عاش طفل يتيم برفقة عمه حتى بلغ من
العمر ستة عشر عاما ، ثم طلب من عمه الزواج من ابنته التي كان يحبها ، فقال له عمه
عندما تكبر وتصير رجلا و الرجولة في الصبر ، وعندما أصبح عمره عشرين
عاما ، طلب من عمه الزواج مرة ثانية فقال له عمه أيضا : عندما تكبر وتصير رجلا
و الرجولة في الصبر ، ثم عندما بلغ الثالثة والعشرين عاما طلب منه للمرة
الثالثة وكان رد عمه عندما تكبر وتصير رجلا و الرجولة في الصبر .
ترك اليتيم بيت عمه ، وخرج يائسا هائما
على وجهه في الصحراء ، ورزقه الله بعمل ، فجمع في فترة سنتين ، أكثر مما جمع في بيت
عمه بأضعاف مضاعفة ، رجع اليتيم إلى عمه فرحا ، معتقدا أن عمه سيزوجه ، وأنه صار
رجلا ، أعطى كل ما جمع من مال إلى عمه ، وطلب منه ابنته مرة ثالثة ، فقال له :
عندما تكبر وتصير رجلا و الرجولة في الصبر .
خرج اليتيم من بيت عمه مرة ثانية ،
حزينا حائرا هائما على وجهه ، يكابد حرارة الصحراء وآلام الجوع والعطش ، فعثر في
طريقه على خُصٍ ( بيت من الشعر لأعرابي في الصحراء ) وقد بلغ منه العطش مبلغه ،
اقترب اليتيم من الخُص ، فإذا بقربة ماء معلقة في الظل يداعبها الهواء ، نادي
اليتيم على صاحب الخُص ، لعله يُبل عروقه ولو بقليل من الماء ، فخرجت إليه بنت صاحب
الخُص ، استأذن اليتيم من البنت أن يشرب من الماء فأذنت له ، وعندما أمسك بقربة
الماء ، ووضعها بين شفتيه، وقد شرب قدر فنجان قهوة من الماء البارد ، وفجأة جاءت
البنت واختطفت القربة من بين شفتيه ، عجب اليتيم واحتار في أمرها أشد العجب والحيرة
، كيف تخطف من فمه قربة الماء وهو يعاني من عطش الصحراء معاناة شديدة !! ؟
طلبت البنت من اليتيم أن يدخل ديوان
والدها الغائب عن البيت ، وذبحت البنت له شاة وأحسنت ضيافته ، وأكرمت نزله ، كأفضل
ما يكرم العربي ضيفه ، ثم جاءت له بعد ذلك بقربة الماء ، وطلبت منه أن يشرب الآن
كما يريد ، أكل اليتيم وشرب وحمد الله وشكر فضله .
سأل اليتيم البنت : لماذا رفعت القربة
عن فمي وأنا شديد العطش !!؟
أجابت البنت : الرجولة في الصبر
.
قال اليتيم : أنني أبحث عن هذه الكلمة
منذ عشر سنين ولم أيأس ، لقد بعثت ِ الحياة بداخلي من جديد ، فما تفسيرها ؟ .
قالت له : لو شربت من ماء القربة حتى
ارتويت لما أكلت من الطعام الذي
فالرجولة في الصبرر .
سألها اليتيم : أين أبوك ؟ قالت له :
إن أبي يسقي الماء بالماء !!
ثم سألها : أين أمك ؟ قالت أمي تخرج
كل يوم لتغضب الله !!
ثم سألها :أين أخوك ؟ قالت أخي يعارك
الهواء !!
قال لها : إنني أسمع منك كلاما عجبا ،
فهل من تفسير لما تقولين ؟
قالت : نعم .
أما أبي الذي يسقي الماء بالماء ، فهو
يمتلك مزرعة زرعها بنبات البطيخ ، والبطيخ ماء يرويه أبي بالماء.
وأما أمي التي تغضب ربها ، فتذهب كل
يوم إلى المقبرة ، تبكي على ولد لها ، أخذ الله وداعته ، ثم تعود لاطمة خديها ،
ناشرة شعرها ، ممزقة ثيابها .
وأما أخي الذي يعارك الهواء ، فهو يخرج
إلى الغابات كل يوم يصيد الغزلان والأرانب وما شاء الله له من رزق الصيد ، وإنني
هنا كما تراني وحيدة صابرة في البيت ، وعلى الرغم من أنني أنثى ، فإنني أصبر صبر
الرجال ، فالرجولة في الصبر.
استأذنها اليتيم بالانصراف ثم انصرف ،
وعاد إلى عمه يطلب ابنته من جديد ، وعندما قابل العم ابن أخيه اليتيم قال له : أين
المال ؟
قال اليتيم : لا يوجد معي مالا .
قال العم : فأين الرجولة إذن ؟
قال اليتيم : الرجولة في الصبر .
قال العم : الآن أزوجك ابنتي فالمال لا
يخلق رجالا بل إن الصبر هو الذي يخلق الرجال ولك مني فوق ابنتي مزرعة كبيرة وبيتا
وقطيعا من الحلال .
