"أتراهم يستريحون حين الوقوف بين يدي الله وتبعات الضعفاء والجائعين والمظلومين في رقابهم، الكادحين المهمّشين المرضى والعجزة، الذين استضعفوا في الأرض، المأكولة حقوقهم، ألبسوا سرابيل الباطل زورا وقهرا."
كان ينظر في هذه الأجساد، تمثلها زوارق في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب وظلمات ظلم واقع يحياه مع الآخرين.
من يحدد اتجاه هذه الزوارق في هذه التيارات الجارفة؟ هل تجري بالأرواح التي تسكنها حقا؟ أم أن إرادة أخرى تحدد لها مصيرها؟
كان يسير وهو يفكر في كل حاكم على الأرض أقام بـِنَاءً يعبد فيه الله وطرّزه بالذهب والفضة والنقوش ليجمع فيه الخلق ليتقربوا فيه من الله ويشتغلون بالدعاء له.
كان يفكر في الحاكم الذي بنى لله بيوتا وشرد عباده للجبال والأقبية، جعلهم كالحيوانات في أكواخ القش وبيوت القصدير، طردوهم من رحمة الله ليدخلوا أبواب الشياطين.
ترى من يعرف الله حقا؟
"رفع جبينه عاليا لتلك الزرقة، الله في السماء، شعر بثبات روحه وطمأنينة استقرت في أعماقه، كان على كل من يفكر في هذا أن يصرف وقته وجهده في تبليغ الآخرين وينشأ بعث رسالة من جديد، رسالة الله للإنسان، أن تصرف خيرات الله وأمواله لسعادة عباده، ليعيش الإنسان مكرما، لقد كرمه الله حيثما حلّ، فلما يهينه الحكام ودوائرهم."
كان يمشي الهوينى، يلعق التفكير عقله، أنة في شفتيه، يغتم كلما ركب السؤال، يصير لون وجهه أصفر كأوراق الخريف، كريات دمه ملّت دمه، لبست ثوب العتاب، تعبت هي كذلك من دمه، دمه كذلك تعب من مجراه، يمر عليه الراكضون، يتقدمونه، المتعجلون يلقون عليه التحية، يرد عليهم السلام، دون التعجل في الخطو، لا يجرأ أن يحث رجليه على ذلك، لا يتحرك إلا بدافع روحه وتفكيره معا، روحه مشغولة مع فكره في قلق السؤال.
يصل باب المسجد، ينزع نعله الجلدي، أسماله المتآكلة، يضع حذاءه بهدوء في رف الأحذية المخصص لذلك.
الآخرون المتعجلون يضعون نعالهم في فوضى، يسابقون الوقت للمثول أمام الله.
يدخل المسجد يشعر برهبانية، ينظر في الصفوف، قبل أن يصلي ركعتي التحية، يلحظ أكثرية المصليين بثياب بيضاء، فيهم الأعيان والأشراف من رئيس المدينة إلى حاكمها.
قضى صلاته. انتشر في الأرض.
أثناء خروجه سمع أحد المصلين يشكو سرقة حذائه الغالي الثمن، كان يطوي مسافة العودة وصورة الأبيض تمناها لو كانت في القلوب السوداء الحاملة لوجع الإنسان وشقائه.
كان وهو عائد من الصلاة يغور في عمق السؤال متطلعا للإنسانية جمعاء، للذين يبيعون الخراب ويصدرون الموت، المعلنين للحروب والمشعليين للفتنة. وحدهم هم من يملكون قدرة بناء الصوامع والكنائس والمساجد، هم من يطلب من القديس والراهب والإمام والحبر أن يعلن آيات الله وأسفار الرب ونشرها في مواكب الجنائز والمقابر وفوق التوابيت.
هؤلاء الدافنون سبل سلام الإنسان، العاملون على تحويل العبادة سلوكا بشريا بلا روح، هؤلاء من يخنقون الإنسان بما يصنعون له من مآسٍ وشقاء.
"أتعبه هذا التفكير الذي كاد أن يكلفه حياته في إحدى أيام الصيف، مضى متثاقلا في الأزقة التي ترش رائحة الألم من بين أركانها وزواياها، تفضح عورات وجعها في صور فاجعة للحرمان، من هذه الأزقة يمشي شبحها متثاقلا معه كلما مر عليه، يجر الشبح الخيبة في التغيير، ناقما على الأيدي الصانعة لقدر الإنسان، كان يمر على الأزقة والمشردين نائمين على الأرصفة. اللصوص مدققون، متكئون على الجدران، المياميس يلتقطن الزبائن كما تلتقط الحرباء الذباب، يفرشن أعمارهن المزهرة سلعة للبغي لأجل لقمة العيش التي دفعتهم للخطيئة و المعصية.
كان يسير متثاقلا وقد بدت له هذه الأزقة نوافذ تطل على العالم، هل يشبه العالم بعضه بعضا؟ كاد نفَسُهُ يتقطع كما قلبه وأمامه رجال يتسارعون للعودة لديارهم يمرون على نفس الأماكن دون أن تتغير هذه الأماكن.
يتسارع الناس للعودة إلى عاداتهم الخفية المتستر عليها، كما يعود آخرون إلى مخابرهم لاختراع وجع آخر منتظرين وقت العبادة لتطهير أرواحهم من الخطايا والذنوب المقترفة في حق بعضهم البعض.
كان عليه أن يتأكد من الأكاذيب ولو تمسك العالم بمصطلحات الحريات الفردية والجماعية، كان عليه أن يمشي وحيدا متثاقلا، يتصور نفسه ماشيا في كل أزقة العالم، في فضاءات متعددة ومتنوعة.
سأل نفسه هل أنا أشبههم؟ لا أحد يستطيع خلق نفسه إنما يصنعها أو يرسمها غيره. خالد ساحلي


المراجع

meo.news

التصانيف

أدب  مجتمع   الآداب   قصة   العلوم الاجتماعية