الأربعاء, 22 رمضان 1447هـ الموافق الأربعاء, 11 آذار 2026

كانت هنا

جلس هاشم على الكنبة بعد أن شغّل التلفاز , ثم أمسك بالريموت بتكاسل ليبداً كفاحه المعتاد مع القنوات الفضائية , و مواضيعها , و نشرات الأخبار التي تزخر بالهاجس الإعلامي الجديد فيروس كورونا , بعد عرض صراع البشر الذين يعيشون في بلدان آمنة يأتي عرض صراع مألوف لدى الأعين لمن فقدوا الأمان , حاول هاشم بكل ما أوتي من قوة إيمان , و حياء أن يركز على كلام المذيعة لا على وجهها , و ملابسها الضيقة , تباين واضح بين ما في الاستديو , و بين ما في الصور الفظيعة هناك دم أحمر في الصور , بينما هنا أحمر شفاه , و حمرة خدود , بعد صوت صراخ المرعوبين يسمع صوت المذيعة التي أتقنت فن اللامبالاة , فصار كلامها هادئاً و رزيناً , اعترف في سره بأنها قد تلقّت تدريباً مكثفاً قبل أن يتم وضعها في هذا الاستوديو , ثم عاد إلى ملاحظة التناقض الكئيب وجوه البؤساء التي جف ماؤها , و في الناحية الأخرى وجه المذيعة الذي ارتوى تماماً من المساحيق التجميلية , تنهد هاشم ثم قال لابنته نور :أحضري لأبيك كوب ماء .

لم يتلقَ أي إجابة , فنظر إلى مكانها المعتاد ليجده فارغاً , نادى الخادمة الإندونيسية قائلاً : تيارا تعالي إلى هنا , أتت تيارا مسرعة كأنها كانت تترقب نداء سيدها , فقال هاشم : أحضري لي كوب ماء .أحضرت تيارا كوب الماء , و ناولته لسيدها الذي قال لها : صحيح تفقدي غرفة نور تلك الخائفة تنام , و المصابيح مضاءة ؛ لذا أطفئي المصابيح .

اتسعت عينا تيارا الضيقتان بينما شرب هاشم الماء , ثم قال لها , و قد لاحظ اندهاشها : تيارا هل أنتِ بخير ؟

هزت تيارا رأسها بينما قال هاشم بقلق : إذن ماذا هناك ؟

قالت تيارا بلكنة أجنبية : الآنسة نور ليست هنا .

نهض هاشم من على الكنبة , و اتجه نحو تيارا , وهو يقول : ماذا ؟! هل أنتِ بخير ؟

مسحت تيارا العرق عن جبهتها , و قالت : يا سيدي أنا بخير .

قال هاشم بغضب : إذن ما هذا الذي تهذين به ؟

قالت تيارا بتلعثم : لقد قلتُ الحقيقة فقط .

قال هاشم بغضب أشد , و قد احمر وجهه : أتقولين بأن ابنتي المراهقة خارج بيتي في هذه الأزمة , و هذا الوقت المتأخر من الليل ؟

قالت تيارا مبررة لكلامها السابق : الآنسة نور في بيت أسرة أمها ريهام .

هدأت أعصاب هاشم قليلاً , فقد برزت تلك الذكرى التي لم يكن يظن أنه سيتألم منها ألا و هي ذكرى طلاقه لزوجته منذ عدة سنوات , و اختيار ابنته الوحيدة السكن مع أمها , و المجيء لزيارته على فترات متباعدة .

جلس هاشم على الكنبة بينما انسحبت تيارا بهدوء , و تركته يتعارك مع ذكرياته الحزينة , بعد عدة دقائق أطفأ هاشم جهاز التلفاز , و جلس على الكنبة حزيناً منكسراً , فهو لم يرَ ابنته منذ عدة شهور , رغم محاولات ابنته العديدة لزيارته , و رؤيته إلا أنه كان منشغلاً عنها بأعماله , و أصدقائه , من المؤسف جداً أن تندم على تقصيركَ بعد فوات الأوان . بعد فترة أتت تيارا إلى سيدها , و هي تقول : سيدي ما الذي تريد تناوله على العشاء ؟

لم يجبها , فقد كان غارقاً حتى الاختناق في ذكرياته الحزينة , لم تجد تيارا بداً من أن تستعمل الكلام كطوق نجاة لسيدها الغارق , فقالت : سيدي .

نجح مسعى تيارا , فقد قال هاشم بضيق : ماذا هناك ؟

لقد سألتكَ عما تريد تناوله ؟

تنهد هاشم ثم قال بعد تفكير قليل : شكراً لكِ أنا لا أريد عشاءً الليلة .

لم تصدق تيارا ما سمعته أذناها , فظلت واقفة ترمق سيدها بحيرة , لا تدري كيف واتتها الشجاعة فسألته :هل أنتَ متأكد ؟

قال هاشم بغضب : تيارا لقد قلتُ لا أريد شيئاً ألا تفهمين ما أقوله ؟

انسحبت الخادمة بخنوع , ثم بعد أن هدأت أعصاب هاشم توجه إلى غرفة نومه , استلقى على السرير و تفحص الهاتف , فوجد عدة رسائل , و مكالمات فائتة من ابنته منذ بداية الحجر الصحي تسأله فيها عن نفسه , و صحته , فشعر بغصة أليمة , كيف صار لأب مهمل مثله ابنة تثابر على التواصل معه ؟  لقد حاولت تلك المسكينة لعدة مرات لكنه تجاهلها , و هي بطبيعة الحال إنسانة لا بد , و أن يأتي يوم , وتسأم فيه , و من يدري ؟! فربما أتى هذا اليوم فعلاً , تشجع هاشم قليلاً , و أرسل لها رسالة يقول فيها : ابنتي العزيزة _ حفظكِ الله _ أنا بخير لا تقلقي بشأني , و أنا آسف على تأخري في الرد على رسائلكِ , أتمنى أن تردي على رسالتي في أسرع وقت ممكن , ثم أرسل الرسالة , و قال لنفسه معاتباً : عدة شهور لم ترَ فيها ابنتكَ , و رغم ذلك ترسل لها رسالة قصيرة , ثم رد على نفسه قائلاً : المشاعر ليست كلمات ترسل في الرسائل المشاعر إحساس في القلب يتبعه فعل في الجوارح عندما ينتهي هذا الحجر الصحي سأعانق ابنتي نور كأنها عائدة من سفر , و سأعتني بأمرها جيداً , فقط متى ينتهي هذا الحجر الصحي يا تُرى ؟

 

المراجع

rqiim.com

التصانيف

مجتمع   الآداب   قصة   العلوم الاجتماعية  
login