عادت أمي من التسوق عند المغيب. دخلت إلى غرفتي فوراً وسريعاً. كانت تحمل لي بنطالاً جديداً وحذاءً بلاستيكياً أسود لامعاً. كانت تتطاير كفراشة من شدة الفرح بذلك. كانت مندفعة بهديتها، وكانت تأمل أن تغرس البسمة في وجهي وتسرّب إلى صدري بعض السرور. المدينة جعلتني أقل قدرة على الضحك. كانت أمي تشعر بذلك جيداً. كانت تحزن لهذا الطالع وتقلق منه بشدة. كانت تفعل ما بوسعها كي أسترد بسمتي والانفراج في سحنتي. عبثاً كانت تحاول. ذهبت فرحتها حالاً وحل محلها وجوم وأسَىً عندما وجدتني منكباً على وجهي وقد بللتُ الوسادة بالدموع وتلونت سحنتي بالعذاب. جلست إلى جانبي وراحت تداعب عنقي من الخلف بطراوة ورقة. حاولت أن تدير رأسي نحوها لكنها استجابت لرفضي سريعاً وتخلت عن الأمر حيناً. - ماذا جرى؟ سألتني بعد صمت. - لا شيء. - استدر نحوي وقل لي يا بني، إنني أمك، وليس في هذه الدنيا من يسمعك ويفهمك ويساعدك مثلي. - لماذا هرب أبي منك ومني؟ قلت واستدرت نحوها غاضباً. - من قال هذا؟ - زوج خالتي. قال إن والدي لم يحتمل رؤيتنا ففر إلى مكان مجهول وراء البحار، وإنه لن يعود إلينا أبداً. أصيبت أمي بموجة من الذهول والصمت.

نظراتها شردت واحتقن وجهها بدماء الغضب. رأيت بعد حين الدموعَ تسقط من عينيها. الدموع المصحوبة بالصمت رهيبة! داعبت شعري وقالت: - سأبحث عن بيت نستأجره في الغد. سأبحث عن عمل أيضاً. لا عليك يا ولدي. انتقلت أمي بعد ذلك إلى سريرها قبالتي وانطوت على أحزانها وحاولت أن تنام. إنهم فقراء مثلنا، يبحثون عن خبزهم بطريقة غير طريقتنا. أخذت أمي يدي وصرة ثياب ومضينا إلى حمام المدينة وقت العصر. كان الجو حاراً، وكانت أجسادنا تحكنا من تراكم الوسخ وتقطر العرق. آنذاك، كان قد مضى خمسة أيام على »نزوحنا« من بيت خالتي الذي وصفته أمي بالمعيب والكئيب، وأقسمت ألا ترجع إليه ثانية على الرغم من عَوزِها. ولماذا يعود أمرؤ إلى مواطن الإذلال والإهانة؟! حقاً، لقد عملت أمي ما في وسعها، وبأسرع ما يمكن، كي نبتعد عن أذى زوج خالتي المنافق، اللئيم، ذي الوجوه المتلونة. لم تتريث ولم تتأن البتة في بحثها عن بيت لنا. على أن هذا لم يكن حسناً. فلقد دفعها الحرص والتسرع والفقر إلى أن ننتقلَ للعيش في بيت حقير في حي »الدالية« الشديد الفوضى والإهمال. إنه المسكن الأول الذي عثرت عليه أمي على أية حال، ولم تكن لديها أدنى إرادة في تأجيل انتقالنا إلى مسكن مستقل. لم تكن لتهتم بسبل الراحة أو بأحوال المكان في تلك الفترة وفي تلك الظروف. كان يعنيها قبل كل شيء وأكثر من أي شيء أن تعثر على ملجأ، أي ملجأ نفرّ إليه من رجل غليظ العشرة؛ يحكي فيجرح ويداعب فيؤلم. البيت الذي انتقلنا للعيش فيه، كان صغيراً للغاية؛ حجرة واحدة قائمة منفردة في العراء في باحة خارجية تابعة لمعمل صابون يدوي. لا أظن أن أحداً يتذكره الآن. لقد محاه الزمن، وحل محله متجر كبير لتصنيع القوارب الصغيرة وبيعها، وامتلأت مخازنه بالأخشاب وآلات الحفر. كان يُسمى »معمل هادي«، وذلك نسبة إلى اسم صاحبه الطيب.

مسكننا الجديد إذن، كان مقتصراً على غرفة تافهة واقعة على طرف المصنع. كان منظره موحشاً للغاية، وكان يزيد من وحشته أولئك العمال الغرباء الذين يمارسون أعمالهم تحت الشمس وصدورهم المصلية عارية وعضلاتهم بارزة كقدح شر. كانوا يتعمدون المرور بجانب غرفتنا، ويتطلعون إلى أمي بعطف وشهوة. كانوا، كلما سنحت لهم الفرصة، يحادثونها بتودد وتصنع وعيونهم تحكي رغبة وشبقاً. على العكس منهم، كان السيد »هادي«، صاحب المعمل والكياسة المتميزة، يدخل الطمأنينة إلى صدري. كانت قسماته مكتظة بشارات السمو والسماح، وكانت كلماته هادئة مفعمة بحسن النوايا وأمنيات الخير. رجل انار وجهه بالإيمان؛ كما وصفته أمي. كانت، رحمها الله، تنتشي وتسعد بعد كل حديث معه. إنني أتذكر بنوع من الافتتان والامتنان السيد »هادي« وهو يقدم لنا مفتاح الغرفة ويشرح لنا حدودنا وحدودها. يا إلهي كم كان لطيفاً وخجولاً وهو يخبرنا بأنه يجب علينا أن نتدبر أمر اغتسالنا في عتبتها أو في المدينة أو عند الأقارب، أو حتى في البحر! كم من مرة عبّر عن أسفه لأنه لا يستطيع أن يساعدنا أكثر وبخاصّةٍ في هذا الأمر! كم كان حرجه كبيراً وهو يخبرنا كيف أن المرحاض سيكون لنا وللعمال في آن، وأنه سيطلب منهم تنظيفه بين حين وآخر. كان المرحاض يقع في الطرف الأخر من المصنع، إلى جانب صنبور الماء المنتصب في الفناء، وكان على أمي أن ترافقني إليه في الليل. لم أكن أخاف الظلام ولكن أمي كانت تخاف عليّ منه.

كنت أرافقها إليه في الليل. لم تكن أمي تهاب العمال، لكنني كنت أخشى عليها منهم. أتذكر أيضاً بوضوحٍ وصفاءٍ وجهَ أمي الشديدَ التوتر والاكفهرار ساعة انتقالنا إلى المسكن الجديد. لم تكن راضية عنه بحال، لكنها في الوقت نفسه لم تفكر البتة بخيارات أخرى. وأي خيارات أخرى متوفرة لامرأة ريفية مهجورة تجر ابنها والخيبة والفقر في شوارع المدينة؟ كانت همتها عالية لكن الحزن كان سطراً بارزاً في محياها. فأين يا ترى، فضاء القرية والبساتين من هذا المكان الحقير؟ أين رائحة الأرض والعشب في الضيعة من رائحة المصانع والغبار في هذه الدائرة المعزولة عن نور الصباح وشمس الأصيل؟ أين عالمي المفتوح على الله واليقين من هذا العالم المطل على الآلات والريبة؟ أين نظافة بيتنا من قذارة المكان الذي سننام ونطبخ ونأكل ونستحم فيه؟ كانت الغرفة متسخة للغاية، وكانت أمي تنظر إلى ذلك بتأفف ورفض. فلقد كان العمال في السابق، قبل أن ننتقل إليها، يحتمون بها من الحر ويتناولون وجباتهم السريعة هناك، ويستلقون أرضاً وأحذيتهم المتسخة مرفوعة إلى فوق. كانت جدرانها ملطخة بالسواد وببقايا زيت وآثار شاي، وكان لونها من لون فلترالسجائر المحترقة. ولم يكن حال الغرفة من الخارج أفضل أبداً. فقد كانت الحفر منتشرة بكثرة، وكذلك أعشاش السنونو ومخلفات الحمام. كان بابها خشبياً عتيقاً يكاد لا يقوى على صد النسيم من النفاذ إلى الداخل. ويبدو أن أحد العمال كان قد لصق عليه صورة لفتاة شبه عارية، ولم يرق الأمر لعامل آخر فحاول انتزاعها. خلع نصفها فقط فَشَوَّهَ الصورةَ والباب. لم تتوان أمي عن الفعل.

كانت تظهر لي إصراراً عجيباً على أن تخلّص الأشياء من مراراتها وأن تَجْتَزَّ التعاسة من ألوان المكان وتنثر عليه فرحاً من طبعها الفرح. كانت عزيمتها على خلق واقع جديد كبيرة؛ بل كان هذا تحدياً لا مناص من قبوله والانتصار عليه. عملت طوال الأيام الأولى على تنظيف الغرفة وترقيع الحفر والثقوب. كلّست الجدران ثلاث مرات. فعلت ذلك بهمة ونشاط لا مثيل لهما، لكن باشمئزاز يلوح في مقلتيها. كانت، بين الفينة والأخرى، تنادي والدي البعيد، التائه خلف الحلم والبحار، القابع في ظلال الذكرى بلا عنوان، متمتمة بعصبية وملامة: - تعالَ وأنظر إلى ما تركتَ وراءك. تعالَ تفرج على آثار جنونك وعجزك. عملت أنا أيضاً مع أمي بجدّ واندفاع. ساعدتها على أمل أن تتجاوز محنتها مع المكان وقذارته. كنت مستعداً للقيام بأي شيء مقابل أن تسترد بسمتها الدافئة كحضن السماء في الصيف. آه لو كنت أعلم فقط كيف أرد لها بسمتها المفقودة في حالة من الضياع! على كل، بذلت ما تصورته ممكناً وجيداً. نقلت لها الماء من الصنبور البعيد في وعاء طبخ معدني صغير. سندت السلم الخشبي حينما كانت تصعد عليه لتكليس السقف أو المناطق المرتفعة من الجدران. واسيتها بالقبلات واللمسات متطلعاً إلى أن يأخذها ذلك إلى شيء من الهدوء وإلى شيء من الرضا. نظفت الباب من بقايا الصورة المشوهة ومن قشور الدهان المتشقق النافرة. جمعت المعلبات الفارغة المتناثرة حول الغرفة. كنست التراب الناعم المتراكم عند حافة الباب. عالجت بؤر النمل الكثيرة المتواجدة حولنا. تجنبت السؤال أو الحديث عن والدي لعلمي أن ذلك كان يغضب أمي ويجعلها حادّة المزاج ومنطوية على نفسها. ولقد طاب لأمي تضامني الشديد معها، لكنه حقن صدرها بمزيد من الحزن. فهي لم تكن ترغب في رؤيتي كبيراً، محملاً بهموم الكبار، قبل الأوان. على أن روح أمي هدأت في نهاية المطاف؛ بحلول اليوم الخامس بعد انتقالنا للعيش في تلك الغرفة الحقيرة. ذلك أن كل شيء فيها أضحى نظيفاً. أما جسدانا والثياب فلا. فرائحة البؤس كانت تفوح منهما، وتغالب رائحة الزيوت في المعمل. ولذا قررنا أن نذهب بعد الظهر إلى حمام المدينة للتخلص من آثار التعب والقلق والعرق. تجملت أمي طويلاً قبل أن نمضي فكأنها كانت تخبئ عيباً.

ضياع الهوية في المدينة سمح لها بأن تشدد على أنوثتها بالمساحيق دون خجل أو خشية من ملاحظة جار أو من ملامة أب. مررنا عبر السوق الكبير في طريقنا إلى الحمام. الباعة يجمعون خضارهم وفواكههم التالفة في صناديق خشبية على جانب محلاتهم. ذباب وزنابير ومتسولون يرتعون في تلك الصناديق. الباعة يرتبون بضاعتهم ثمرة ثمرة، ويدعون المارة إلى الشراء. إغراءاتهم عديدة لكنها لا تنطلي على الكثيرين. اشترينا حبتين من التفاح الأحمر ذي العطر القوي. كان البائع السمين كبرميل زيت يَرمُقُ أمي وكأنه لم ير امرأة منذ أعوام. التهمها بعناية. قال لها كلاماً لطيفاً. كانت تبتسم له على مضض. من المرجح أنها كانت غير مرتاحة لإطرائه وغير مهتمة بنواياه، لكن الضعيف يضحك للذي يسبّه أو يسبّ الذي يضحك له. أهداني حبة ملبس بيضاء كبيرة كان قد أخرجها من جيبه أمام ناظري. طبطب على ظهري بتودد. أخذتها منه ومضيت دون أن أشكره. على أطراف السوق الكبير من جهة الشمال استوقفنا طفل يبيع متجولاً صوراً كبيرة لجمال عبد الناصر وأشياء أخرى. كان رث الثياب، عصبي المزاج، كثير الكلام. شكا لنا من الحر واليتم والفقر بجمل متواصلة فكأنه تدرّب عليها وحفظها ليثير الشفقة. والدته ميتة، قال، وزوجة أبيه ظالمة؛ تعضّ ساعده وتطعمه خبزاً يابساً. تبسمت له أمي بصدق. الابتسام لا يعنيه. طفل متعوّد على الشك في نوايا الناس، ولا يقيم وزنا للمشاعر الطيبة. وماذا يفعل جائع بحسن الكلام؟

بحثت أمي عن شيء ما بين بضاعته المحمولة فلم تجد ضالتها. عبّرت له عن أسفها وشكرته بلمسة حنان وعطف. غضب لأنها لم تبتعْ منه شيئاً. توجهت إلى طفل ثانٍ كان واقفاً على الجانب الآخر من الشارع وعيناه الصارمتان بغموض تنظران إلينا بثبات ممل. اشترت منه أداة حلاقة مصنوعة من بلاستيك أصفر رخيص وعلكة. شاءت أمي إذن، أخيراً، أن تزيل الشعر عن جسدها؛ الأمر الذي كانت تفعله في حالات نادرة. وصلنا إلى ساحة »الدوار الكبير« فكانت المفاجأة التي حملتني إلى غربتي وقلقي والرغبة المتجددة في الهروب إلى الوحدة خلف الأبواب المقفلة. لا جدوى من الحنين إلى الضيعة المفتوحة على البساطة وبساتين الزيتون. لن ترجع أمي إليها أبداً. لم يبق لها هناك غير ذكرى أطياف من المرارة. - وماذا لنا في هذه المدينة؟ سألتها ذات مرة محتجاً. - الأمل، قالت باختصار ولزمت الصمت. المفاجأة في ساحة »الدوار الكبير« جعلتني أبحث عن والدي في الوجدان الممتد إلى الرابية وإلى أطراف »البيت القديم«. حاصرتني في أعوام الطفولة الأولى. الغربة ليست شعوراً وحسب، ليست واقعاً يفرض نفسه بقوة فيعكر صفاء النفس، هي قبل كل هذا، أكثر من ذلك، تحديات متواصلة وخوف وقلق. كان علينا أن نعبر الساحة ونستأنف الدرب إلى حمام المدينة الواقع في عمق حي »السرايا«. لكن هذا الأمر بدا غير ممكن. فليس من سبيل للتقدم في الساحة وصولاً إلى الشارع العريض المؤدي في نهايته إلى غايتنا. ذلك أن حشداً مهيباً من الجماهير كان يملأ المكان صراخاً وحماساً وأعلاماً وصوراً ويافطات. شعارات لا تحصى يقول بعضها: الوحدة...الوحدة. تسقط سايكس – بيكو. يا ناصر انصر ناصر. قطع الإقطاع ولا قطع الأرزاق الصهيونية مشروع استعماري بريطاني. الصهيونية عيب الغرب في بلادنا. شعارات أخرى كثيرة، كانت مسطرة بالمغرة الحمراء على القماش الأبيض. رجال الشرطة المدعمين بعدد كبير من الجند، كانوا يحيطون بالمتظاهرين مسلحين بالبنادق الأوتوماتيكية والهراوات. كانوا يرصدون بعيون متفجرة باليقظة مواطن الشغب. كانوا يسجلون كل حركة وكل صرخة، وقسمات كل شخص. شعرت بالخوف يموج في أوصالي أمام ذلك الكم الهائل من الرجال المسلحين بالجدية والبنادق والأزياء الرسمية. أحسست بالقشعريرة بمواجهة تلك الجمهرة الكبيرة من الناس المندفعين المتدافعين. بحثت عن راحة أمي وتركتها تضم راحتي. غير أن المشهد، بالنسبة لوالدتي، كان مدغدغاً للمشاعر ومثيراً للفضول. امسكت أصابع يدي بقوة وتوقفنا جانباً. تفرجنا على المتظاهرين عن بعد، بصمت، وذهول، ونوع من الإكبار والإجلال. كانت أمي هادئة فكأنها بين قومها، بينما كنت أشعر بأن روحي تنسلخ من رحمها فكأنها تولد في العراء. كنت أشعر بها تنزلق بعشوائية فكأن سيلاً من ماء عكر يتقاذفها في واد عميق. هي الأرواح تولد أكثر من مرة، بطرائق مختلفة وبهيئات متجددة. دعوت أمي للذهاب والابتعاد عن الضجيج وعن النفوس الهائجة. تمنيت عليها أن تسحبني من حيرتي من هؤلاء الناس المنفعلين. رجوتها أن تنتزعني من الخشية من أولئك المتظاهرين غير القادرين على ضبط انفعالهم وسلوكهم. لكنها واستني بلمسات أناملها الدافئة اللطيفة كنسمة هادئة وقت الظهيرة. دعتني إلى التريث. قالت لي: - لا داعيَ للقلق يا بني. إنهم فقراء مثلنا يبحثون عن خبزهم بطريقة غير طريقتنا. لم يخفف قولها من رغبتي في الابتعاد شيئاً. وهل أشرس من رجل يبحث عبثاً عن طعام يومه؟ وقفتنا طالت، وصرت أشعر بالملل يشد على صدري وبالتعب يتسرب إلى ساقيَّ. لكن أمي كانت في حالة وصال لصيق مع الأمل الذي كانت تبعثه بعض شعارات المتظاهرين وخطاباتهم في نفسها. قُبيل المغيب بنحو ساعة وصل إلى المكان تباشير حشد آخر من الجماهير.

أصواتهم الصاخبة، الغاضبة كانت تسبقهم إلينا. جاؤوا من الجانب الآخر من الشارع الواسع حاملين يافطاتهم وأشعارهم وعصيهم. شعاراتهم كانت مختلفة، وكذلك مراميهم ومطالبهم. كان هديرهم صاعقاً؛ يعبر عن إرادة موت أو مس جنون. لا شك في أنه كان حشداً هائلاً ومهيباً. على أن اقترابهم من ساحة »الدوار الكبير« لم يكن حسناً ولا حكيماً. فلقد تغير على حين غرة مزاج المتظاهرين في الساحة. خف ضجيجهم قليلاً؛ أولاً، ثم ساد ارتباك وكثر الكلام. وما هي إلا هنيهة قصيرة حتى صاح أحدهم بحماس شديد عبر مكبر صوت يحمله بيده: - عليهم يا شباب، مرغوا أنوف هؤلاء الانفصاليين الخونة بالوحل. تعالت بعدها صيحات »الله أكبر« من الجانبين، واندفع المتظاهرون في الساحة متحمسين للقاء الحشد الآخر بالقبضات والعصي والسكاكين. تشابك الحشدان بالأيادي وتداخلا سريعاً. سمعنا أطلاق رصاص، فأخذتني أمي بهلع بالغ وهربنا نحو الخلف؛ نحو السوق الكبير. ثم انحرفنا نحو شبكة الشوارع الضيقة. ابتعدنا عن المكان وبلغنا حمام المدينة التفافاً، لكن أصوات إطلاق الرصاص كانت تشتد كثافة، وكانت ما تزال تسمع جيداً. تنبَّهت في الحمام إلى أن أمي لا تحمل الكيس المصنوع من جلد الماعز ملفوفاً حول خصرها بالحزام القطني كما كانت تفعل دائماً. بل، انقضت أعوام كثيرة بعد ذلك دون أن أراه خلالها، لم أنسه تماماً، ولكني لم أهتم بشأنه كذلك. كانت غربتي تكبر بين الناس. صارت أمي تتركني نائماً وتذهب في الصباح الباكر إلى معصرة الزيتون الواقعة في قلب المدينة القديمة. بدأت تعمل عند السيد »هادي«؛ صاحب الثراء الكبير وسلسلة من المعامل وغرفتنا الحقيرة. كانت تنهض من فراشنا المشترك بعد قليل من سماعها أذان الفجر القادم من مئذنة مسجد قريب؛

نشطة دائماً وحيوية. تمسح جسدها بماء ساخن وزيت عطر مستخلص من خليط أعشاب برية يغلب عليها الشيح. تسوي شعرها على مهل فكأنها تتغزل به فتؤازر النفس. ترسم عينيها بالكحل البلدي بتأن شديد. تعد لي طعام الظهر وزاداً تحمله معها وتمضي. كان عليها أن تمشي بسرعة وهمة أكثر من نصف ساعة حتى تبلغ المعصرة. فالطريق طويل وليس من واسطة نقل تحملها إلى المكان. في الغالب، كانت أمي ترجع إلى البيت في أوقات باكرة من المساء؛ فتستنشق رائحتي وتقبل عنقي وتداعب شعري قبل أن تخلع حذاءها وقبل أن تضع حقيبتها جانباً. نعد العشاء معاً وهي تحكي لي يومها، وأنا أحكي لها يومي. فالشوق هو عنوان اللقاء. غير أنها، وبعد شهرين أو ثلاثة، صار يحدث أحياناً أن تصل إلى البيت في آخر السهرة وشارات التعب والإنهاك بادية في محياها، فتستلقي سريعاً وتضمني إلى صدرها وتحافظ على الصمت فكأنها في حال من الضياع أو الشرود. كما أنه صار يحدث أن تعود أحيانا جد متأخرة؛ بعد أن أنتظرها طويلاً بلا جدوى فأتعب وأغفو. بين ذهاب أمي وعودتها؛ أو لا عودتها، كنت أتقلب في جحيم الفراغ والهلوسة. أصلب أبي على مذبح اللعنة. أناديه بهمس فكأنما أقترف جرماً. أمي لا تطيق ذكراه، لكنه لا يخرج من ذاكرتي. أعود إلى الطفولة الباكرة وأصعد معه الرابية في الضيعة راكباً على حمار يجره بطرف حبل فيتسع الرضا.

أسير معه في البستان، بين أشجار الزيتون أو على حافة الساقية الضيقة في أسفل الوادي، فأرى حدود العالم بحدود الرؤية. كان والدي واحة أمان؛ وكنت في حلٍّ من أمري. بداية، رحت أمضي نهاري وحيداً في مدار الغرفة. أتجول في محيط المعمل دون غايات. الغايات تتحدد على الطريق. أقترب من العمال. أقف على بعد أمتار قليلة منهم وحيداً، تائهاً، مضطرباً. أراقبهم وهم يقطعون ألواح الصابون الممدَّدة على الأرض. أجسادهم صلبة، وكذلك نظراتهم. بين الفينة والأخرى يغني أحدهم. يغنون معه فرادى أو جماعة. يحدون للحب والحبيب. وعلى الأرجح فإنَّ معظمَهم لم يعرف هذا ولا ذاك، لكنهم مع ذلك، ينشدون لهما. حتى غناؤهم يميل إلى البؤس والشقاء. الفراق والقسوة واليأس والإجحاف وعدم الوفاء من خصال المعشوق في تلك الأغاني. ولماذا يحن أمرؤ إلى شخص يخون؟ لماذا أحن إلى أبي؟ »أحمد« كان أشدهم قرباً مني. وهو شاب في العقد الثالث من العمر، قصير، أصلع، قلبي الخطاب ومشغول الذهن في الغالب. كان يبادلني الحديث باستمرار. شرح لي مراراً أحوال العمل فكأنني رجل كبير، كأنني صديق. لم أكن أعلم هل كان يفعل ذلك عطفاً على حالي أم تقديراً لي أم أنه كان يتخذ مني مدخلاً محتملاً إلى قلب أمي. كنت أرتاح إليه كثيراً على أية حال، حتى لقد صار جزءاً من يومي، وجزءاً من كلامي. وعندما تعرّض لانزلاق مفاجئ وسقط على شفرات المقصّ الكبيرة، ففقد نصف قدمه وتوقف عن القدوم إلى المعمل، اضطربت كثيراً وتكدرت. ذلك أن غيابه المفاجئ، المأساوي، أعادني إلى عالمي المتقوقع على ذاته وسط عالم المدينة. الحادثة التي قضت على نصف قدمه وعلى وجوده في حياتي هي التي نسفت بوادر الألفة التي كانت تتكون وتنضج في نفسي. في الواقع، خسرانه على هذا النحو جعلني أرى الغربة أفقاً مفتوحاً لا حيلة لي للتغلب عليه. الغربة وحش تتجدد فيه الحياة كلما مات، هكذا بدت لي الأشياء في تلك الفترة من العمر، وفي تلك الظروف.


المراجع

odabasham.net

التصانيف

مجتمع   الآداب   قصة   العلوم الاجتماعية