بينهما... تشعر بالأطفال المجنحين يملأون فضاء المكان، ويرمون سهامهم عشوائيا فتصيب قلبها في طريقها إلى قلبيهما. بينهما... تشعر بانعدام الجاذبية، كأن روحيهما تفترش غيمها الوردي، فيصبح السير لمسا طائرا لوجه المطر برؤوس الأصابع. تأتي إلى عملها كل صباح بخفة عصفور يهتدي إلى عشه... تصفر لحنا تعلمته من همساتهما.يبكّران قبل حضورها. تملأ هي الآنية بالورود... بينما يحضر هو القهوة...

ويبدأان عملهما بابتكار أساليب جديدة للاحتضان... حيث لا يشكل وجودها أي إزعاج للعاشقَين... تتابع انعكاس صورتهما على شاشة كمبيوترها... فترقص أصابعها الماهرة رقصة الصهيل الحرّ في براري الكلمات، وتعزف، أثناء شرودها في ملكوتهما، خمسين كلمة بالدقيقة الواحدة.

يده على يدها يرشدها، يدلّها، تنصت إليه كأنه إله المعرفة. تعرف تماما أنها أكبر منه سناً  وأكثر منه خبرة... لكنها تسلمه دفة القيادة في مكتب الترجمة الذي تملكه. يوم جاء إليها باحثا عن عمل، تغاضت عن نقص بياناته، وانعدام خبرته، فقط لأن عينيه، كما أخبرتها، توسلتا بكبرياء، وكانت المرة الأولى التي ترى فيها توسّلا عزيزا صامتا، فوظّفته.

اغتاظت... وبحكم الصداقة التي كانت في طور النمو بينهما:"أراك لم تطلبي شهادة حسن سلوك، وبراءة ذمّة من العمل السابق، ولم تخضعيه لاختبارات المهارة والسرعة والإنكليزية كما فعلت بي؟" الألق المتهدج في عينيها الحائرتين أجاب بأنها هي نفسها لا تعرف السبب... فصمتتا وغفرت لها هذا التمييز المقصود.

بحساب السنوات تعرفها منذ سنتين، عندما أحاطت يائسة كل طلبات التوظيف وهيأ القدر أن تكون أول متقدمة لمكتب ترجمة جديد تكاد خبرة صاحبته توازي خبرتها. معا نزلتا إلى السوق لابتياع تجهيزاته المكتبية. معا وقعتا ضحية الغش التجاري، ومعا كسبتا القضية ضد الشركة، وقبضتا التعويض. معا تشاجرتا مع آلاف الزبائن المتعجرفين والمستعجلين وسلمتا الطلبات في وقتها كأنهما تعملان بأربعين إصبعا. معا سهرتا ليالٍ لتصحيح أخطاء الآلة الحرنة التي يتذكران، عند توقفها أو التهامها للملفات فقط، بأنها مجرد عقل الكتروني لا يمكن الوثوق به. كل ذلك لم يجعل منهما صديقتين حميمتين، بقيتا رئيساً ومرؤوسا. أحيانا كان العمل المتواصل يجبرهما على تناول وجبة سريعة وقوفاً، يتخللها حديث وديٌ عن آلام الظهر والدوالي الزرقاء من الجلوس الطويل، وعن الضرر الذي لحق بالعيون من التحديق بالشاشة المضيئة، وعن النقص في الأحبار ونوعية الأوراق ومعجم جديد صدر حديثاً. وبقيت حدة اللّهجة الآمرة في ساعات التأخر الصباحي، وقسوة اللوم عند حدوث الخطأ، وانعدام الثقة لتسليمها نسخة من مفاتيح الباب الخارجي أو الخزنة.

أيذهب كل ما تكبّدَتْه سدى؟ أتحتمل وحدها وزر الخيانة بعد خيبة امتلاكه؟ لماذا كان يبدو معها أكسير الشباب، مارد الخاتم، جني المصباح، السيف المرصود والحلم الموعود؟ حتى وجدت في نفسها الشرّ الكافي والجرأة اللازمة لتؤلف له عنها حكايات بغيضة سوداء تقطعها وجِلةً بعبارة:


المراجع

odabasham.net

التصانيف

أدب  مجتمع   الآداب   قصة   العلوم الاجتماعية