاديء أكثر حبا واقتناعا أنك
الأطهر ،الأنقى ، والأجمل ..
يومها اهتزت جدران البيت من زلزال صرخاتي .. فاحتواني بدموع الندم ، مسح حزني
بمنديل اللهفة ، بسط دربي بمرادفات التوبة .. فصفحت !
وهاهو اليوم يجمع عشيقاته في ملف ..!
يدخل بعد تعب نهار، أتماسك، أستقبله بابتسامة مرسومة ، أضمه إلى صدري ، أقبل
كفيه، وبركان الغضب يفور في دمي، يكاد يأخذ كل قوة استمديتها بالدعاء ، أترك
الكلام له .. يحكي.. ويحكي.. يثرثر.. يضحك.. أتابع حركات أصابعه ، يديه ..
يتوقف برهة ، مشدوها:
( فتحتَ ملفا جديدا ؟).
يداري ارتباكه:
- أجل فتحته بالأمس ، أين المشكلة ..؟
- والصور ..؟
- يا الله
!كم
أنت حساسة وغيورة!
هي صور من ماضٍ فات .. مات .. انتهى ..
- لكن الصور حديثة، لمَ أضفتها ؟ هل عدت إلى الحنين ؟
لا... لم أحــنّ.. لكني أمارسُ هواية البصق الجنسي على هولاء العاهرات ..وأحمد الله
على كنز ثمين يجالسني ، يحبني ، يخاف علي ، يحفظ اسمي ، ويتسع قلبه لجنوني ونزواتي
.. وأنتِ؟ أليس لك أصحاب في كل مكان، تتلقين اتصالاتهم عبر الهاتف أو البريد
الإلكتروني ، وأسمح لك ؟..
-
الفرق أنهم أصحاب لم أشاركهم نبضا ، حبا أو حياة . أنت سمحت لي بالصداقات لأنك
تدرك أني لا أملك ماضيا (مسموما ) وتعرفهم جميعا.. لم أخفِ عنك علاقاتٍ أخوية ،
عاطفية ، زمالة ، قدمتُ بثوب ناصع ليس فيه ثقوبا .. وأنت تتابعــني بعيون مخابراتك
وعملائك وعسسك، كيفما استدرت ..!
- أغلقي الموضوع ، وتعالي لأحبك أكثر .. وأنسى ..!
"حبيبي، أحلم أني وأنت تحت بقعة سماء
صافية اللون، أحتمي في صدرك الحنون ، وأغزل حشائش الأرض لك عشقا ".. أرفقتها مع
قبلة في ماسيج .
" وأنا أحبك ،
لا تشغلي بالك ، لولا الشرك بالله لعبدتك ، اكتبي كلما اشتقت إلي .. أنت في دمي يا
ابتسامة أيامي .
صباحك ورد ، عسل ، فراشات وعصافير ، كلماتي لا تسعفني للتعبير عن مشاعري..
(على فكرة ).. غيرتك رائعة لكن غيرتي (دون حد ) تحمليها ، تعرفين كم أحبك ، حتى لو
كنت أتفوه وأتصرف معك - أحيانا- بمنتهى القذارة .
أحبك يا نور العين .."
ويمضي اليوم بيننا.. صبي وصبية غافـَــلا الزمان والمكان ، يسرقان الفرح من سواد
عين الحياة المُرْهِق ، يسورا الحب بعناقيد مرح ، وينهلا من نبع المودة ..
مساء السبت الأخير..!
ليلة نهرب فيها ، نختبيء في كهف اكتشفناه على ضفاف نهر الحب، نوقد نار الكلمة ،
ننقش على الصخر وجه الأمل ، نركب بساط العنفوان ، نلاحق النجوم ونعبر التخوم ، ننام
تحت ظل القمر ..
صحوت على
يد خشنة تجذبني ، تسكب على رأسي دلو ماء ، تلقيني ، يتبعها صوت صارخ:(ابعتدي
عني ) ..أكرهك ، دمرت حياتي مذ ارتبطت بك.. كلكن (عاهرات قذرات) تركضن وراء (...)
ومعسول الكلام .. دعيني أيتها (الزانية ) المخادعة ، الكاذبة ...
- حبيبي ، مابك ؟ ماهذه الاتهامات الجائرة ؟..
يدفعني
و يغلق من دوني الباب .
أقف في الشرفة. صقيع برد الشتاء يخترق عظامي والهواء يلسع وجهي ، موسيقى الحزن
تصدح في أذني ، فتصطك أسناني وأبكي . أي ذنب ارتكبت؟ أين أخطأت ؟ ماذا فعلت ؟
(خيانة ) ؟؟ وأنا التي تعيش في محراب الصدق والوفاء ، أفديه
بروحي
إن قال
:آآآآآآه
!!
ليس مخمورا ولا يتعاطى حبوبا ، لكنها ( هلوسة ) لا يحتملها حتى المريض والمختل ..!
كم شارعا عبرت ومنعطفا طويت ، كم ساعة مشيت ، كم دمعة ذرفت تحت المطر ، وكم من
الوقت استغرقني طريق العودة ..؟
كقطة مشردة أنفض الماء ، ألعق فروي ، أتسلل نحو دفء خيمتي ، بيتي العتيق ..!
تمسح أمي بكفها الحنون جبيني ، تمسك( المصحف الكريم) تضعه فوق رأسي ، تتمتم
بالأدعية ، تداعب خصلات شعري ، يغرقني الحزن فأتعلق بطوق رقبتها ، أسبح نحو صدرها
وعلى شاطيء رقة الأمومة أستلقي ..
- من أتى بي هنا ؟
- وحدك ..
- لماذا حظي في الحياة عاثر ؟
- قضاء الله وقدره ، المكتوب على الجبين ، وأنت قصة وحالة كقصص نسائنا اليومية ..
- لمَ ربيتني على المبادئ ، الطيبة والتسامح، ومن صفعك على وجهك الأيمن أدر له خدك
الأيسر ، والدين معاملة ، وووو..؟ أحببته يا أمي من أعماق الأعماق .
- هل أنت نادمة على التمسك بالأخلاق ؟ الحب وحده لا يكفي لرفع سقف بناء ، يحتاج إلى
ركائز وأعمدة احترام ، ثقة ، تكافؤ ، ونضج ..؟
- لا.. لكني شقيت .. لبستني الهموم، وعرتني الصراحة، لأجل الأخلاق تزوجت صغيرة ،
ولأجلها هُجرت ..
- زواجك كان في مصلحة شرف العائلة .. هل تذكرين ابن العائلة (....) الذي حاول
اختطافك من أمام باب المدرسة ..؟
- طوال عمري جمالي، أنوثتي ، أخلاقي نقمة علي ّ، حتى عندما أكملت دراستي، وتسلحت
بالشهادات والعمل .
- طوال عمرك وأنت مرغوبة و محسودة من القريب والبعيد ..
تدخل
أختي الكبرى تحمل أوراقا بيضاء ، تبتسم بحنو مفتعل ..
- الأميرة استيقظت بعد خمسة أيام .. حمدا لله على سلامة العودة من رحلة الموت ..
تضع الأوراق ، تسحب أمي بغمزة ، أبقى وحدي .. وأتصفحها، أغوص بين السطور:
اعتذار بشتى لغات العالم ، أحلام ، آمال ، مستقبل مشرق ، أموت إن ابتعدتِ ، أنتحر
إن غبتِ ، أحبك حتى آخر رمق ..!
أكتب نعم في الورقة الثانية ، أشتري كرامتي ، أوقع على حريتي ، أوافق دون قيد أو
شرط على كافة البنود المرفقة في قسيمة ( الطلاق ) .. يرتعش جسدي ، أتقيأ أيام عام ،
أحضن اكتئابي ، ويطول الدوار ...!!
