انصياع سيخذلني عندما أرجع للبيت، في أول الشهر، دون شراء أدوية أمي المسنة.
علاقتي بالعمل كانت مرضية للطرفين، يصيبني بارتفاع ضغط الدم وفي المقابل يؤمن لي ثمن أدويته، صديقي الذي أخبرني بقرار الاستغناء عني بقدر ما يعرف من اللباقة ومحاولاته الفاشلة لإقناعي أن هناك فرصة ما في مكان ما، حتما، تنتظرني.
صديقي هذا الذي اعتصمتُ من أجله حين تم خصم جزء من راتبه ظلمًا وأشعلت النار في صدور زملائنا وهددنا وشجبنا حتى تم إلغاء القرار، لم يكتسب مقدارًا من اللباقة كي يعرف أنه يجب وضع قناع المتأثر حينما يبلغني بقرارٍ مثل هذا.
أنا أضعفُ مما يبدو، معارك الآخرين التي أخوضها معهم أو في بعض الأحيان تكون من أجلي، أو إن شئت الدقة حتى لا أكرّس القدر الكافي من طاقتي لخوض معاركي. حين ساءت الأمور بيني وبين حبيبتي السابقة، بذلتُ مجهودات جبارة وتوسطت في حل مشكلة كبيرة حدثت بين زميلتي بالعمل وزوجها الذي لا أعرفه.
انفصلت عن حبيبتي وتم حل المشكلة، بفضل الله ثم بفضلي، وعادت زميلتي إلى بيتها وزوجها الذي لا أعرفه قد ساوره الشك بحجم مجهوداتي بأنها تحمل في طياتها استمالة زوجته فأمرها بقطع علاقتها بي، وفعلت.
الآن أمي تنتظر دوائها، وإيجار المسكن الذي استئجرته لها بعدما باعت شقتنا الصغيرة لتمويل زيجتي الفاشلة، وفي فراش يتسع بالكاد لمراهق نحيف في الثالثة عشر، أقنن نومتي بجسدي المنتفخ بفعل الكسل والوجبات السريعة ومرض السكري.
الآن مطلوب مني الاقتراض من أي شخص لم أخض معه معاركه، لأنني أترفع أن أطلب من شخصٍ دافعت عنه الاقتراض لحين فرج، حتى لا يظن أنني أطلب ثمن معروفي تجاهه، أو إن شئت الدقة انا أفضّل عدم السؤال حتى لا تظهر الحقيقة المقيتة بأن ما فعلته من أجلهم لم يُحفظ في أرشيفهم في ملف العرفان.
يصفني الناس بالدقة في العمل، والمواعيد، وأمي وطليقتي وصموني بالفوضوي، وهو الشئ الوحيد الذي اتفقن عليه، وأنا أضعفُ مما يبدو، لست بالقوة التي يُفترض أن يتمتعُ بها جسدٔ كجسدي، ولا شاربي الذي ربيته واهتتمت به حينما ظهرت موضة انحناء الفتيات أمام الفتى الضخم ذي الشارب، يدل على صرامتي، أو إن شئت الدقة استطيع التمثيل وتقمص تلك الشخصية حين يستدعي موقف ما أن أكونه، في معارك الغير بالطبع.
المعضلة الكبرى في مفاوضات بين قائدين بعد حرب طاحنة، انتصر أحدهم انتصارًا ساحقًا ثم للإمعان في الذل دعى القائد المهزوم لإملاء شروطه ليحققها له جبرًا أو ما نطلق عليه، زورًا، بالهدنة.
أجلسُ منتصرًا في معارك غيري وأجلسُ أمامي مكبلًا بهزائمي، وأُلقِ الشروط كي استمر منتصرًا في معارك الغير متمنيًا لي دائم الاستمتاع بالهزائم، وتؤخذ الصورة لتوضع تحت مانشيت " القائد المنتصر يحقن الدماء " .
أنا أضعفُ مما يبدو، أمي ربما تموت من دون الدواء، وهي الشئ الوحيد الذي يربطني بتلك الحياة، أتتوقع أني أجلسُ هنا، بجوارك وأنا لا أعرفك وأقص عليك قصتي، كي تموت وافقد آخر ما يربطني بالحياة والبشر؟
لا، الأمر ليس كما تعتقد، كل ما في الأمر أنني كما أخبرتك مرارًا
- أضعف مما تبدو
بالضبط، أنت مستمع جيد، ما اسمك؟ لا يهم
أنا أضعف مما يبدو، وأقوى مما أظن، في تلك البناية الفاخرة أمامنا يقطن صاحب الشركة، قرأتُ ذات مرة لأحدهم يقول بأننا نقضي الجزء الأكبر من ليلنا نتخيل أننا نقطّع أوصال أعدائنا، نعذبهم وننزع أظافرهم حتى يتسلل لنا شعور الخدر ويصاحبنا النوم، وبأننا لو فعلنا هذا بالفعل بالنهار لقضينا الليل في النوم العميق كالأطفال، سأصعد الآن إلى حيث يقطن هذا الأحمق، سأقيده وأمثل بجثث أولاده قبل أن اقتلع عينيه، بعد اقتلاع عينيه سأحرق زوجته حتى تصرخ فلا يعلم هل أعذبها أم اغتصبها، ذلك الشعور وحده أكثرُ إيلامًا من رؤيته لي أغتصبها بالفعل، أو إن شئت الدقة فمرض السكري لم يترك لذكورتي ملامح، لكنني سأوصل له الإحساس، ثم أسرق راتبي منه وأقطع وريد زوجته حتى يستمع لفحيح الدم النازف وغرغرات احتضارها، سأقول له في نزعها الأخير أنني سأقايض حياته بها، إن قتل نفسه سآخدها للمشفى، ولن يكون أمامه سوى القبول بنزع الأمل الأخير، سأجعله ينحر نفسه من العنق، كطقس من طقوس الخلاص شاهدته في أحد الأفلام، ثم عندما لا يستطيع. ولإخفاء فشله سيطعن نفسه بالسكين، سيموت ببطءِ يجعله واعيًا لشهقة زوجته الأخيرة، سأنزل بعدها لشراء الدواء لأمي، سأشتري علبة سجائر مستوردة وأحتفل بأنني أقوى مما أظن.فرصة سعيدة، أو إن شئت الدقة علّها تكون سعيدة.
تركني ورحل، لدقائق لم يغب عن نظري ثم عاد منهكًا، حياني بابتسامة ثم قال لي يبدو أنني لن أحتفل اليوم، يوجد شئ ما يؤرقك، أأنت بخير؟
ولأنني أعرف أنه أقوى مما يظن، ولدهشتي.