سار الركب تحت جنح الظلام , رجلان
تتأخر عنهما امرأة , حتى وقفوا على قيم مسجد , انتهى لتوه من كنس فنائه كما
يبدو , فوقفا وسلما , رد عليهما السلام وأخذ ينظر إليهما في ريبة . تقدم منه
أحد الرجلين وقال في صيغة لا تخلو من تهكم خفي : هل لك في الزواج يا أخا العرب
؟ دهش الرجل من عرض كهذا يعرض على قيم مسجد في آخر الليل ورجل مثله لا يكاد يجد
قوت يومه , قال : الزواج ؟ أنا ؟ ممن ؟
أشار الرجل إلى المرأة خلفه دون أن
يلتفت إليها وقال : من هذه , حانت من القيم التفاتة إلى المرأة , خيل إليه أنه
قرأ في عينيها في لحظة مأساة عمر , أجاب : ليس أحب إلي من ذلك , ولكن , قال
الرجل الآخر : لا تكثر الأسئلة , وعاد الأول يقول : هي زوجتك منذ اللحظة , ودفع
بها إليه , ثم مضى الرجلان في صمت , وتركا القيم والمرأة وعشرات الأسئلة تتخاطر
في ذهنه .
قال القيم للمرأة : تفضلي وادخلي
المسجد , أحسبك قادمة من سفر يعيد , وتحتاجين بعض الراحة .
لملمت المرأة ثيابها عليها وتلثمت ببعض
خمارها , وأومأت برأسها , ونظرت إليه في توجس ,
قال لها مطمئنا : أنت في بيت من بيوت
الله ومن دخل المسجد فهو آمن فلا تخافي , بقيت المرأة على صمتها , أضاف : وأشهد
الله تعالى ألا ينالك مني ما تكرهين , سري عن المرأة بعض ما تجد من وحشة , ودعت
له بخير , دخلت المسجد وجلست في ناحية منه , واتخذ هذا الرجل الذي أصبح زوجها
على حين غرة , اتخذ مجلسه على مسافة متوسطة منها , لم يشأ أن يثير خوفها بقربه
أو وحشتها ببعده , ثم بادرها بالسؤال : ما شأنك أيتها المرأة ؟
قالت : وما يهمك من أمري ؟ ابتسم في
تودد قائلا : ألست زوجتي ؟
ابتسمت هي في سخرية وقالت : زوجتك ؟!
وأي زواج هذا الذي ليس فيه لي خيرة ولم يحضره ولي ولا شهود ؟ أنت مسكين ,
وأضافت محاولة استنهاض شهامته : وإن كنت كما يبدو لي على خلق كريم .
نظر إليها على ضوء المصباح : في عينيها
دمعتان , تأبى أن تترك لهما العنان , كأنما تصوران بقية شموخ في زمن انكسار ,
هي جميلة , تظلل وجهها غلالة من أسى
دفين تزيدها جمالا وجاذبية .
قال يحاول تبديد وحشتها والوقوف على
قصتها : أنا فرج يا سيدتي , فما اسمك أنت ؟
ضحكت بصوت مسموع هذه المرة وقالت : فرج
؟ قد كنت أنتظر الفرج دهرا !
قال : تضحكين بي يا سيدتي ؟ ألا تظنين
أني قد أكون لك الفرج ؟
حانت منها التفاتة إليه , رجل مسكين لا
مأوى له سوى المسجد , يعمل فيه ويبيت , عليه ملابس رثة ,
قال وقد أدرك ما يجول في خاطرها , قد
سمعت إمام المسجد اليوم يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " رب أشعث
أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره " قالت : وتزعم أنك ذلك الرجل ؟ قال :
أردت أن أقول إن الأمر قد لا يكون على ما تراه عيناك , وأضاف ضاحكا ثم أنا ذو
أطمار كثيرة وليس فقط طمرين اثنين , ثم ألم تقل العرب :
"ترى الرجل فتزدريه
وفي أثوابه الأسد الهصور " ؟!
قالت حتى وإن كنت الأسد فالذئب بغدره
والثعلب بمكره قد يتغلبان على الأسد , قالت ذلك وأتبعت بصرها الدرب الموحش الذي غاب
في آخره آنفا رفيقاها , قال :
في صوتك رنة حزن مخبوء بل إني أكاد أرى
الدموع تتقاطر منه ,
زفرت المرأة زفرة خيل إليه أن نفسها
ستخرج معها , ثم لاذت بالصمت خشية أن تنفلت دموعها فتعجز عن السيطرة عليها ,
قال فرج : هوني عليك فما بعد العسر إلا
اليسر , انظري إلى هذه النجوم تزين السماء وتنيرها , قالت : هي تجمل الليل , لكنها
لا تزيل الظلمة الموحشة .
قال : هي كالآمال الصغيرة تقوي قدرة
الإنسان على تحمل نوائب الدهر ,
ردت في يأس : كنت أحلم بأمل كبير يقلب
حياتي كلها .
قال وقد تهلل وجهه : هو الفجر ينبلج
إذا احلولك الليل واشتد ظلامه .
قالت : إذا كان الأمر كذلك , فلا بد أن
الفرج قريب فقد اشتد علي الكرب حتى بلغ غايته .
قال : فما غايته هذه ؟ قالت : وهل أكثر
مما أنا فيه , امرأة حسيبة نسيبة , تذلها الأيام فتضطرها إلى ما ترى , يغضب زوجها
عليها في هنة فيطلقها الثالثة , حتى إذا انتهت عدتها وهي في دار غربة وبينها وبين
أهلها وعشيرتها بعد المشرقين , يأتي بها فيعرضها على رجل مسكين يتزوجها الليلة ثم
يكرهه على تطليقها من الغد فتحل له بعد أن بانت منه .
قال فرج : هكذا إذن , يريدني زوجك أن
أكون التيس المستعار , وأضاف في إباء : لست بصاحبه , لست بصاحبه .
قالت : إن لك منطقا وحكمة وإن وراء
أطمارك هذه لشهامة ومروءة , فما الذي صيرك إلى ما أنت فيه ؟
قال : هي صروف الدهر يا سيدتي , لكني
ألمح خيرا قادما مع الفجر بإذن الله .
قالت وقد تساقطت دموعها : أما أنا
فعند الفجر تتجدد مأساتي .
قال يحاول التسرية عنها : ألم تذكري
حلما كبيرا منذ برهة ؟
قالت : لقد كان , لكنه الآن يحتضر ,
ويوشك أن يدفن تحت آلام كبار .
قال : الأحلام لا تموت يا سيدتي , تظل
جمرا تحت الرماد يبدو حينا ويخبو , إنها تعيش وتتغذى من بعض آلامنا , فتكبر هذه
كلما كبرت تلك .
سرحت ببصرها بعيدا ولم تقل شيئا .
قال : ولكن ألا تحدثيني عن قصتك مع
زوجك هذا ؟ لا أظنك معه إلا كسهيل والثريا .
ابتسمت وقالت : " ليت شعري كيف
يلتقيان "
قال : بل كيف يفترقان . وأضاف : منذ
متى وأنت زوجته ؟
قالت : مرت بي معه سبع عجاف , ذقت
فيها ألوانا من الأذى والمهانة , وصبرت واحتسبت لعل الله أن يجعل لي مخرجا
قال : أبشري , فما بعد السبع العجاف
إلا الغيث .
أخذت تردد : الغيث , الغيث , كم صلى
قلبي الاستسقاء وكم استجدت روحي غيمات السماء , لكن السماء أبت والأرض أجدبت .
قال : ألا أصلح أن أكون غيثا يروي
أرضك فيعيد الحياة إلى وردة قطفتها يد لا تحسن القطاف ثم ألقت بها على الطريق ؟
قالت : قد تكون بفقرك وأطمارك أفضل
منه في جاهه وماله , لكن ما الفائدة ؟ اقترب الفجر , سيأتي مع أعوانه وخدمه ,
فيأخذني بعد أن يضطرك إلى طلاقي , ويرحل بي , وينطفئ وميض البرق ويعود الظلام .
قال في ثقة : توكلي على الله يا سيدتي
.
توافد الناس على المسجد لأداء صلاة
الفجر , وما أن أشرقت شمس ذلك اليوم حتى جاء التاجر الكبير وصاح بامرأته , خرج إليه
فرج قائلا في جرأة وثبات : لا شأن لك بزوجتي فامض راشدا .
قهقه التاجر ضاحكا وقال : من زوجتك ؟
لقد انتهت الرواية يا مسكين , ستطلقها الآن .
نظر فرج إلى المرأة وقد بلغ الخوف
منها مبلغه وقال في ثبات : فإن أبيت ؟
أشار التاجر إلى بعض أعوانه فأحاطوا
بفرج في لحظات , وأخذ التاجر يقهقه قائلا وهو ينظر بازدراء إلى أطماره البالية :
ماذا قلت الآن ؟
وسط دهشة الجميع , صاح فرج قائلا :
أيها الحرس , فإذا بعدد غير قليل من الجند يتواثبون في سرعة يلبون النداء : أمر
مولاي , أمر مولاي .
تراجع التاجر وتراجع أعوانه وهم
يتساءلون في استغراب : من الرجل ؟!!
نزع الرجل لثامه وأطماره وتناول رداءه
وعمامته من بعض حرسه , ثم التفت للتاجر قائلا : هيا غادر المدينة حالا وإلا أمرت بك
وبأعوانك إلى السجن . ثم أمر بعض جنوده بمرافقتهم حتى مشارف المدينة , مضى التاجر
ورفاقه لا يلوون على شيء , وما أن ابتعدوا حتى سألوا الحرس عن الرجل فأخبروهم أنه
والي المدينة وقد خرج الليلة متخفيا يتفقد شؤون الناس .
أما المرأة فلم تكد تصدق ما يحدث ,
وما هي إلا هنيهة حتى ناداها الوالي باسطا كفه إليها وهو يقول في تلطف : هل تأذنين
؟ قالت في نشوة : وهل يستأذن الغيث ؟!
