غمره التعب إلى حد الحزن ، رأى أنه لن يرفع بعد
يداً ولن يحرك جفناً ، استسلم تماماً كما تمنى منذ زمن ، وتنفس رائحة الخلاص
الموجعة التي لن يصفها لأحد ، إنه اكتشاف خاص جليل ، لا يليق به سوى الصمت .
أحس بكفها على جبهته جافة وحنوناً .. تمنى أن
يرفع كفه ليضعها فوق تلك الكف ، تمنى أن يقول لها : كانت لك يدان طريتان .. من زمان
.. زمان ، قبل زمان الخيام .
لم يستطع .. لايريد ، عزيمة الاستسلام أضحت أقوى
؟ كيف؟
يسمع أنينها لا تُعوِل ولا تصرخ ، تئن كما فعلت
يوم هدم البيت : يوم دخلت بين غبار الحجارة وغبار البارود لتخلّص مزقة من تلك
الهدية : منديل رخيص أحب أن يراه يحتضن شيئاً من شعرها الأثيث .. كان لونه مناسبا .
إنه ، مغمضَ العينين ، يرى كيف ترسم الدمعة
الصامتة خطوط وجهها ، يرى كيف تخفي بكفها ارتجافة شفتيها ، كيف تذهب عيناها بعيداً
نحو الأفق الذي لا تجد فيه جديداً ينعش منذ ربع قرن ، يرى كيف تشمخ ولا تدع أحداً
يرثي لها .
إنه ، مفتوحَ الأذنين ، يسمع إلحاحها حائراً :
قل لا إله إلا الله ، قل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله . إنه
يقولها ، يردد مفرداتها بهناءة منذ أدار ظهره للدنيا واختار الصمت لغة .
تريده أن يحرك لسانه بتلك الكلمات الشجية
الهنيئة التي تصعد وتهبط مع أنفاسه ، تدغدغها النبضة بعنفوانها المحبب إلى رئته ،
لترسلها الرئة بكل أمانة إلى الشرايين ، فتنطلق مع دمه الوفي وتتغلغل بين الخلايا
لترسم حوافها برقة غامرة ، فيحس أنه يغتسل ويتطهر.. يتعطر لينفلت خفيفاً بلاجسد ،
وتعود الكلمات الخالدات مع الدم الوفي لتتدفق مع الأوردة إلى القلب من جديد ، فينبض
بها من جديد ، ويدفعها محبوراً مبهوراً إلى الشرايين لترسم حدود كل خلية ، وتسمع
منها البوح بالحب المتجدد .
إنه يرددها ، وهي لا تريد أن تسمع ، اليوم لا
تريد أن تسمع ! وهي التي اعتادت أن تسمع كلمات قلبه ، وترى كلمات عينيه من قبل
الكلام .
يسمع الآن نداءها الحازم : يا أولاد !
ثمة همهمات وحوارات ...هو ذا كبيرهم .. مأواه
أقرب لقد أحضر ولديه وما أحب وقع قدميهما .
هل سيبكون فرحا أم حزناً حين يتأكدون أنه وجد
أخيراً أمتاراً يستقر فيها لا يزحزحه منها شيء إلا نفخة الصور : لا الصواريخ ولا
القرارات ولا المؤتمرات ولا الخوف المخيم على الأنفاس واللقيمات ، سيسامحونه ،
سيقولون ، وسيسمعهم : " كم اشتهى أن يكون له بيت ، وأن يكون البيت في الوطن ، كم
رفض البيت دون وطن ، قال: البيوت البعيدة تنسيكم الأوطان الحزينة "
* * *
وإذا كنت منهكاً إلى حد الحزن ، غريباً إلى حد
الموت ، فهل يحتاج فعل البكاء جهداً كثيراً ؟
تحدرت دمعات على الصدغين الجافين ، تعرجت في
خطوط مألوفة ، حررت بملوحتها الدافئة اللذيذة نفثة سعادة شجية ومنعشة من صدره
المهاجر طول العمر ، واكتشف راضياً هناءة النهاية في معركة استمرت إلى درجة أن
نتائجها لم تعد تهم أحداً .