رجل طاعن بالسن يجلس قرب موقد عاف عليه الزمن تكسوه الحجارة ويملاؤه الخشب العفن , وهنا تنطلق الساعات غائرة في وجه الزمن تسير كما يسير النهر بلا عودة وحين يمتزج بملوحة البحر يترك كل صفاءه وعذوبته ملقاة على الحجارة المكسّرة او فوق العشب النائم منذ الاف السنين , يتنهد تنهيدة تلو الاخرى كان انفاسة الضئيلة مثل نور شمعة تزاحم بعضها في ريحة وجيئة انه الكبر والفقر ,وهاهي زوجته تحيك ما تبقى له من ملابس اقرب ما تكون لحاف الشجر , الخيط صار يعانق الخيط من كثرة ما خاطته. وهناك في الزاوية المنسيّة تجلس شاردة تفكر , هي ليست ابنتهما, بنت من؟ سرها لم يكتمل لغاية الساعة وقد بلغت الحادي والعشرون سمعتهما ذات ليل يتهامسون في قلق ,انخبرها ان اباها وامها ماتا منذ كانت في اللفاح وتكون هذه الحقيقة ولا شيئ غيرها هي لا تصدق اننا نحن الطاعنين في العمر والديها ,ام نظل صامتين ونموت ويموت سرنا بين ضلوعنا ,ومنذ تلك اللحظة الاليمة ما زالت في نفس المكان شاردة تفكر دون نتيجة او امل مسروقة من كل ما حولها وهم في حيرة من امرها والكل في صمت ينتظر الاخر علّه يهمس مخبرا او يصرخ ساحقا كل اركان الصمت . وذات صباح مشئوم كغراب اسود او كطيف بوم , تخرج ليلى قاصدة النهر ككل يوم لتجيئ بالماء , وقبل ان تنفض الطريق بقدميها العاريتين ترمق امها بنظرة لا تعلم ما سرها او لماذا وتروح شاردة الذهن محدقة نحو الخيال وتكلم الروح علها تسلي نفسها الغريقة بالدموع والافكار والالم ونفس السؤال , ان لم يكونا والدي فمن هما! ومن والدي ؟ ولماذا انا هنا ؟! ومن انا!! اسئلة كثيرة تطاردها مع كل خطوة وفي كل نفس كما تطارد الفراشة لون الزهر , ليلى تفتحت كالزهرة التي سقاها المطر ونمت شيئا فشيئا وكبرت حتى اصبحت مثل القمر المعلق انفاسها كالعطر لا تفارقها العصافير ممشوقة بريحها مطربة اذانها باجمل الالحان تلك هي ليلى اجمل بنات القرية الفتاة التي نضجت كتفاحة برية وتطاولت جوارحها حتى بلغت عنان الغصون واكتملت كتمام البدر في سواد الليل
وبينما هي شاردة تتعثر مرة بخطوتها واخرى بدموعها التي ابلت مقلتيها , سمعت صوت يناديها صوت لم تسمعه من قبل ربما الافكار هيئت لي هذا الصوت, "هذه كلماتها بينما تتفحص عينيها المكان" وبعد هنيهه عاد نفس الصوت ليقول ايتها الفتاة توقفي ولا تخافي ..انه صوت رجل هذا ما سمعته صوت رجل ياتي من بعيد هي لم تسمع صوت رجل غير صوت ابيها منذ عشرين عام انه يناديها ويطلب منها التوقف اصبح خلفها مباشرة وصوته يطرق اذنيها كانه يهمس بهما ما ارق صوته هذه كلماتها التي فاضت بها روحها للحظة لم تجرؤ عينيها الكبيرتين ان تنظرا اليه انها في حيرة وخوف وشيئ غريب لامس فؤادها وروحها قبل ان يلامس سمعها وبينما في عجاج الافكار والاسئلة والشرود والحياء التفّ من حولها واذا به فارس على ظهر جواد ابيض كانه ملاك من السماء يرتجل ويقترب منها وهي متمسمرة مكانها كان حيّة لدغتها او جن مسها وبينما راسها يتطأطأ نحو قدميها تسترق نظرة نحو خطواته ومن ثم نحو قدميه حتى وصلت عينيه وهي مترددة وما ان لامست عينيها عيناه خرت مرة اخرى تلقي بناظريها نحو قدميه وتهمس كانها حورية تهمس لقطرات الماء حين تتنفس من انت وماذا تريد ؟وبصوت كصوت الرعد يدق مسامعها ويداعب جوارحها انا شاب من المدينة ابحث عن الطريق نحو المدينة لقد تبعت طريدتي حتى وصلت بي الى هذا المكان فهل لكي ان تدليني على الطريق المؤدي الى المدينة وما ان احست بالامان وشعرت بنبل هذا الفارس وصفاء سريرته نظرت اليه مرة اخرى وقالت:
وهل طريدتك تستحق منك هذا العناء , ان تلاحقها حتى هذا المكان البائس ,انا اتي الى هنا منذ كنت طفلة ولم ارى منذ ذالك الوقت ظل انس اي طيف جن , كنت اظن اني الوحيدة على هذا الكوكب وان هذا الوادي لا تزوره سوى الريح القادمة من الجبل او النهر الغائر فيه منذ دهور , بينما هي تهمس اليه وتسترق النظرات نحوه في خجل ,كان هو في صمت غريب قد خيم عليه كما يخيم الليل على سماء دافئة , في كل كلمة او نظرة تخرج من فمهاالصغير تدخل لاعماق روحه وتستقر في فؤاده لا يعلم ماهية او حقيقة شعورة تلك اللحظة وبين تلك الكلمات المؤلمة والبريئة برائة الذئب من دم يوسف وفي خضم تلك الاحاسيس المتضاربة يخرج هو من صمته المحبب الى نفسه ويتنهد كان السماء فتحت ابوابها , نعم هي تستحق مني هذا العناء والضياع, هي ليست سوى ريم شاردة احب فيها استدارة عينيها ورشاقة قدميها , وقبل اللحظة كنت اظن ان من خلقها لم يخلق عيون مثل عيونهاولا قوام يخطو فوق الارض مثل قوامها, لا عليك من كلام فارس ترائت له الريم ولم يستطع الا ان يتمسمر امامها مصغيا لعذوبة ثغرها وصفاء انفاسها , ولا يغضبك جرئة صياد ترائت له الغزالة فراح اسير محياها واردته سهام رموشها قتيلا لا حراك سوى لشفاه مسلوبة , منذ اعوام تزيد عن عدد الاصابع وانا اطارد ها , في الوادي والحقل والجبل كنا في صراع دائم كانها تدعوني اليها واتتبع في شوق وحنين اثار قدميها وريح عطرها ولا اعلم اني في يوم ساجدها واقفة امامي ترمقني بعيونها التي تمنيت دوما ان ارى وجهي فيهما لا اعلم ان كنت في حلم منذ ذاك الوقت واني كنت اطارد شبح ترائى لي في الماضي غزال شارد والان هو بشرا سويا , وبينما هو يتلعثم في كلماته تخرج من صمتها وتنفض عنها الخجل الغائر فيها حتى اعماق صدرها كانها تريد ان تمنعه عن الوصول لقلبها بعدما دقّ بابه عند اول نظرة ...... انا لم اكن يوما غزالا شاردا ولا حورية في اعالي السماء انا هنا في هذا الوادي منذ وقت طويل كل يوم ابلل التراب بقدمي العاريتين وحين اعود وارمق المكان بنظرة اخيرة احس اني انتمي اليه منذ ملايين السنين , هنا نشات وعلى هذه الصخرة الكبيرة شهدت نضوج جوارحي وفي هذا النهر المصلوب اغتسلت اول مرة ارجو طهارة نفسي , عد ايها الفارس الغريب فانت غريب عني كغربة ابتسامة على شفتي وبعيد عني كبعد الارض عن جو السماء ,ها هو طريقك المفقود خلف هذا النهر و طريدتك البائسة ما زلت هناك تنتظرك خلف هذا الوادي هناك في المدينة الكبيرة حيث الجدران من عرق الفقراء والسقوف من جوع اليتامى , اما انا فساعود مثل كل يوم الى منزلي المحفور على صخرة عفنه , ولفراش بلله المطر حتى صرت لا اشعر فيه وهو يمخر عظامي شيئا فشيئا , انا بنت هذا المكان ولدت هنا وكبرت هنا وساموت هنا , وقبل ان تخرج الكلمات الاخيرة من بين شفتيها الذابلتين يرتعد الفارس وكله وجع والم ويقترب اكثر حتى يلامس ظلها المتكسر على العشب , نعم انا ابن المدينة المتحضرة عشت هناك في قصورها وتربيت بين دفً فراشها وعذوبة خمرها , نعم انا ترعرعت على ايدي الخدم وصرخت كثيرا في وجه الحشم , سلبت حرية العبيد كي انعم بوقت طويل وغالبت النوم في عيونهم كي الهو بمساء عليل , ولكني ما زلت بشرا احس وابتسم وابكي , ما زلت اتنفس نفس الهواء واشرب نفس الماء ما زلت احلم واصحو واتألم واكبر , لا تصديني بذنب ما ارتكبته فانا غني وانت فقيرة ,انا ابن المدينة الكبيرة وانت بنت القرية الصغيرة , لا اشعر الان الا انني وانت في مركب في وسط بحر ازرق لا نهاية ولا بداية له , اشعر اني خلقت الان من جديد , واني عشت هناك في بيتك الصغير وتبعتك كل يوم وانت ذاهبة للنهر تناجين الغصون وتغنين للعصافير اشعر الحين اني وجدت ما كنت ابحث عنه منذ سنين تبعته في الوادي والجبل وفوق التلال وبين الغابات المترامية وتحت المطر وامام الريح وخلف الظلال , ما اشعر به الان يسلبني حتى الحراك والكلام هنا وفي هذا المكان الحقير البعيد شهدت اول بشر غيري وشعرت بانك المراة الوحيدة التي لامس عينيها بصري , من اول وهلة رايتك فيها وها قد مضى علينا بضع ساعات مرت كلمح برق او كخيط نور الشمس حين تنام , شعرت انك من اطاردها منذ اعوام من الاحقها وسهام قوسي نحوها تخطئ في كل مرة والان هي من تصيبني بسهم في الصميم , بحق السماء لا تصديني عنك فقلبي اللحظة بات ينبض مع كل رمشة من جفنيك انت من بحثت كثيرا عنها فكيف ابتعد وقد تعلقت الروح وسلم الجسد وتحركت الجوارح , انظري في عيني علكي تنتبهين لما في قلبي الا تعلمي ان اسرار القلب لا تخفيها العيون عند اول نظرة , وان نبض القلب نشعر فيه عند اول لمسه , وحر الشوق عند او قبله , كنت اريدك قبل هنيهة ان تدليني على طريق ضيعته والان ابصر في عينيك طريق لا اظن اني ساتوه فيه بعد اليوم ,وبينما اللحظات تمر عليهما دون ان يشعر كل من هما اقتربت الشمس على المغيب, "هي صامتة يجذبها اليه صوته الدافىء وكلامه العذب ونبض قلبه المحب , وهو ساكن لا تحركه سوى الاحاسيس والكلمات تخرج من شفتيه دون اذن ودون حتى ان يسيرها ", وبينما هما في عراك مع الوقت يتبادلان الحديث ويلتقطان اخر ضوء في ذاك النهار البارد تقطاعه كانها تقطع حبل انفاسها بيديها ساذهب الان فقد رمى الليل بستاره الخافت اعالي الجبال وراحت الشمس ترمق السماء بنظرة اخيرة وبينما هي تهم بالرحيل نظرت نحوه ثم غابت عينيها مع مغيب الشمس تتفحص الطريق نحو بيتها وقبل ان تبتعد عن المكان وبينما هو في صمت داكن ناداها بصوت مس روحها قبل ان يطرق اذنيها ساعود غدا لنفس المكان سانتظرك ها هنا يا ... ثم خفت صوته قليلا.... حبيبة نفسي .
الى لقاء في الفصل الثاني