كنت
أود البقاء في مرصد سرية المدفعية على " تل الضهور " فهو مكان مميز.. تتألق فيه
الروح الشاعرية على الرغم من أن المكان غير شاعري ، والعمل ميداني .
فنحن
في هضبة الجولان عام ثلاثة وسبعين وتسع مئة وألف للميلاد في حرب رمضان على خط
المواجهة مع يهود ... بيننا وبينهم سهل طوله عشرة أميال وعرضه ستة ، تحيط به من
الشرق تلول يربض عليه جيشنا ، ومن الغرب " تل وردة " و" تل شيخة " وغيرهما يحتلها
يهود ، وإلى اليمين منا " جبل الشيخ " الوقور وعليه مرصد العدو الشهير الذي احتله
بواسلنا في بداية المعركة .
هذا
السهل وإن كثرت فيه التحصينات من الطرفين المتعاديين - وبين مشاة الجيشين كيلو متر
واحد- فسلبته بعض جماله إلا أنه يجلو البصر ببعض خضرته وألوانه الطبيعية المتناسقة
وامتداده الواسع .
كنا في
هدوء بُعَيْد العصر، سبقه رعود المدافع وبريق القذائف ، نراقب الموقف عن كثب ونقدم
التقارير الشفوية أولاً بأول . فلا ينبغي أن تغمض عين أو تتوانى همّة ، فعمر
الإنسان هنا يقاس بالدقائق والثواني ، وقد تندلع نار المعركة في أية لحظة ...
-ما
رأيك ياملازم عثمان ! هل تكلف أحدهم بالمراقبة فنلعب جولتي شطرنج ؟
-لا
أرغب في هذا ، لوددت أن ألعب لعبة الأحلام ، فمنذ أن تنفس الصبح ودلّت الشمس أراني
على هذه الحال ، لم يذق طرفي لذة الكرى .
وما
إن ذكرت النوم حتى بدأ جفناي يتثاقلان .
-
عبد َ الله راقب الوضع ..
سأخلد إلى النوم دقائق ... لا تقلق راحتي إلا حين يكون الهدف دسماً
-
حاضر سيدي .
استلقيت على السرير الحديدي فأنّ ، لا من ثقل ، فقد كنت جلداً على وضم ، ولكنه عاصر
– على ما يبدو – إرم ذات العماد . فهو يئن على ذكراها كلما استلقى عليه راغب في
الراحة... ومن عادتي إذا ناداني أحد وأنا مستلقٍ عليه أن أهز نفسي ، فيصدر قعقعة
وصلصلة تفهم المنادي بأفصح لسان أنني لست نائماً...
-
صاح الجندي : هدف رائع أستحق
عليه جائزة بعد المعركة .
-
أو عقوبة ،إن شاء الله .
-
أسرع ياسيدي .. أرجوك ...
وقمت
سريعاً، فقد كنت أتوقع أن أظفر بصيد ... ولكنه صيد فاق التصور حقاً ... أمسكت
المنظار جيداً وأمعنت في النظر ، فرأيت على " تل وردة " جمعاً من الضباط من بني
عمومتنا ، تلمع النجوم الكثيفة على أكتافهم .
- هم
سبعة ياسيدي .
- بل
ثمانية أو تسعة يا عبد الله .
-
إنهما مجموعتان مع كل منهما
خارطة .
- إنهم
يشيرون إلى أماكننا، ثم يثبتون أشياء عليهما .
-
ماذا يريدون ياسيدي؟
.
- لا
شيء سوى إرسال الهدايا ... أليس كذلك ؟!
- ماذا
ستفعل ياسيدي ؟
- ليسوا
بأكرم منا ... هدايانا جاهزة ...
وأمسكت بخارطتي ... وبسرعة " متأنية " ثبّت بقلم الرصاص مكان وقوفهم .. وأصدرت
أوامري إلى مربض السرية بالاستعداد ... وهم مستعدون ، طعامهم على مدافعهم ، ونومهم
قرب الذخيرة ...
حددت
المسافة والزاوية ، وسألت الله تعالى أن لا يخيّبني .. وأصدرت أوامري :
- سدّدْ
على المسافة كذا والزاوية كذا .
- المدفع
القائد .. نار ..
وانطلقت القذيفة نحوهم .... يارب : أنت اليد التي نبطش بها ، والعين التي نرى بها ،
سدِّد الرميَ وأصب الهدف.
خفق
القلب سريعا بنبضات متلاحقة ، فالقذيفة بينهم ... ما عدت أرى لهم وجوداً ....
الخارطتان تطيران في الهواء مزقا .
- سريّة
.. صلية واحدة ... نار ..
ودكّ
المكانَ نفسَه اثنتا عشرة قذيفة .
"
وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " ...
ظللت
أرقب المكان أكثر من ساعة ونصف الساعة حتى غربت الشمس دون أن أرى فيه حركة ..
وجاء
المساء .. قال عبد الله :
- الإفطار
جاهز يا سيدي .
-
أنا لست جائعاً ، فقد كانت
وجبة الليلة ساخنة شهية ....
وبعد
شهور سمعت من إذاعة العدو تقييماً لحرب رمضان .. كان المذيع يقول : كان لمدفعية
اللواء " الثامن والستين" السوري تأثير كبير في المعركة .
ذرفت
عيناي الدموع ، ورأيتني أرفع كفيّ إلى السماء :
اللهم ’ اجعل هذا في ميزان حسناتي