عندما تكون الشواهد كافية لمعرفة حدث، ولكنها غير كافية لمعرفة لماذا حدث وماذا بعد هذا الذي حدث، فإن افتراضات التصور يمكن أن تطرح بين أيدينا ما ليس يقيناً، ولكن قد توجد بينه وبين المنطلقات للوصول إلى يقين قراءة.. ماذا بعد الذي حدث..؟
وجود أمريكا في العراق أمر واقع، وكان قبل ساعات من حدوثه يخضع لتصورات اتضح فيما بعد أنها شطوح نحو الخيال، بما في ذلك كرم المبالغة بقدرة المقاومة والتي كان سيضاف اليها توقد الصيف..
بعد ذلك أمريكا تقول إنها سترحل.. هذا سيحدث فقد انتهى عصر وجود القوات الحامية المصالح بعد أن أصبح ذلك يتوفر على بعد آلاف الأميال، وسينتهي الأمر بوجود حكومة وطنية ووطنيين، يعني ذلك أنها عراقية الأصل والمنشأ، لكنها ستكون منسجمة تماما مع تحالفات واشنطن بل ستكون اللصيقة بها بما يعني أن عصر الانقلابات والاغتيالات لم يعد بمقدوره أن يغير التاريخ، حيث لا مكان بعد لعبدالناصر أو عبدالكريم قاسم مع أن ذلك ليس هو الهدف.. العراق بقعة محدودة لكنها تُؤهل لتكون "عاصمة" الوجود السياسي والاقتصادي للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط.. هذا الشرق الأوسط الذي سيطوع على حل مشاكله الداخلية، وأبرزها الخلاف العربي الاسرائيلي كي تشمل المظلة الأمريكية منطقة متجانسة.. هل يحدث ذلك حباً في إنهاء الخلاف العربي الاسرائيلي أو حباً في تأهيل العراق للديموقراطية أو تقديم العراق كنموذج ديموقراطي لجيرانه وحلفائه العرب.. الأمر ليس هذا ولا ذاك.. إنه هذا في البحث عن شرق أوسطي آمن ومتقدم اقتصادياً.. وذاك.. عندما يعني الأمر استباق التنافس على هذه المنطقة الأغنى في العالم قبل أن تقوى روسيا التي لا يعوزها السلاح، وإنما الاقتصاد، وقبل أن يتمكن الاقتصاد من جعل أوروبا الموحدة لها قدرة السيطرة على مواقع عالمية ذات مردود اقتصادي.. ليس بأساليب الاستعمار القديمة، وإنما بأساليب التحالفات الجديدة والتي لن يكون فيها الطرف الأضعف خاسرا على طول الخط، فهو بقدر ما يتكيف مع الانقلاب العالمي الجديد الذي يبدأ بالعراق يكون قد برهن على تأهيل قدرة المساهمة في كسب نتائج ما يحدث.. وهكذا فالأمر في أبعاده الهامة والمؤثرة مستقبلاً يتجاوز صراعات المنطقة إلى استباق مؤثرات صراعات العالم إذا أرادت أن تحتوي مناطق تأثير اقتصادي ما.. والشرق الأوسط يجمع بين صفتين مغريتين للقوى الكبرى.. الثروة والتخلف..!
إن الجماعات المتخاصمة داخل المنطقة والتي تتبادل التهم بين إدعاء نصاعة علمانية ووقار سلفي وانتهازية ثقافية ومسيسي صحوة يجهلون أن ذلك كله في مؤثراته وسلبياته وإعاقته لزمن المنطقة الحضاري والعلمي، إنما يعكس أثره على المنطقة فقط الذي سيكون، هذا الذي تعانيه خير داعم لأي قوى عالمية تريد السيطرة على توجهاتها وقدراتها، حيث العلوم والاقتصاد وحدهما يقودان عربة الزمن في اجتياز مراحله الحضارية والتي سنكون قد عرفنا حقائق الضعف فينا لو قدرنا جيدا مسافات الارتكاس خلفا، حيث لم نسجل بعد نحن الأوسطيين ضمن التواجد الحضاري في أزمنته الجديدة.