مئذنة ودبابة رواية تاريخية إسلامية ، حاول الكاتب أن يؤرخ لحادثة هامة جداً في تاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة ، كان له أثر كبير جداً على العالم العربي كله في النصف الأخير من القرن العشرين ، هذا الحدث الهام والخطير هو هـدم النظام السوري الحاكم لمسجد السلطان بالدبابات في حماة عام (1964م) بعدما اعتصم فيه الأخ مروان حديد يرحمه الله ومعه مجموعة من الطلاب ...

ولما صار الأمر الخطي في جيب قائد اللواء (45) الذي رقص طرباً ، سيدمر المسجد بأمر من الرئيس ، وستنتصر الدبابة على المئذنة ، يعود إلى بلدته وعشيرته مرفوع الرأس والجبين ، يقول لهم : دمرت أعز مساجد حماة وأغلاها عندهم ، ثم هتف بجهاز اللاسلكي :

ـ آلو (11) أنا (1) كيف تسمعني أجب . ـ فأجاب قائد السرية : أنا (11) أسمعك جيداً أجب . ـ يا (11) طوق المسجد حالاً ، ثم دمر المئذنة والقبة ، واعتقل أو اقتل من يوجد فيه ، واعلمني حالاً . ـ حاضر سيدي العقيد .

تكاثرت الدبابات حول مسجد السلطان ، ترافقها المصفحات ودبابة قائد السرية التي كتب عليها بخط عريض أبيض ( يسقط الدين ، ويحيا الحزب ) ثم أمر قائد السرية بعض جنوده بدخول المسجد . لكن الرصاصات القليلة المنطلقة من المئذنة كانت تقتنصهم قبل ذخول المسجد ، عندئذ هتف الملازم أول قائد السرية بجهاز اللاسلكي : ـ آلو (112) هل تسمعني أجب . ـ أنا 0112 اسمعك جيداً أجب . ـ يا (112) ارم المئذنة بقذيفة خارقة في أسفلها ـ حاضر سيدي الملازم أول . وكشر الرقيب قائد الدبابة عن أنيابه القذرة ، ثم بصق في جهة المئذنة ، وجلس مكان الرامي وبعد أن قال الملقم : ـ خارقة جاهز . وأمسك قبضته في جدار برج الدبابة ، سدد الرقيب بهدوء على أسفل المئذنة ثم تحسس الزناد الكهربائي وصاح : يحيا البعث ، وارتجت الأرض واهتزت الدبابة كحصان يجمح ، وتململت المئذنة.

ـ آلو يا (112) كرر أحسنت كرر بنفس المعطيات ، فزمجرت الدبابة ثانية وثالثة ورابعة ، بينما كانت المئذنة تميل في كل مرة بلطف وهي متماسكة الحجارة ، حتى لامست أرض المسجد فانفرطت حجارتها ، وخرج منه الأخ المختبئ فيها سالماً ، وفـر من ساحة المعركة ، وعاش بعدها عشرات السنين . ومازال حياً حتى كتابة هذه الرواية ...

ـ آلو (1) سيدي وقعت المئذنة . ـ هيا اقتحم المسجد ، مادام القنص انقطع من المئذنة .ـ حاضر سيدي العقيد . وتقدم عدد من الجنود مع طرفي الشارع لاقتحام المسجد ، وقد شـد كل منهم يـده جيداً على الزناد .

تحسس محمود بلطلته جيداً ونظر إلى منقذ وقال : ـ جاء دوري ، أوصيك بتقوى الله ، وقفز محمود إلى قرب الباب الرئيسي الشرقي ، ووقف كالنمر منتظراً دخول أول جندي كي يقطع رأسـه ، فيأخذ سـلاحه ويواجه الأنذال . وعندما رأى رأس البندقية دخلت رفع بلطته جيداً ثم هوى بها على رأس العسكري فقطعها ، وخطف بندقية (كلاشن ) وفيها ثلاثون طلقة صحيحة ، وبلمح البصر قفز محمود إلى الشارع يفرغ الطلقات الثلاثين في صدور الجنود المتحفزين لدخول المسجد الذين تساقطوا كالعصافير ، بينما ثبت رامي رشاش المصفحة نيرانه على محمود ورماه بأكثر من مائة طلقة مزقت جسده الطاهر رحمه الله تعالى عند الباب الشرقي لمسجد السلطان ، بعد أن قتل أكثر من عشرة من جنود النظام سقط محمود وهو يردد( أشهد أن لاإله إلا الله ، وأشهد أن محمداُ رسول الله ، الحمد لله لم يدخلوا المسجد وأنا على قيد الحياة ) .

كاد يجن قائد السرية فراح يهذي في اللاسلكي : ـ آلو (1) ياسيدي ، شيطان أو جني ، لا أدري ... ارتعدت أوصال العقيد من هذه الألفاظ ، فتكلم في جهاز اللاسلكي ، لكن قائد السرية لايسمعه لأن يـده جمدت على مفتاح الإرسال ، ومازال يهذي : ملك ، جني ، شيطان ، لا أدري قتل لنا نصف جنود الفصيلة . كرر العقيد النداء عدة مرات : ـ آلو يا (11)  ماذا جرى ؟ ومازال قائد السرية جامداً على مفتاح الإرسال ، لذلك دخل العقيد على تردد السرية وقال : ـ آلو يا (112) هل تسمعني أجب ، أنا (1) ـ احترامي سيدي ، أنا (112) أسمعك جيداً ـ يا( 112) قل لي ماذا جرى ؟ هل فطس قائد السرية ؟ ـ لاياسيدي ، قائد السرية حي ، وإنما خرج من المسجد واحد عجيب قطع رأ س العسكري ( ابو عرب ) بالبلطة  وأخذ بندقيته وقتل أكثر من عشرين من عناصرنا ، وأحبط أول هجوم على المسجد . ـ وهل قتلمتوه ؟ ـ نعم سيدي قتلناه برشاش المصفحة ، وذاك جسده ممزقاً عند باب المسجد . عندئذ قال العقيد : ـ اسحبوا الجنود من الشوارع المحيطة بالمسجد بسرعة ، وأدخلوهم في الدروع ، وبعد أن هدأت أعصاب الملازم الأول (قائد السرية) ترك مفتاح الإرسال ، فتحول الجهاز إلى الاستقبال وسمع أوامر العقيد وهو يتحدث مع الرقيب . فقال : ـ أنا (11) ياسيدي ، خرج علينا واحد من المسجد قتل أكثر من عشرين عسكرياً منهم الملازم قائد الفصيلة الذي قاد الاقتحام على المسجد ، والرقيب أول قائد الأربجي ، ـ وهل قتلتموه ‍‍؟ ـ نعم قتلناه .ـ هل أنت متأكد أنه قتل ‍‍؟ ـ نعم سيدي ذاك هو مـمدد عند باب المسجد . قال العقيد :     يا ( 11) اسحبوا الجنود من الشوارع المحيطة بالمسجد ، ولاتخرجهم من الدروع ، ثم دمـر قبـة المسجد ، واستمر بالقصف حتى يخرجوا مستسلمين أو يموتوا كلهم . ـ حاضر سيدي العقيد .

انهالت القذائف المتفجرة من عدة دبابات على قبة المسجد ، فتساقطت بينما التصق الطلاب عند الزوايا يحتمون من شظايا القذائف الضخمة عيار (100) ملم ، وعندها نظر منقذ في وجـه توفيق وقال : ـ وماذا بـعد ؟ هل نموت هكذا !! لقد سبقنا محمود ، والآن جاء دورنا ، أين زجاجات المولوتوف ؟ ـ هاهي ، ـ سنجعل الفتيل قصيراً جداً ، ولنرمها على خزانات الوقود في الدبابة ، فإذا انفجرت اشتعلت النيران في الدبابة ، ثم تنفجر الدبابة بذخيرتها ، ثم تناول منقذ زجاجتي مولوتوف ، ونظر إلى كوة جديدة فتحتها القذائف قبل قليل ، وأحس بقوة تدب في أوصاله يشعر بها كل من يعانق السلاح ، فأشعل الفتيلين ، ورمى الزجاجتين على دبابتين معاً قبل أن يمزقـه الرصاص ، وعندما كان يتضرج في دمـه سـمع انفجارين متتاليين دوت لهما أرجاء حماة كلها ، وارتفع اللهب من الدبابتين ، وتحولتا إلى كومة من الخردة والفحم والدخان ، بينما ذهل الجنود لهول المفاجأة ، قفز توفيق إلى الجانب الغربي وفجر دبابتين أخريين ، وسقط هو الآخر شهيداً عند الباب الغربي .

ـ آلو سيدي (1) دباباتنا تحترق ، خسرنا أربع دبابات في لحظات ، وما عرفنا نوع السلاح الذي دمرها . أجاب العقيد : ـ يا ( 11 )  ياحمار ، ِلم َ لم ْ تدمر المسجد حتى الآن ‍‍؟؟ ـ ياسيدي رميت القبة وتهدمت ، لكن واجهنا سلاح عجيب متطور جداً ، أقوى من دباباتنا فماذا أفعل ؟

دخل الرعب قلب العقيد فاتصل مع الرفيق القائد : ـ ياسيدي عندهم سلاح عجيب ، أكيد زودتهم به الامبريالية الأمريكية ، إنه من أحدث أسلحة الترسانة الأمريكية ، صواريخ عجيبـة ، وموقفنا صعب للغايـة ، فأجال الرفيق القائد :

ـ ماهذه الانفجارات التي هزت حماة كلها !!!؟ ـ أربع دبابات لنا احترقت بهذه الصواريخ الأمريكية العجيبة . ـ عيب يارفيق !!! ماذا تريد !!! هل نطلب الطيران !!! والله عيب ، نادوا عليهم بمكبرات الصوت ، قولوا لهم سوف نحفظ لكم أرواحكم ، اقسموا لهم بالشرف العسكري ، والقبض عليهم أحياء أفضل من قتلهم ، يجب أن يحاكموا ، وتبين عمالتهم للإمبريالية ، لكن احذروا من غدرهم بكم . ـ حاضر سيدي اللواء .

عندما سمع مروان مكبرات الصوت تنادي المعتصمين ، وتطلب منهم الاستسلام ، وقد اختلط الغبار بالدخان مع رائحة البارود ، ودماء الشهداء ، وجثث الجنود في الشارع ، نظر حوله فآلمه منظر أطفال في المدرسة المتوسطة والثانوية ، بعضهم مازال متحمساً للموت في سبيل الله ، وبعض آخر أصابه الذهول لما سمع ورأى ما لم يخطر في بـاله أبداً ... وبعضهم يصرخ خوفاً وهلعاً ...

وكانت الساعات التي عاشها مروان في المعركة كافية لتبين لـه أنـه أمام عـدو شـرس ، أشـد كفراً وحقداً من الفرنسيين والانجليز ، وتبين له أن هؤلاء الأعداء لايجدي معهم الجهاد السياسي ، فقد قابلوا جهاده السياسي بالدبابات والمصفحات منذ اللحظة الأولى ، وقتلوا طالباً في المظاهرة لأنه يهتف ، يتكلم ، فهؤلاء لايسمحون للشعب بالكلام ، ومن يتكلم يقتل فوراً بلا محاكمة  ، وعرف مروان أن مواجهة هذا العدو تحتاج إلى إعداد طويل لتكون مواجهة عسكرية منذ البداية ، لامواجهـة سياسية ، لقد تغيرت قناعته من هذا الحدث ، كان يريد من اعتصامه في المسجد أن يقود أهل حماة في إضراب ، واعتصامات مدنية ، ومظاهرات ، وغيرها من الأعمال السياسية ، حتى يسقط الحكم العسكري ، وقرر الاعتصام في المسجد لأن الجميع يعرفون أن المسجد لاتدخله القوات المسلحة ، لايدخله الجيش ، كما لاتدخله الشرطة . ولكن هذا العدو حاول دخول المسجد مذ وصوله ، لم ينتظر لحظة واحدة ، ولولا مسدس (نمرة سبعة ) في المئذنة لدخل الجنود المسجد حال وصول القوات إلى المسجد ، ثم لولا أن أعان الله محمود ، وقطع رأس العسكري بالبلطة ، لدخل الجنود بعد أن دكوا المئذنة ، ولما تعذر عليهم دخول المسجد هدموه فوق رؤوس أطفال في المرحلة المتوسطة .

تبين لمروان أن هذا العدو لايفهم السياسة ، ولا العمل السياسي ، وأنه أشـد بطشاً بالمواطنين من الفرنسيين والانجليز ، وتبين له كذلك أن عشرات مثل محمود ومنقذ وتوفيق يرحمهم الله تعالى ، سيرغمون هذا العدو على الانهيار ، وسيدمرون جبروته ، وهكذا نبتت فكرة الطليعة المقاتلة في ذهن مروان في تلك الساعة ، عندئذ صف الأولاد والشباب في صفين وخرجوا من المسجد رافعي الأيدي ، ثابتي الجأش والخطى ، وقد آمنوا أنه لن يصيبهم إلا ماكتب لهم .

ـ آلو ، سيدي العقيد ، خرج من المسجد شيخ شاب طويل القامة جداً ، خلفه مجموعة من الأولاد ، فأجاب العقيد : ـ هذا هو المجرم الرجعي ، اعتقلوهم وحافظوا على حياتهم لمصلحة التحقيق ، سوف نفضح أمرهم أمام الشعب كله .

تكاثر الجنود حول الأطفال الصغار يصوبون بنادقهم نحو صدورهم الصغيرة المؤمنة، ثم فتشوهم واحداً واحداً ، وحملوهم في السيارات العسكرية .

قبل أن يصل التفتيش إلى عبدالله قرر أن يخطف البندقية من العسكري ، ويفعل كما فعل محمود الذي سبقه إلى الجنة ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ، وطمأنه صعود أكبر عدد من إخوانه إلى السيارات ، ولم يبق سوى القليل منهم ، ولن تصيبهم رصاصات المعركة المنتظرة ، وفي لمح البصر ضرب العسكري بقبضة يديـه معاً خلف أذنه فخر صريعاً ، بينما أخذ عبدالله بندقيته ، وعندها خرقت جسده الطاهر رصاصات قائد الفصيلة ، وجثى عبدالله على الأرض واستفاد من البندقية وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ، وقتل بضع جنود العدو قبل أن يموت ، عندما صوب العدو رشاتهم على دماغه يرحمه الله .

وسقط على الأرض التي سقط عليها محمود ومنقذ وتوفيق ، فقد ولدوا في عام واحد ، عندما جلا الفرنسيون عن سوريا ، وترعرعوا في بلد واحد ، وتعلموا في مدرسة واحدة ، واستشهدوا في مكان واحد ، ويوم واحد ، وسار موكب الأربع تزفهم الملائكة وحور العين إلى جنة الرضوان برحمة ربهم وإذنه إن شاء الله تعالى .

وفي دار الحكومة ( السرايا) فرز الأسـرى حسب أعمارهم إلى ثلاث فئات : مروان والجامعيين ، ثم طلاب الثانوية ، ثم طلاب المتوسطة والابتدائية، وأحضر الجيش كميات من الأسلحة وضعت أمام الأولاد والتقطت لهم الصور التي نشرت في صحف اليوم التالي ، وكتب تحت الصور العناوين التالية :

جيشنا العقائدي يعتقل مجموعة من الرجعيين

استلم الرجعيون أسلحة من إسرائيل والإمبريالية

المواطنون في حماة يتظاهرون تأييداً للحزب الثوري


المراجع

odabasham.net

التصانيف

مجتمع   الآداب   قصة   العلوم الاجتماعية