جمعتهما الأيام على غير ميعاد ، تبادلا النظرات و البسمات ، تخاطرت عقولهما
فأحسا أنهما عثرا على توأم روحيهما ، تصادقا و تحابا و تواعدا ...
مرّت الأيام شاهدة على صداقة نادرة بين رجل و امرأة أو هي بالأحرى صداقة امرأة
لرجل ، فبينما كانت تحكي له كل آلامهما و آمالها ،ظل هو يصغي إليها و يرشدها و
يفتح لها قلبه و سمعه و بصره لكنه بقي غامضا عنها ، تجهل عنه الكثير و تحلم
بالكثير ، لم يتمكن الرجل من البوح بمكنون صدره و أحس في
قرارة نفسه أنه لن يتمكن من الاكتفاء بصداقتها فطمع في المزيد و المزيد ...
وعدها بالكثير و الكثير ، فرحت المرأة المسكينة و راحت تنسج خيوط حكاية سحرية
ابتدأت بنظرة
.
و ابتسامة جعلتها تغوص في بحر من الأوهام الحالمة و مملكة من الكلمات العذبة و
المشاعر الرقراقة.
ظنت طوبلا
أنها لمست سماء السعادة و طالت نجوم الحب القدسي الطاهر
.. ؟
ظنت أن العمر قد امتد و طال و أن ورود
الطبيعة خلقت لتزهر لأجلها وحدها و رأتها رأي العين تبتسم لها و تنحني كلما
هزتها النسمات تحية لها و إجلالا .
ظنت أن في الهواء عبيرا معطرا لا
يستنشقه سواها و أرواح طيبة عذبة تحوم حولها لا يلمحها غيرها . كان المطر يغسل
كل أحزان عرفتها قبل أن تعرفه و كانت الشمس تسطع بكل كلمة ساحرة نفذت إلى قلبها
و انطلقت من لسانه.
ظلت تنتظر قدومه و هي تحيك ثوبا جميلا
طويلا طويلا عزمت ان ترتديه كل العمر و لا تخلعه أبدا ، لم يكن ككل الأثواب
يتسخ و يتلطخ او يتمزق ،
لم يكن على مقاس أي فتاة سواها .
و ظلت تنتظره ،
و قد غاب الصديق الحبيب إلى غير رجعة .... لكن بعد ماذا ؟؟
لم يعد يسأل عنها بعدما كان لا يبرح
لحظة دون التودد إليها ، لم يعد يكترث لما يصيبها بعد أن كان لا يهدأ له بال
حتى يعرف أدق تفاصيل حياتها ، حاولت كسر جدار الصمت الرهيب لكنها فشلت، حاولت
التماس كل الأعذار له و أبت أن تقر بأنه الفرار ..
تألمت لفراقه و بكت بحرقة و بحرقة و
عادت لحزنها الأول و كأنها لم تبرحه البارحة، عادت وحيدة دون حبيب و حتى من دون
صديق أنيس. و تعودت على الألم أو هو الألم قد تعوّد عليها. تلطخ ثوبها الجميل
الطويل و تمزق و تقلص حتى لم يعد يرى له اثر من أدنى خيط فيه ...
و مرّت الأيام دون أن تبستم لها الورود
أو تنحني ، و غمر الضباب الزمان و المكان و لم تعد الشمس ساطعة مشعة بل أضحت
حارقة خانقة حتى المطر لم يعد يغسل حزن السماء بل كان يدميها.
و توالت الأيام ...
تجتّر أحزانها و لا تبتلع غصّاتها .. تحن إليه كلما تذكرت وقع كلماته المعسولة
على نفسها و تنقم عليه كلما التفتت لواقعها فرات نفسها وحيدة، فريدة ، كان حبها
الأول أو هكذا اعتقدت لكنه مات في قلبها كما يموت الجنين في أحشاء أمه ، فيولد
ميتا و لا يرى النور أبدا ، عزاؤه أنه منح أمه فرحة عارمة غمرتها فجأة ثم ما
لبثت أن غادرتها فجأة أخرى ، مرت سنون و سنون جعلت منها حبيبة لرجل آخر و أما
لأبناء ملئوا حياتها حبا و أملا ، و مرت أيام و
لمحته فجأة، صدفة من غير ميعاد كما في
أول مرة لكن قلبها لم يخفق لرؤياه .. اكتفت بتحية عابرة بعينيها الناعستين
دونما قصد منها و ظل هو مدهوشا ينظر إليها ، مرت من أمامه و لم تستدر خلفها .
أطرقت حينا
،
تساءلت لم لم يخفق قلبها لمرآه ؟؟؟ أليس هذا هو الصديق الحبيب أو الحبيب الصديق
.. لم تثر صورته في ذاكرتها سوى أحزان ماضية ، رفعت هامتها من جديد وواصلت
طريقها مسرعة نحو مملكتها الصغيرة ، ابتسمت في سرّها و تأكدت حينها أنّ قلبها
لم يخفق له يوما و أنه لم يكن سوى وهما.
