لطالما تمنيت في الأيام اللاحقة أن يعود »أحمد« إلى المعمل؛ لكنني كنت أعلم جيداً أنني أقذف أمنيات في الفراغ. حتى عندما يستعيد عافيته لن يزاول قص ألواح الصابون ثانية. عاهته ستمنعه، وكذلك ذكرى الألم. فكما كان يؤنسني وجوده في المكان، أضحى يحزنني غيابه عنه. كنت أحتقن مرارة كلما لمحت مكان الحادثة أو آثار دمه القاتم المتيبس على عارضة خشبية ملقاة أرضاً.
بعد فترة وجيزة من إصابة »أحمد«، صرت بدوري أبتعد عن العمال أكثر فأكثر. ثم، ما لبثت أن توقفت تماماً عن الانتصاب على مقربة منهم تحت الشمس ساعات طويلة متواصلة من النهار. ذلك أنهم نادراً ما كانوا يظهرون اهتماماً بوجودي أو لباقة بالتعامل معي. إهمالهم لي كان يدخل إلى قلبي الشعور بالقلق والوحشة. بل إنهم كانوا عندما يدعونني لتناول كأس من الشاي معهم في فيء الجدار الطيني، وقت الظهر، يتهامسون على أمي، فأغرق في الحيرة من أمرهم ومن أمري. كلهم يشتهونها بقوة الحرمان المزمن. يريدونها للمتعة. يريدونها لليلة أو لليلتين ملونتين بلون الخمر وجسدها العاري.
فرغباتهم المحاصرة منذ التكوين كانت تطغى على كل شيء، وتحررهم من الأدب والأخلاق ومساءلة الضمير. رغباتهم المكبوتة كانت تخط اللوعة في تطلعاتهم وتلقي بظلال المرض والحسرة في سحنهم الجافة. وبالرغم من أنني كنت متيقناً من أن تطلعاتهم إلى جسد أمي هي مجرد هوس لن يتحقق، وأن كلامهم عنها يجف في حينه فلا يؤدي إلى فعل ولا يترك أثراً، إلا أنني كنت مع ذلك، أخشى نجاح رجل منهم في إيجاد مكانة له إلى جانب مكانتي في قلب أمي. الوقائع تنذر بالخطر، لكن الحرص الشديد قد يخلق الوهم به، وهذا أشد وقعاً وأنكى.
ابتعدت عن العمال لِما كانوا يثيرون في صدري من قلق وشعور بالإهمال والدنيوية المفرطة. صرت أخرج من دائرة المعمل فأتجول حوله بدل أن أدور فيه. فعلت ذلك بحذر كبير في بداية الأمر. فما أن كنت أبتعد عنه قليلاً حتى كانت تزداد مخاوفي من الضياع والغرباء، فألقى نفسي عائداً إلى حاضرته على عجل. بيد أنه مع مرور الأيام اكتسبت المزيد من الجرأة والثقة بالنفس.
اتساع الفراغ وتغلغل الملل دفعني إلى التحرر من الأوهام التي حملتها معي من الضيعة كما حملت اسمي وأحلامي ولهجتي. حثني على القيام بشيء ما في سبيل الانعتاق من المخاوف. المغامرة هي طريق الإنسان إلى العظمة، كان يقول أبي. وقد تكون طريقه للهلاك، كان عليه أن يضيف. ولكنه لم يفعلْ. مشيت عبر الشارع الطويل حتى بلغت نهايته، ثم انعطفت نحو ساحة تستدير حول محطة النقل؛ ساحة مختنقة بالمتاجر والباعة المتجولين والشطائر والحافلات والمسافرين. تأملت الناس بعينين ضائعتين ولغايات غير محددة. شاهدت أولاداً بمثل عمري يطوفون في الساحة وبين مقاعد الركاب ويبيعون مرطبات وهدايا. بعض منهم كان يعرض على المسافرين بالونات ملونة وصافرات ورقية طويلة، وينادي على بضاعته بصوت عال. لم يخفف حالهم من ثقل حالي شيئاً. الغربة تزداد، فكأنها حيوان يسمن بالأحداث، أو كأنها بالون في يد واحد من أولئك الأطفال؛ يجب أن ينتفخ كثيراً قبل أن ينفجر. كانت غربتي تكبر بين الناس.
ذات يوم ذهبت أبعد من ذلك بكثير. تجاوزت وصايا أمي وحدود الحذر. مشيت في شوارع لم أمر بها من قبل، وعبرت حارات لا أعرف أسماءها، وألفيت نفسي في نهاية المطاف، في مكان يخلو من البشر، لكنه مليء بالشجون.
وصلت بمحض الصدفة والتيه إلى مكان مرتفع من المدينة وصار بوسعي أن أرى؛ إن استدرت إلى الخلف، امتداد البحر بعيداً بعيداً فكأنه عملاق يصلني ويفصلني عن أبي في آن. أمامي، أبصرت بقايا مجد مهشم وآثار تاريخ عظيم؛ بناءً حجرياً حطمه الزمن والرغبة في النسيان. ما زال حتى اليوم يدعى »قلعة الخواجة«. كان الحاكم العثماني للمدينة في زمن السلطان عبد الحميد الثاني يقيم في ذلك المكان مع حاشيته ونسائه، ومن هناك يراقب البحر وأحوال الناس. قلعة مدمرة ومهملة بشكل رديء، ولم يبق لها من حصانة ولا تحصين غير أقوال المؤرخين وذاكرة القوم الجماعية. تجولت بين الغرف المهدمة وفي أروقتها الضيقة. نزلت إلى السراديب وصعدت إلى أبراجها. استكشفتها بشغف. مخابئها كثيرة جداً، وكذلك أوساخها وحراذينها وفئرانها وزنابيرها وخنافسها وعناكبها. هي واحةُ حشرات كانت. تسلقت على جدار عريض لازال يقاوم الزمن بثبات. جلست على حافته مدلى الساقين ورحت أنظر إلى البحر بفضول. كان الميناء مرئياً جلياً. هناك ودعت أبي بلوعة وصمت، ومن المحتمل أن ألقاه يوماً ما في المكان نفسه. لن ألومه. سيكفيني عذراً له أنه عاد.
المراجع
odabasham.net
التصانيف
مجتمع الآداب قصة العلوم الاجتماعية