ـ 2 ـ
السماء تدعوه جلَّ و علا أن يكلأهم بلطفه وبره وحسن تدبيره ، وأعدتهم لما وراء تلك
الأفكار والرسومات البعيدة عن التكلف ، ولتقوم ـ هي ـ بواجباتها اليومية كعادتها
مستقبلةً قائمةً من الالتزامات التي لابد منها .
ليست بالصورة الرهيبة، ولا الهواجس المرعبة تلك التي تتراءى لها من كُوى
الهمِّ الثَّجَّـاج الذي لم تبرح مساءاتُه تلفُّ شجرة النخيل التوَّاقة إلى بذل
رطبِها اليانع الشهي لأطفال هذه الدار التي ترقبُ عودة الربيع ، وربما انداح على
نفسها الأثيرة في مواقف يومية مع صغارها وحاجاتهم ، وإلحاح أسئلتهم التي تبدو عفوية
وسهلةً ، ولكنها عميقة الجذور كعمق أبعاد المأساة التي تجتاح الأرض المقدسة في
مغاني فلسطين ، فتعزِّي قلبَها بومضات من نور إيمانها بالله ، ويطمئن فؤادُها وهي
تسمعُ ترديد الأذان خمس مرات في اليوم والليلة ، ينبعثُ من مسجد الحيِّ المجاور
لبيتها ، وهو يحمل نفحات حضور الثقه واليقين بمعية الله تبارك وتعالى ، ولتبقى
دائمة الحضور بصلواتها وأدعيتها ، وبسنَّةِ الضحى خاصة ، فقد كان زوجُها المجاهد
يؤديها دائما ، ثم تقوم إلى تنورها تخرج منه الأرغفة الشهية وتقدمها لصغارها
الجالسين على الحصير الجديد الذي اشراه والدُهم قبل التحاقه بموكب المجاهدين بعدة
أيام . فإذا ما حان وقتُ الظهيرة ، وجلبت معها سكون حرارة الصيف أطعمت عصافير
دوحتها ، وأسكنتهم عشَّ الطمأنينة ، ثم انسلت من بين هدأتهم لتلوذَ بالشاطئ الضارب
في حنايا اللهفة الحائمة على روابي فلسطين ، ولتنحدر على على هدأة سمعها خطوات
المعاني المقدسة التي طالما سمعتها من أبيها ـ يرحمه الله ـ فتشرئب عيناها إلى
منازل الشهداء في جنة عدن التي وعد الله بها عبادَه المتقين ، وتصيخ آذانها إلى
زغاريد المودِّعات أزواجَهنَّ وأولادَهن حين أمُّوا ميادين الجهاد ، فتخضر في أحناء
فؤادِها نشوة الإيمان الظليل ، وتفيض من مآقيها دموع الفرح الروحي ، والشوق ...
الشوق إلى الجهاد والاستشهاد ، الشوق للجنة وفردوسها الأعلى ، الشوق لله الذي يتجلى
برضوانه على أتباع محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم ، وينطلق لسانها بالدعاء
لزوجها ولمن معه من المجاهدين بالثيات والنصر على الأعداء الغاصبين لتلك المقدسات
.