سأموت …
يخنقني ذلك الإحساس المبهم بالموت ، يلتهم سكوني ، يحطمني ، يزلزلني حتى أغفو على
ترانيمه ، أنام احلم به ، أراه يصرعني ، يفجرني ، يراودني كثقب يفجر سفينة الروح .
سأموت ……
يقشعر بدني من هول الكلمة ، تصطك أسناني ، تطرأ تلك الفكرة الآثمة في غفلة من
هذياني ، استيقظ على شذاها " نعم سأموت " ، أدرك ذلك منذ صبيحة ولادتي ، "
ستموتين يا وفاء كما مات أخويك من قبل " و أبكي ، دمعاً يتفطر من قلبي ،
أحاول أن أحلم بأمل لن يتحقق ، لكن دموعي تفسد على خلوتي ، تنهمر كسيل مر في شارعنا
أعوام الجدب ، تتساقط كما المطر الذي لا أريده أن يغيب عني
…
سأموت …
أكاد أختنق ، ماذا أفعل ؟ " يا الهي ألهمني أي شيء ، لا أحتمل " وخزات
تلدغني ، أحترق حين ابتلع صمتي ، اصرخ و لا أحد يسمعني ، أنادى في الهواء حنقي ،
اهتف بالمارة الذين لا يرونني ، و أصمت " لماذا أصمت ؟ " أدندن لنفسي "
لن أصمت بعد الآن ، أحدق بالمرآة ، وجهي شاحب تعلوه صفرة غريبة ، معدتي تؤلمني
، جسدي ينحل و أنا اردد الكلمة منذ طفولتي " ثلاسيميا " أقولها و أضحك ، أتنشق
رعبها ، " كيف لم افهم ؟ " و أضحك ، تلفحني الذكرى التي باتت معي كظلي ، لم
أكن مثل صديقاتي أبداً ، أدركت ذلك حين كنت أتألم للحقن التي لم تتركني قط ، مات
أخواي دون أن افهم ، و أنا الآن أعلم أنها ثلاسيميا الموت ، كانت تنعتني صديقاتي
بفتاة الثلاسيميا فأضحك ،و حين أعود الى غرفتي أبكي دماً ، يتخضب وجهي بدماء قلبي
فأواسيني " هناك كثيرات مثلك أيتها المجنونة " أتأمل وجهي مرة أخرى ، "
هل سأموت هذا المساء ؟ " و من في الخارج يهرعون تجاهي ، " كيف لهم أن
يسمعوني الآن ؟" أبتسم بحنق ، " أنا لم أدعو أحداً " و أقفل الباب ، لن
اجعله موارباً ككل مرة ، سئمت مواساتهم لي ، سأكتفي اليوم بكتابة وصيتي ، سأخبرهم
بأحلامي التي تمنيتها ، همومي ، بتلك " الثلاسيميا " الساقطة التي أفسدت
عليّ دنياي ، أمسك بالقلم ، أقتلع الورقة كشجرة تتشبث بالأرض ، أكتب ...
أمي
الغالية ..
أنا
ابنتك التي جاءت في زمن انكساركم ، و
……
يخونني قلبي ، يدي ، ارتجف ، أبكي ، لست أعرف ما أريد ، تمتلئ الصفحة قطرات حب خرجت
دون وعي مني ، أعود مرة أخرى إلى عالمي ، لن احلم ، سأتم تلك الحقيقة ..
أمي
الغالية ..
يعلم الله كم احبك و أبي ، أحبكم جميعاً ، ها أنا سألحق بأخوي عدنان و رامي ، هذا
ما دعاني لأن أضع لك تذكاراً في عيد زواجك الحبيب ، يمكنك اعتبارها ذكرى لأنها ستدق
قلبك حين نسافر بعيداً ، أمي الـ.. أنا أريد أن أقول .. أنني سأشتاق إليكم ، لن
تغيب صوركم عني هناك ، عزائي هو أنني سألتقي بعدنان الذي لم أنسى هداياه فأنا لا
زلت أحتفظ بها ، و رامي الصغير المدلل ، سأسلم عليهم ، و أحتضنهم ، سأقبل أيديهم ،
و……
آه
، معدتي تؤلمني ، ساقاي ترتجفان ، رأسي سينفجر ، أبول على نفسي ، أصرخ ، أصرخ ، و
قبل أن أسقط في وحل موتي أكون قد احتويتهم جميعاً .
