عندما هرع في الصباح معزيا خال حبيبته وأجال ببصره يمينا وشمالا يبحث عنها بعينيه المتلهفتين لرؤيتها، فكانت المفاجأة التى سقطت عليه كالصاعقة فأشعلت قمة رأسه نارا من لهيب شوق وحب مختفي أسفل رماد لم يبرد أبدا ..فقد اعلمه خالها بأنها رحلت إلى خارج البلاد بعد أن نقلت عملها في اكبر شركات التأمين الأوربية بعد أقل من شهر على قرار التضحية الذي لا مثيل له في عالم يعطى للمادة وللمصالح عنوانا أوليا لكل العلاقات ..ولما اعلمه بأنها لم تستطع العيش مع أمها لأنها كانت السبب في كل ما جرى وترتب...وهنا فاضت عيناه بدموع حارقة انهمرت من أسفل نظاراته إلى لحيته الخفيفة وتبادرت إلى ذهنه فورا أن يرحل إلى حيث هي الآن...فلم يعد يستطيع فراقها فقد أحس بتأنيب الضمير على الرغم من اقتناعه بحجم تضحيته التى ما يزال يعانى منها وهو الذي تقوقع عن الأصدقاء والمعارف والحسناوات حتى اللحظة وتساءل لماذا لا اذهب إليها فالشوق قد فاض وسرى في العروق ليزيد من نبضات قلبه وخفقانه من جديد انه لها واليها ....عاد ليسأل خالها بعض الأسئلة المركزة حول مكان عملها واسم المدينة فقد عقد العزم ولا رجعة في قراره الذي خيل إليه بأنه أقل ما يمكن لإطفاء شوقه المنهمر كشلالات تتدفق وتكفيرا منه على تضحيته في سبيل إعادة أمها لرشدها وشفائها من هواجسها وحياتها الأسرية مع ابنتها الوحيدة وانتصارا لثقافاته وشهامة العربي وأصله .
مر يومان فقط ليستيقظ صباحا ويأخذ حمامه الساخن ويضع قليلا من عطره الذي تحبه هي ليهرول من الفندق وقد طلب تاكسي من الاستقبال متوجها إلى هناك حيث تعمل محبوبته وفى كافتيريا مقابلة استقر وعيناه شاخصتان يترقبان خروجها من بوابة المبنى الضخمة التى اكتست بزخارف وتماثيل توحي بقدمها العريق بتجديد في الألوان وإكسسوارات ظهرت على النوافذ التى تدل فعلا بأنها مكاتب ودوائر شركات ..كان بحدسه متأكد بان معظم العاملين في وقت الغذاء يتسابقون إلى تلك الكافيتريات المتجاورة لتناول وجبات خفيفة في خلال استراحة الغذاء قبل ان تبدأ الفترة الثانية كالعادة في معظم دول أوروبا ...
طلب فنجان من الكابوتشينو مع بعض القطع من المع جنات الخفيفة ثم اتبعها بفنجان من القهوة كانت رائحتها النفاذة تمتزج مع دخان سيجارته المتواصلة تعطيه شعورا من الراحة والهدوء..مرت قرابة الساعتان حتى انتصف النهار وهنا بدأت بوادر الخارجين تظهر والطاولات تمتلئ بمجموعات الأصدقاء وهو يراقب وينتظر خروجها ويتبادر إلى ذهنه كثير من التساؤلات لم يشاء الإجابة على معظمها ؟؟؟ واكتفى ببعض منها هل تغيرت بعد مضى أكثر من عام ونصف على افتراقهما وماذا تلبس هنا فهل غيرت من ملبسها المعتاد الذي ميز أناقتها (التايير ) التى كانت تخفى بين طياته أنوثتها الفائقة وأدبها وثقافتها فلم تشاء أبدا أن تلبس ما يضايق ويحرك الغيرة في قلب حبيبها الشرقي العربي فماذا عساها الآن تلبس؟؟ وكيف تسرح شعرها الناعم فاقع الصفار كخيوط الذهب ومع من تخرج لتناول غذائها وبصحبة من ؟؟وبينما هو على هذا الحال.....
بدأت ضربات قلبه وخفقانه يكاد يخرج من صدره نعم إنها هناك قادمة...تلحق بها واحدة لا إنهن ثلاث نساء قد انضموا إليها وهن متجهات صوب الكفاتيريا المجاورة يا الاهى تنفس الصعداء وكأن لوح من الثلج هبط من السماء على قلبه..!!.
مسح نظاراته ورتب ربطة عنقه التى كانت هديتها الأخيرة له وانطلق مسرعا نحو الكافيتيريا المجاورة متفحصا الطاولات واحدة تلو الأخرى جاءه النادل ليدله على مكان لشخص فلم يعره اهتماما وهو مازال يجوب ببصره على الحاضرين حتى استدل على الطاولة نعم إنهم أربعة نساء وهى من ضمنهم يا الاهى تقدم بخطوات بطيئة ووقف جوار الطاولة على مقربة منها ونادي... كرستينا... فانتفضت مرتعشة وكأنها في حلم فالصوت ما يزال في قلبها ماثلا فابتلعت لقمة كانت في فمها واتبعتها برشفة من الماء سريعا واستدارت وبصوت عميق ممتد نادت محمد...محمد....وألقت بنفسها بين ذراعية المفتوحتين لتمتزج دموع الفرح من الاثنين وابتعدا عن عيون الحاضرين إلى خلف عمود دائري داخل الكافتيريا ليطلقا معا قبلة كأنها الأولى بين عاشقين تفتحت وردة حبهما الأول !.. وسط تصفيق هائل من الحضور أفاقهما بعد لحظات وقد احمر خديهما خجلا وتلعثمت خطواتهما وانطلقا مسرعين إلى خارج المكان وقد تشابكت أيديهما معا إلى حيث سيكتشفان واقع كل مكنهما فلا هي تستطيع العودة بعد أن علمت بوفاة أمها حتى لا ترى عيون خالها وزوجته وعائلته تنخر عظامها كالسهام ولا هو يستطيع البقاء هنا حيث مصالحه ورسالته التى أوشكت على الانتهاء هناك فما العمل ؟؟
استيقظا معا بعد ليلة كان فيها القمر بدرا وقد اختفى...!! وكانت فيها النجوم متلألئة ما لبث أن خفت لمعانها...!! مر أسبوع كامل فقد أخذت إجازة لم تطلبها من قبل وها هي تمر الساعات والأيام كلمح البصر ليصلا إلى الحقيقة والواقع الذي لا مفر منه....فهي قد وقعت عقدا لمدة 4 سنوات كاملة كعمل خارجي وإلا ستفقد عملها نهائيا وحقوقها في المدخرات...وهو لم ينهى واجبه و رسالته التى جاء من أجلها بعد فما يزال أمامه عام على اقل تقدير ليتخرج بعدها مهندسا معماريا وينهى أعماله وليترك البلد الجميل بكل ذكرياته التى لا يمحوها الزمن ...
وهى هناك تستمر حيث قدرها المكتوب لتعلم لاحقا بأنه ترك البلد إلى موطنه الأصلي حيث دعته الأرض فندائها لا يستطيع احد مقاومته أبدا فلبى النداء ليبدأ بعدها فصل جديد من كتاب حياته و لتعلن هي استسلامها للقدر كأي شابة جميلة في سنها وريعان شبابها فالحياة مستمرة...
و يضحك الراوي ويلتفت إليه قائلا وأخيرا بعد 20 عاما نطقت باسمها مرة واحدة يا محمد..!! ويجيبه محمد متسائلا وهل باعتقادك قد انتهت القصة؟؟
إلى اللقاء.
المراجع
pulpit.alwatanvoice.com
التصانيف
أدب مجتمع الآداب قصة العلوم الاجتماعية