’’ انتهيت من أداء صلاة الفجر ، وإذ شرعت في تلاوة
أذكار الصباح ، وجدت قدمي تقودانني من حيث أدري ولا أدري ، إلى ركن من فناء
بيتنا ، بيني وبينه وشائج حميمة ، فههنا ، وقبيل شروق الشمس كنا نجلس لنتناول قهوة الصباح ،
هنا ، كم تبادلنا أوراق الريحان ذات الرائحة الزكية ، وكم تبادلنا الأحاديث الشجية
, قال لي مرة : إن النيام في مثل هذا الوقت لفي خسارة عظيمة فهو وقت توزيع الأرزاق
كما قال عليه الصلاة و السلام , قلت : إنه لكذلك , فقد حصلنا على رزق وفير قد لا
نعلمه كله و حسبنا مما نعلم ساعة الصفاء هذه منها نأخذ زادا لبقية يومنا و نسمع
تسبيح العصافير و أوراق الأشجار القريبة,,
وأخذ يتحدث عن الفائدة الصحية التي يجنيها المسلم
من الاستيقاظ المبكر قلت ربما كان هذا من بعض الرزق الذي أشار إليه الرسول صلى الله
عليه و سلم , و امتد الحديث بيننا و تشعب , فأخذنا نتحدث في طبائع أبنائنا فهذا
كتوم صبور يصلح للمهمات الصعبة , و ذاك هادئ مثابر يصلح أن يكون طبيبا , و هذا
متسرع انفعالي لكنه عطوف حنون قد يصلح شاعرا أو كاتبا , و الصغير سألته : ماذا
سيصبح إذا كبر ؟ ضحك وقال : لم تحدد معالم شخصيته بعد لكنني ألمح فيه أمارات نجابة
مبكرة , و دعونا الله تعالى أن يوفقهم لما فيه الخير في الدنيا و الآخرة , قام يسقي
حوض الريحان وشجرة السدر التي غرسها مؤخرا و إذ جرى الماء في ا لحوض قلت : ما شاء
الله الماء والخضراء , وكان يعلم أن عليه أن يكمل العبارة بالنعمة الثالثة , فقال
ضاحكا : و الوجه الحسن , شعرت بالرضى و لم لا؟ فزوجي و الحمد لله لم يبت ليله يقلب
بصره في محاسن النساء عبر القنوات الفضائية لذا فهو يراه حسنا .
نظرت إلى عرق الريحان الذي اعتدت أن أهديه له و
غلبتني دموعي , إن الريحان ليسألني عنه و إن شجرة السدر تسألني و نخيلات غرسها و
تعهدها بالماء و السماد لتسألني عنه , و ترد دموعي فلم يعد باستطاعتي رؤية ابتسامته
العذبة عندما أقدم هديتي له , نعم فقد رحل رفيق العمر, رحل و بقيت بعده وحيدة
بالرغم من ضجيج العالم كله , رحل و ترك فراغا لا يمكن أن يسده أحد , مر في ذهني
قوله صلى الله عليه و سلم في حمنة بنت جحش إذ نعي إليها أخوها عبد الله في أحد
فحمدت الله و استرجعت و نعي إليها سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب خالها فحمدت و
استرجعت و لكنها لما نعي إليها مصعب بن عمير زوجها صاحت فقال رسول الله صلى الله
عليه و سلم : " إن للزوج لمكانة من المرأة " , نعم و الله إن له لمكانة و أي مكانة
و إن له لفضل وأي فضل و لو أنكرت ذلك كثير من النساء كان يسافر عني أو أسافر عنه
فأدرك جوانب من فضله ما كنت أدركها بوجوده , و لا تزال الأيام تريني من فضله بعد
غيابه المزيد , يسكنني من بعده انكسار لا يوصف كما لو كنت ملكة سحب من تحتها العرش
فأصبحت لا تلوي على شيء , كأنني كنت أعيش تحت خيمة تحميني , تقيني الحر و القر و
الناس إذا بي من بعده كأنما أحيا في العراء نعم لقد فجعت في صاحبي في ليلة كالحة ,
مضى فجأة إلى العالم الآخر , ذهلت بل ربما كنت غافلة فانتبهت , حسبت أن الموت هو
الحقيقة الوحيدة في هذا العالم و كل ما دونها وهم أو سراب , نظرت إليه جسدا مسجى ,
منذ ساعة كان معنا يحدثنا و نحدثه كانت الحياة تملؤه بكل معانيها منذ دقائق كان
يؤدي صلاة الوتر و الآن ...
رحلت روحه صعدت إلى بارئها يا لها من ساعة تنهزم
فيها جيوش الصبر إلا أقلة ,
أنا ما زلت لا أصدق الذي حدث , أتمنى لو كان حلما
أصحو منه فأقول : الحمد لله إنه مجرد حلم , إني لأعجب كيف لم يتفطر قلبي أسى و لم
تتساقط نفسي حسرة عليه وأنا ألقي عليه نظرة أخيرة قبل تشييعه , كان وجهه مشرقا جدا
تعلوه ابتسامة كأنها ابتسامة الرضى , حتى لقد سألني أحد أبنائي قائلا : ماذا وضعوا
على وجه أبي حتى أصبح أبيض هكذا ؟؟ لئن لم أشارك في تشييعه لقد شاركت في ذلك روحي و
إن لم أحضر دفنه فقد دفنت معه سعادتي و بعض معاني وجودي.
اثبتي ـ قالت إحدى الأخوات اللاتي حضرن لتأدية واجب
العزاء ـ قوى الله عزيمتك و ألهمك الصبر نسأل الله أن يكون هناك لقاء قريب في مستقر
رحمته , أحسست أنها هونت شيئا مما أجد حقا إن الإيمان بالبعث يخفف المصاب و لا عجب
أن يصبر المسلم على موت صفيه و لا عجب كذلك أن يجزع غير المؤمن أو ينهار لأن الدنيا
هي نهاية المطاف عندهم و ذلك مبلغهم من العلم , اجتمعت إلى أخواتي في الله و ما زلن
بي حتى ظننت ما أنا فيه من البلاء نعمة أحمد الله تعالى عليها , و له الحمد على كل
حال , عزينني بانتفاضة الأقصى التي تقدم زمرة من الشهداء في إثر زمرة تحت سمع "
العالم الجديد " و بصره , و لا أحد يحرك ساكنا و بما يحدث للمسلمين في أفغانستان ,
فهذه " سيدة العالم الحر " ترسل تحت جناح طائراتها الموت الزؤام لآلاف الأبرياء في
القرى الأفغانية تقتل من تقتل و تجرح من تجرح و تشرد من تشرد بحجة واهية تسميها
الإرهاب و العالم كله ينظر , نعم قد تبدو مأساتي هذه في فقد زوجي الحبيب هينة ـ وما
هي بهينة ـ أمام ما يعانيه المسلمون في أطراف العالم من قتل و اضطهاد و تشريد .
قالت لي إحدى الأخوات : غدا تنسين و كيف أنسى من لي معه منذ أن أستيقظ من النوم
ذكرى بل هو من كان يوقظني يقول : الصلاة , الصلاة خير من النوم ؟ فأسرع إليها و قد
أتأخر فيبدي تذمرا من ذلك فأقول قد قال الله تعالى "وأمر أهلك بالصلاة و اصطبر
عليها " و الاصطبار فوق الصبر فيبتسم و يقول : تغلبيني بالحجة فأقول " لا يغلبن إلا
كريم " فيعجبه ذلك و يستحسنه . أشرقت الشمس و ذبل عرق الريحان في يدي و بردت قهوة
الصباح و لم يشربها أحد , و الذكريات لا زالت تتداعى علي خرجت ابنتي إلى حيث تعلم
أين تجدني إذا افتقدتني قالت: حسبك يا أماه فالحياة ما زالت أمامنا , قلت أنتم
حياتكم أمامكم تأملون بها و بها تحلمون , أما أنا فحياتي أصبحت ورائي , على الذكرى
أعيش و بها أتنفس و منها أقتات , بها ألتذ ومنها أتألم إلى أن تحين ساعة الرحيل ,
أعيش أستعين بالله تعالى على تأدية رسالتي و حمل مسؤولياتي في الحياة الدنيا و عيني
على الحياة الباقية الخالدة بجوار الرفيق الأعلى سبحانه حياة لا موت فيها و لا بؤس
و لا بلاء .
أسأل الله تعالى أن يرحم أباك و يسكن روحه في عليين
ويجمعنا به في مستقر رحمته قولي آمين.
