منذ الصباح الباكر و قبل سطوع الشمس ، و قبل أن تفتح عينيها ، صعدت هيفاء إلى السطح قفزا، ثم أخذت تجس ملابسها المنشورة ، ثم بدأت تنتزعها عن الحبل قطعة بعد قطعة . ثم هبطت كما صعدت قفزا ، و هي تقول لأمها فرحة لاهثة :

- لقد جفت كلها يا أمي .. جفت جميعا ..

كانت فرحتها لا توصف و هي تراقب أمها تكويها قطعة بعد قطعة بمكواة قديمة تعمل بالفحم ، فتخرج من بين يديها جديدة زاهية ..

بالأمس فقط اكتشفت أن لها إخوة و أخوات ، لم تكن تعرف عنهم شيئا ..

ترى هل سيرحبون بها ؟

هل سيحبونها ؟

والدها أكد لها ذلك ..

أما أمها فلم تبدُ سعيدة ...

و لم تكن مطمئنة ..

و استمرت هيفاء في حديث الذات ....

تخيلت نفسها بين أذرعهم ، يعانقونها و يمطرونها بالقبل .

فابتسمت !..

ثم تسمرت عيناها فوق عقارب ساعة الحائط المتباطئة

*****

لا أدري لِمَ يحزنني هذا الوضع ؟

ها أنا أضطر إلى العودة أعزبا ..

أولادي قساة القلوب ،

لا أدري كيف تكونت قسوتهم على هذا النحو ؟!

أمهم – رحمها الله - كانت رقيقة و عطوفة ..

أما انا فما قسوت على أي منهم قط !

بناتي رفضن البحث لي عن زوجة مناسبة ..

رفضن الفكرة من الأساس...

لن يسمحن بإحلال أي إنسان محل والدتهن ،

تلك كانت حجتهن ....

ربما لم يسمعن بالمثل القائل << أعزب دهر و لا أرمل شهر >>

و عندما تزوجتُ من إحدى عاملات المصنع ناصبوني العداء ..

<< تتزوج عاملة في مصنعك يا أبي ؟ تهبط بمستوانا الإجتماعي إلى أسفل سافلين يا ابي ؟ >>

<< و لكنكم رفضتم البحث لي عن زوجة مناسبة يا أولادي و على الأخص أنتن يا بناتي! >>

إبني سامي، لم يتقبل الوضع على الإطلاق !

أما بناتي ، فقد رضخن – فيما بعد - للأمر الواقع ، على ألا يقمن معها أي اتصال ..

تلومني أم هيفاء لأنني كنت سلبيا يوم الحادثة ..

و هل كان بمقدوري أن أكون غير ذلك ؟

إنه إبني و سندي و ساعدي الأيمن في إدارة المصنع ..

<< ماذا كانت تتوقع مني أم هيفاء ؟ >>

<< تريدينني أن أصفعه مثلا يا أم هيفاء ؟ أم تريدنني أن أهينه أمام العمال ؟ إنه أطول مني قامة يا أم هيفاء ! >>

ما أن رآها – سامحه الله - في مكتبي ، حتى دفعها فألقاها أرضا ..

أربكني الموقف ..

عطل تفكيري ..

شل يديَّ ..

لها الحق أن تطلب الطلاق ...

لها الحق أن تعتبرني جبانا رعديدا ، لأنني لم أدافع عنها !

و لي الحق أن أكتفي بلومه ، فهو ابني و سندي و ساعدي الأيمن ..

أرادت الطلاق فمنحته لها دونما اعتراض ..

و لكن ما ذنب هيفاء ، أن تعيش كاليتيمة ؟

أصبحت في الثالثة عشر ..

و آن الأوان أن تتعرف إلى بقية أفراد العائلة ..

و أن تعيش في كنف أبيها و رعايته المباشرة ..

سامي عارض ذلك بشدة ، قلبه قُدَّ من حجر..

أما بناتي فقد صمتن

أليس الصمت دليل القبول ؟

*****

طوال الطريق ، كان أبو سامي ، يصف لابنته هيفاء منزل العائلة ، بساحته الرحبة و شجرة النارنج الوارفة التي تتوسطها بجوار البحرة بمائها الدافق، و بطابقيه المليئين بالغرف الفسيحة ، و إطلال بعضها على النهر !

<< ربما ستزكم أنفك رائحته النتنة بداية ، و لكن سرعانما ستعتادين عليها يا هيفاء >> قال لها مبتسما ثم أضاف :-

<< سيحبونك يا هيفاء ، و بالتأكيد سوف تحبينهم جميعا ؛ أخوك سامي ربما يقابلك ببعض جفاء ، و لكنه طيب القلب و سوف يغير موقفه مع الوقت ، أما أخواتك فسيضممنك إلى صدورهن و يضعنك على رؤوسهن >>

*****

قرع الباب مرتين كعادته ليعلم أهل الدار بقدومه ،

ثم فتحه ،

ثم تقدم و بيده يد هيفاء ،

يدفعها نحوهم ،

يقدمها إليهم ،

يتأملونها بنظراتهم الحادة و جباههم المقطبة..

ثم ...

ثم تلتفت كبراهن إلى والدها قائلة بحزم :

- أبي ..

قبل أن ترمي هيفاء خمارها ،

و قبل السلام و الكلام ،

سأرتدي ثيابي على عجل ،

و سأصحبها إلى الداية أم لطفي ،

فقد اتفقت معها مسبقا !

- و ما علاقة الداية أم لطفي بهيفاء يا صفية ؟ يسألها والدها مشدوها ، فتجيبه :

= أم لطفي يجب أن تفحصها ..

فما يدرينا كيف كانت تنشئتها في حضن عاملة ؟

*****

و يحتدم النقاش ، و يتحول إلى شجار ...

و هيفاء قرب الباب صامتة باكية ...

و فجأة ، تجفف دموعها ، ثم تصيح قائلة :

- أبي .. أعدني إلى أمي في الحال ..

أو أذهب لوحدي ...

-------------------------------------

* نزار بهاء الدين الزين

مغترب في الولايات المتحدة الأمريكية من أصل سوري


المراجع

pulpit.alwatanvoice.com

التصانيف

أدب   العلوم الاجتماعية  مجتمع   الآداب   قصة