الليلة الأولى:‏

أنّ الراوي قال: ‏

فلمّا نأى ذلك اليوم البعيد -الذي قـاد فيه العسكر "ممّي آلان" إلى "السفر برلك"ـ عن الذاكرة الواهنة ‏لأمٍّ أضناها الفراق، جفاها النوم، وهجرتها الطمأنينة، وعلى قلبها والعينين ران تأرّق عنيد، فخرجت ‏إلى صحن الدار تناجي طيف وحيدها الغائب.. ‏

أيتها الذرى الذاهبة –بعيدًا- في السماء، أيْنهُ!؟ ‏

لا تهزّي أكتافك المُتدثرة بالخضرة، لتقولي لي -من ثمّ- إنّك لا تعرفين! فلقد خالسَني يومًا، وانحدر ‏نحو أقدامكِ على صهوة جواده الكميت! ‏

أيتها الشعاب والغيران الغائصة في ضباب الصباح، بالله عليك دلّيني، أين أخفيتِ "ممّ"؟ ولا تنكري ‏على أمٍّ مُلوّعة سندها الوحيد وفلذة كبدها! ‏

أيتها اللغة التي تفيء إلى الصمت، ألستِ شاهدة على أنكِ كنتِ قد أعرته أجنحتك الشفيفه لحظة أن ‏رحل، فإذا تغافلتِ عن توسّطك في ما بيننا آنئذ، فلا تذهبي إلى أنكِ ما كنتِ الكلمات الغميسة ‏بالأسى، حين قال: ولكنني سأعود يا أماه! ‏

وأنتَ أيّها "السفر برلك"! أما أزف أوان أوبته!؟ لكم أنت كتوم أيها "السفر برلك" كليل داج! لكم أنت ‏مُؤلم مثلما خراج -في الجوف- ينـزّ! ‏

آه أيّها "السفر برلك"! هي الشـيخوخة تخلخل العمر، مُبعثرة سنواته المُثقلة بلوعة الانتظار، وتبحث ‏عن يدٍ حانية تفيض بين أصابعها الروح!‏

مقدّمات اللّيلة الأولى: ‏

وقال الراوي: ‏

وكانت الأم تجهل بأنّ "ممّوها" قد عاد، غبّ أن دخل الليل نصفه الأكثر صمتًا، وأسبلت المساكن ‏جفونها! ‏

أمّا لِمَ لمْ يسعَ "ممّ" إلى أمّه أوّلًا!؟ ‏

وما الذي دفعه لأن يتسلّل إلى الدار من الباب الخلفيّ، ويندسّ في فراش زوجته؟! ‏

هل كانت الزوجة تعرف بأنّ حماتها جالسة في صحن الدار، تناجي صورة ابنها الغائب!؟

أم أنّ "ممّ" كان يدفع الأقدار حتى ترتسمَ بالطريقة التي اتفّق وقوعها بها!؟ ‏

فإنّ الراوي لم يكن يملك إجابات شافية لهذه الأسئلة، لذلك فإنّه تجاهلها، وعاد يسهب في الكلام عمّا ‏يعرفه، مردفًا: ‏

وكان به شوق عارم لرؤية والدته وزوجته، لكنّه آثر أن يؤجّل لقاء أمه إشفاقًا على عمرها، فهل ‏كان "ممّ " يعرف أنّه بذلك يحرف ليلته الأولى –هذه- عن مسارها، لتتّخذَ سمتها باتجاه أن تكون ‏ليلته الأخيرة!؟ ‏

تفاصيل الليلة الأولى: ‏

أمّا الزوجة، فتقول في معرض ما وقع من تفاصيل في الليلة الأخيرة: ‏

ما إن دخل "ممّ" عليّ، حتى شعرت بأن ليلًا غامرًا -ظلّ يضغظ بثقله المُبهظ على الأعماق لسنوات ‏سبع- ينـزاح عنها، وأنّ غصنًا -كنتُ قد توهّمتُ بأنّه يبسَ- شرع يُزهر فيها! ‏

الليالي الطويلات المُتقلّبة بين قطبي القلق المُمضّ والحنين، تراجعت إلى حجمها وزمنها ‏الموضوعيّيْن! ‏

والجسد الذي ثار على الفوات والخسران آناء الليل وأطراف النهار هدأ واستكنّ! ‏

والأشواق التي بثثتها له مع خفقات الأجنحة والرسائل، اجتمعت إلى بعضها جذلى، حتى لكأنّها كانت ‏‏–حقًا- السبب في عودته! ‏

شيئًا فشيئًا، كانت المُفاجأة المذهلة تلج سياقها، ومعها كانت الألسنة التي رمتني بالسوء في غيابه، ‏والمحاولات التي رامت زعزعة علاقتي به ترتدّ إلى أصحابها مدحورةً! ‏

قمتُ! ‏

‏"إلى أين!؟"، قال، فقلت: ‏

‏-‏ أزفّ البشرى إلى أمّك! ‏

لكنّه قال: ‏

‏-‏ هي امرأة طاعنة في السنّ، فدعي البشرى إلى أن يستيقظ الصباح! ‏

زهرة دانية للقطوف كنت، وكان "ممّ" نحلة تطوف بفوافيّ! وكصحراء قاحلةٍ تفاجأتْ بالمطر ‏أنشأتُ أرتشف الهتون الزاخر الأعطاف بما اختزنه من توق دافق! ‏

كان يكرّ، فأجاريه بشغف شهويّ وأفرّ، ثمّ يناله التعب، فيتراجع مُفسحًا لي المجال لأداور وأناور ‏وأكرّ! ‏

وكانت ليلة سكرى بالأشواق وعبيق القبل، حتى إذا أخذ الإرهاق منه كلّ مأخذ، انقلب على ظهره، ‏وراح في نوم عميق! ‏

إضافات على الليلة الأخيرة: ‏

بينما أضاف "ممّ" نفسه ما يمكن أن يعدّه الراوي إضافات تضيء ما قبل الليلة الأخيرة، وليس ما ‏بعدها، إذْ قال: ‏

‏"كانت السنوات تمرّ ثقيلة، بطيئة، ومُضنية، كنتُ خلالها رهين إحساس مرمض بأنّني عود أصابه ‏اليباس، أمّا عدوّي الأكبر -إذا استثنيت الذاكرة- فكان يتلخّص في كلمة واحدة هي "الزمن"! ‏

صيف أحمق، يليه شتاء أرعن، وخريف أعجف، يليه ربيع لا يشبه الربيع في شيء! فلا تسلني عن ‏البلدان الكثيرة التي قادتني قدماي إليها! ولا تسلني عن قطعات "الانكشـاريـة" المختلفـة التي قاتلت ‏معها في "البوسنة" و"اليونان" و"كريت" و"قونيـة"! ‏

يا الله! كم مرةٍ اكتسى الموت فيها شحمًا ولحمًا، وواجهني، ولكنني لا أعرف كيف أفلتّ منه! وكم ‏فجرٍ مُكحّل بالغبشة تفكّرت بأنّه الفجر الأخير الذي أشهده! وكم شاقني توق لا يُحدّ إلى أمي ‏وزوجتي! وكم هزّني القلق عليهما في غيابي، فيما الذاكرة تنشقّ عن إدراك حادٍ، بأنْ لا أحد لهما ‏يعتمدان عليه من بعدي، فيتضاعف قلقي، وتروح الأسئلة تقضّ مضجعي متمحورةً في متى، ‏وكيف!؟

كلّ شيء كان يناديني! حجارة الوادي الصماء التي ألفتني لكثرة ما اعتليتها، قزعات الغيوم التي ‏كانت تظلّل كوخنا كلّ حين، الثلج الناصع البياض الذي كان يجلّل هامات الجبال من حولنا، حقلي ‏الصغير، وقطيعي، وقبضة محراثي القديم، أنسام الروابي الوانية، وكنت قد يئستُ من العودة! ‏

ولكنّ الفرج أعقب اليأس على غير موعد، فرحتُ أسابق النَفَس إلى أهلي! أنْ أفوق العين في ‏رؤيتها، أو أستعير من الطير جناحيه، وأحمّل الريح البشرى، تلك كانت –لحظتها- أمنيتي الأولى ‏والأخيرة، إلى أن وصلت، فأية فرحة!". ‏

خاتمة الليلة الأخيرة: ‏

ثمّ أنّ الفجر أخذ يتوّغل في جسد الليل البهيم، وما من مُجيب إلاّ الصدى، ما دفع بالعجوز إلى ‏أحضان إحباط ضاغط، كان البرد قد فعل فعله في الجسد المُهدّم، فاستدارت نحو الباب لتدخل، لكنّها ‏تفاجأت بما رابَها! ‏

أيتها الآلهة صبّي غضبك على هذا الكون المُدنّس! ‏

فمن هذا النائم في فراش "ممّ"!؟‏

رباه! أية امرأة تستطيع أن تخون رجلًا كمثله!؟

وقال الراوي: ثمّ أنّها انتضّت خنجرًا، كان "ممّ" قد تركه بحوزتها، وتقدمّت من الفراش تقدّم مرجل ‏يغلي بحقد دفين. كان شعر الزوجة يغطي وجهه، فلم تتمكّن العجوز من معرفة ابنها! كلّ شيء -من ‏حولها- كان ينضح برائحة الخيانة، يغوص في مستنقع القذارة، ويدفع إلى أعتاب الهذيان، بله ‏الجنون! عاليًا رفعت الخنجر، مُستمدّة من سنوات الانتظار والقلق قوة لا تعرف من أين واتتها، ‏وهوت به على صدر الرجل مرّة، لكنّ الأتون المتقدّ في أحشائها لم ينطفئ، ولم يسمح لأذنيها ‏الموشكتين على الصمم بالتقاط حمحمة حصانه، فهوت بالخنجر ثانية وثالثة، مدفوعة بغضب أهوج ‏يسوط الأعصاب ويفتّتها، ثم التفتتْ نحو المرأة الشابة، ورفعت الخنجر بكرب، بيد أنّ الصهيل ‏المُتألم تمكّن –أخيرًا- من اختراق أذنيها، فتوقفت اليد في منتصف المسافة، وخفت إلى الباب بتعثّر..‏

ربّاه! لو أنّ هذا العالم الداعر ينفجر! ‏

لو أنّ هذا الزمن الموبوء يتشظّى! ‏

لو أنّ هذه اليمين المُخضّبة بالدم تُشلّ! ‏

ترنّحت الأرض، ومادت، وغامت الدنيا في عينيها، فتهاوت على ركبتيها جاثية! ‏

آه أيها العالم! أيّ خواء يملؤك!؟ وأيّ جدوى!؟ أيّ رجاء يُنتظر بعد!؟ ‏

كان جواد "ممّ" يرفع قائمتيه الأماميّتيْن مُحمحمًا بغضب، كمن يعتزم أن يتسلق حبال الهواء، ‏ويضرب بسنابكه الأرض، يحفرها مُحاولًا التخلص من لجامه، ومن كلّ موضع في جسده كان ‏العرق ينـزّ، بينما كان صهيله يشقّ عنان السماء! ‏

وا ا ا ا ممّو و و و ه ه ه! ‏

سقط الخنجر على الأرض، وانتشرت صرخة العجوز التي تهاوت جاثية على ركبتيها في الجهات ‏الأربع.‏


المراجع

afkar.jo

التصانيف

أدب  مجتمع   الآداب   قصة   العلوم الاجتماعية