يد صغيرة، بضة ، تهزها، توقظها ..
- أمي مابك ؟
تتأمله لحظة ، ثم قالت ،
وعينيها تبحث في أرجاء شقتها :
- ألا تسمعه ياحبيبي ؟ إنه
صوته ، إنني أسمعه .
يضحك الصغير ، يبدو وكأنه
قد فهمها ، يحك رأسه قليلا ، يفتعل حركاته ، يقلدها في حركة رأسها ، يبدو أنه ينصت
للصوت مثلها :
- تقصدين صوت السيارة التي
مرت قبل قليل يا أمي ؟
لاتجبه ، فيقتنع في داخله بأنه لم يعطها الجواب
الصحيح ..
- ربما سمعت صوت صراخ صديقي
" أحمد " ، أتوقع أن أمه ضربته لأنه فعلها في ملابسه، و" ياسمين " أنها تغني
بصوت عالي ، أن صوتها جميل ،إنه يعجبني ..
راح الصغير يخبرها بكل
الأصوات التي سمعها منذ الصباح ، وهي في عالم آخر ، كان الخوف والتردد واضحين على
ملامحها، لقد سمعته وهو ينادي عليها مرارا ..
احتضنت صغيرها إلى صدرها،
فأطلق صرخة وهو يحاول التملص من بين أصابعها ، كانت تضغط عليه بقوة دون أن تشعر،
وقف أمامها، يحملق فيها ..
أمي مابك ؟
نعم مابها ؟
ما سر هذا التغير الذي
أصابها ، تبدو مريضة وساهمة، الهالات السوداء التي تطاولت حول عينيها ازدادت بغتة
، الشحوب التي اعتراها فجأة، الأصوات التي تسمعها في كل مكان ..
منذ رأته ..
هو السبب في كل ماحدث لها ..
ذلك الشاب ، ابن الجيران
الجدد الذين سكنوا المنطقة منذ فترة قريبة ، الذي سارع بنجدتها حين سقط ابنها أرضا
، وأصيب في رأسه، حمله في حنان إلى المستشفى ..
عند ذلك تذكرت الصوت الذي
سمعته، عندما اقترب منها ..
أنت جميلة ..
التفتت تنظر إليه ، ولكنه
كان هادئا، صامتا، رزينا، وعينيه تحملقان في الصغير، ورفعت رأسها تنظر يمنة
ويسرة ، أغمضت عيناها، وأبقت جفناها حتى تستعيد وعيها ولكن الصوت عاد فجأة ..
انظري إلى جمالك ، أنت
تستحقين رجلا ..
هذه المرة قفزت من مقعدها
كالملسوعة، والتفتت تنظر إلى ممرات المستشفى ، لم يكن
هناك سوى الممرضات
وهو واقف معهن يتحدث مع الطبيب عن حالة ابنها ، وشعرت بالخجل من نظراتهم وانزوت في
مقعدها، والشحوب قد اعتراها وبشدة ..
استسلمت تماما وهي تسير خلفه، كان يحمل صغيرها ، والصوت يعود إليها ، يخترق رأسها..
لاتستسلمين هكذا، أنت رائعة ..
رفعت رأسها بسرعة، كان
الصغير في حضنها، وهي في الشقة ، تطلع من نافذتها إلى الشارع ، حيث شقة جارها
الشاب ، أسرعت إلى مرآتها، عدلت من شعرها ، مررت أصبع الروج على شفتيها ، اقتربت
من النافذة ، خفق قلبها، شعرت بدقاته تتجاوز أمور وتفاصيل عاشتها في مرارة منذ
وفاة زوجها..
تجاهلت نظرات الجارات
الحاقدة ، الهمس المصوب إليها ، لأول مرة في حياتها ، تخلت عن خجلها والعادات
والتقاليد التي تربت عليها ، وأسرعت تتقافز من على السلالم ، دون أن تنتبه للوجوه
التي تطالعها ولا الأصابع الموجهه إليها ، ووجدت نفسها تقف وجها لوجه أمام جارها
الشاب الطالب ، الذي تفاجئ بها..
وحملقت به في حزن وتعب ..
والوجوه حولها ، تصنع دائرة
من دوائر الحياة ، بكل المشاعر المختلفة التي عرفتها ولم تعرفها..
وهمست ..
وكان همسها عاليا ، اجتاز
البيوت والنوافذ ، وأذان الجارات والجيران ..
أنا أحبك ..
وحملق فيها ..
ثم سقطت كتبه وأوراقه على
الطريق ...