من فوق الجدار المرتفع نحو ثلاث أذرع، شاهدت البواخر الضخمة تندفع نحو غياهب الأفق. تحمل مسافري العمل والأمل إلى ديار الخير الموعودة. لمحت أيضاً بواخِرَ كبيرةً تنبثق من بوابة الأفق؛ تترنح مثقلة بالعائدين إلى الأهل والديار من رحلة الحلم والتعب. وعندما اقترب المساء ودنت تلك البواخر من الميناء، أبصرت مئات من طيور النورس ترفرف في الفضاء فوق الشاطئ فكأنها رايات بيضاء تلوح بالفرح والتحية للقادمين.
صرت أكذب عليها
وصارت تصدقني
على مضض.
انقضت بضعة أشهر ولم نسمع خبراً عن أبي أو منه. هو يعيش في بلاد بعيدة، بلا عنوان معروف، ونحن نحتمي من الفقر في غرفة منسية على أطراف المدينة. دروب اللقاء به مجهولة، ودروب البحث عن أخباره أيضاً. خيوط الوصال تمزقت أو تكاد، واتَّسع الزمن بينه وبيننا. ملامحه أخذت تبهت في المخيلة شيئاً فشيئاً، لكن الحاجة إليه كانت تكبر أكثر وأكثر. بل إنه، وبمرور الأيام، بدأت تظهر على أمي بوادر الانشغال عليه والحنين إليه. بدا لي أنها اقتلعت أنانيته وطيشه من ذاكرتها. حاجتها إلى رجل في البيت كانت أقوى من كل الذكريات، ومن كل أحلامه المدمرة وجنونه. لعلها صارت تحس أن المسؤولية هي حمل ثقيل، وأن العمل في معصرة الزيتون قدر سيئ للغاية. ومن المؤكد أنها كانت تواجه مصاعب أخرى حقيقية ومشاكل معقدة. فالرجال المهووسون بالشهوة كانوا ينصبون لها إغراءاتهم وإزعاجاتهم على جانبي دربها.
امرأة بلا رجل هي امرأة لكل الرجال. هكذا يقول المثل النافر على ألسنة الأهالي في المدينة. ولماذا لا تكون امرأة ليست لأي رجل؟ امرأة لنفسها، أو لابنها، أو حتى للشيطان؟ لا جواب. الشهوة تقتل الحكمة. بعض الرجال كالذئاب؛ يتهافتون على الضعيف من النساء. قد تكون أمي سقطت بين ذراعي أحدهم مرة أو عدة مرات.
فقد صار يحدث أن ترجع إلى سريرنا المشترك في ساعة متأخرة من الليل، فتداعبني وتقبلني ولا تغفو إلا قليلاً قبل أن يَحينَ موعد ذهابها إلى العمل. كانت تظهر لي حنيناً استثنائياً في مثل تلك الليالي. أمي فضلت أن تخفي عني دقائق يومها وعظيم أمرها. حاولت أن تبدد قسوة العيش بالأمل والعمل.
دللتني بكثرة، برقة متناهية، وتَتَبَّعَتْ أحوالي وتمسكت ببسمة التفاؤل والخير. مدتني بأسباب الفرح والسعادة ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، وأظهرت رضاً عن يومها وعزيمة على تجاوز الحال. لكن القناع كالزمن، كلاهما مخادع. بدعة هو لإخفاء المضمون لا لتغييره. ففي الليل، ومن وقت إلى آخر، كانت تستيقظ في ساعة متأخرة، فتنهض من الفراش بحرص وهدوء. تتأكد أن انسلال ذراعها من تحت رأسي لم ينتشلني من أعماق النوم، وتمشي إلى خارج الغرفة متهادية. تقف متكئة على الجدار وتبكي. وفي بعض الأحيان كانت تتكاسل فتذرف دموعها في الفراش بتكتم شديد وحرص. لم أواجهها بمعرفتي بالأمر إطلاقاً. لم تكن تعلم أنني أستيقظ على أنفاسها إذ تضطرب، وأنني شاهد صامت على تجرعها مرارة النهار في الليل.
إن العذاب الذي كانت أمي تعاني منه وتتكتم عليه هو الذي جعلني أكذب عليها. فذات يوم فاجأتني بقول حازم وقاطع:
- لا ترجع إلى »قلعة الخواجة« ثانية، أبداً.
- لماذا يا أماه؟ ماذا حصل؟
- علمت أن المجرمين يخبئون أفعالهم بين جدرانها. القلعة تتنفس الجريمة، فلا تأتها مرة أخرى.
هكذا نهتني أمي، لكنني لم أستجب لنهيها. رغبتي كانت كبيرة جداً في أن أجنبها المزيد من المواجهات والتحديات. بدأت أكذب عليها وصارت هي بدورها تصدقني على مضض. رجعت إلى »قلعة الخواجة«. تسلقت جدرانها المهدمة وتجولت في أروقتها وسراديبها المظلمة بشكل يومي. فكما واظبت أمي على الخروج إلى العمل في الفجر، دأبتُ على الذهاب إلى القلعة في الضحى والكذب في المساء. فالمكان شدني إليه بقوة الحنين إلى البلدة واللعب.
في الواقع، ألفت »قلعة الخواجة« بسرعة ويسر. أحببتها فكأنني ولدت بين أحجارها. شعرت بالارتياح الملفت والأنس الكبير في بيئتها. بين ركامها، كنت أشعر أن الغربة والعجز هما أقل وطأة. العزلة لا تداوي الغربة؛ تُسكّن آلامها حينا وحسب. خلوة هادئة هي، وواحة واسعة لتجليات الروح. نافذة مفتوحة على آفاق البحر والأمل. أبراجها القديمة ترصد ذاكرة الماضي وتحييها، فكأنها تطل على هضاب الضيعة وبساتين الزيتون ورحيل أبي. قلعة هجرها الناس، وهجرت أنا الناس، فالتقينا على قارعة الزمن والحياة.
ولئن تخليت عن الرضا في القلعة وكففت عن الذهاب إليها بعد حين، فإنني لم أفعل ذلك بناء على رغبة أمي ووصيتها. لا أبداً. ثمة شيء آخر وضع حداً قسرياً ومفاجئاً ونهائياً لعلاقتي الطيبة برياض العزلة تلك.
فذات يوم، وكما هي العادة، مضيت إلى »قلعة الخواجة« في ساعة متقدمة من الضحى. كان الجو دافئاً على الرغم من ريح تهب من جهة البحر وتحمل الرطوبة إلى أحشاء المدينة وأجساد البشر. سرت في الأزقة متثاقلاً، مضطرباً، مُعَبَّأً بالغم من شأن أمي وبالحيرة من حالها.
أمي تأخرت جداً في المجيء إلى البيت في الليلة السابقة. لم تتمدد إلى جانبي في الفراش حين وصولها. لم تترك أصابع يدها تدِبُّ بين خصلات شعري الطويل. لم تقبّل عنقي أو تستنشق رائحته. بدل ذلك، أشعلت السراج وانتصبت على مقربة من وسادتي وراحت تنظر إلى وجهي النائم والكرب والأسى يحرق الجمال في محياها. راقبتها بعمق وبشيء من العطف. لا شك في أنها تحبني كما الحياة. لكن وقع الأمومة صارخ ومؤذٍ حينما يقترن بالحاجة والعوز. بعد تأمل طويل، خرجت أمي إلى أمام الغرفة وبكت بكثرة، بشدة. شعرت أن قلبي يتقطع حزناً عليها. نهضت من نومي الكاذب ومشيت بدوري نحوها. باغتها في حال من العذاب والمعاناة. وَثَبَتْ من مكانها؛ في مكانها. مسحت دموعها ومددت بسمة متشنجة على شفتيها. أبدت خجلاً مني لأنها تبكي. لم تشأ يوماً أن أرى دموعها تسقط على هذا النحو الغزير، المرير. سحبتني من يدي إلى الفراش من جديد.
رائحتها كانت غريبة، مختلفة عما ألفته؛ وأشبه ما تكون بمزيج من العطر القوي وعرق التعب أو القلق.
حالاً، حينما بلغت »قلعة الخواجة«، وقت الظهر، تسلقت الجدار الحجري المهدم المطل على أفق البحر. أرخيت حبال الشجن. طيرت الخيال في الفضاء الواسع. تطلعت إلى تجاوز الممكن. الأمنيات لا تعرف حداً أو منطقاً. خاطبت أبي عبر البواخر المغادرة. توسلت إليه أن يرجع إلى أمي. إنني أحمل همها، وتحمل هي همي، وكلانا يقاسي ويداري ويخبئ سره. تمنيت أن يعود من تلك الديار البعيدة التي تغري الرجال بأكثر مما تفعله الأسرة وبيوت الحنان وطول العشرة. وبأي مال سيعيد الدفء إلى الأيام؟ وأي أموال تلك التي يمكن أن تعوض المرء المصلوب أعواماً على عارضات الشوق والحرمان؟ أي أموال تملأ الفراغ الذي يخلفه الفراق في الحياة؟ صوتي كان يموت في صدري. لكنني كنت، مع ذلك، أشعر بأن البواخر المسافرة تحمل رسالتي إلى أبي. تلوّح له بها من بعيد وهو ينتظر على المرفأ من الجانب الآخر من البحر.
لا بد من أنه يأتي إلى المرفأ الغريب مع فرق العمال المهاجرين ليستقبلوا أفواجاً أخرى من العمال وطائفة من أخبار البلاد. على الأقل، هكذا سمعت أمي تقول وهي تبحث عن شخص ما قد يحمل له رسالة.
نزلت عن الجدار منزعجاً فكأنني أعاتب أبي وألومه. ندائي له متواصلٌ، لكنه لا يجيب. مشيت نحو أعماق القلعة، حيث يوجد خلوات وسراديب كثيرة بين الركام والأحجار الكبيرة. شئت أن أنزوي تماماً، وألا أرى شيئاً أبداً. فليس لي رغبةٌ، في تلك اللحظة، حتى الرغبة في رؤية النور. مررت عبر البرج المخروطي المتصدع. هبطت الدرج الترابي الصغير ومشيت في الدهليز الداخلي الواقع في الأسفل؛ تحت البرج مباشرة. بلغت نهاية الدرب وولجت الغرفة التي كانت تمثل سجناً للسياسيين الكبار في عهد الاستعمار العثماني.
سجن هدمه الزمن والمقاتلون من أجل الاستقلال الوطني. وهناك كانت المفاجأة. فبالرغم من أن الغرفة كانت معتمة شيئاً ما، حيث أن ضوء النهار يدخل إليها عبر فتحة ضيقة في السقف، شاهدت على حين غرة رجلين عاريين يتناكحان في أحدى الزوايا الداخلية. دهشت، وثبتُّ في المكان للحظة. ثم ما لبثت أن أدركت الموقف، فأدرت لهم ظهري وأقفلت عائداً. غير أنه في الحال، صار علي أن أهرب. ذلك أن واحداً منهم تبعني بغية القبض عليّ. ركض خلفي وهو يرفع بنطاله ويتحشم. سبني بغضب شديد فزادني خوفاً. كنت أسرع منه على كل حال. ابتعدت عنه. رماني بأحجار عديدة وقد فقد الأمل بأن يمسك بي. لم يصبني بأذى، لكنه توعدني بأعلى صوته:
- يا ابن العاهرة، سأدوسك بحذائي عندما أمسك بك، سترى.
المراجع
odabasham.net
التصانيف
مجتمع الآداب قصة العلوم الاجتماعية