عمر الإنسان – مهما طال – له نهاية ، ولكيلا تضيع البقية الباقية منه ، يجب أن
تكون حياة ملأى ، بمعنى أن يعيشها الإنسان كما يرغب هو ، لا كما يرغب الآخرون .
حامد
عبد الواحد اليوم بلغ السابعة والستين من عمره ، يتأمل عالمه الداخلي بحثاً عن حياة
ملأى . عادة ألفها في سنوات عمره الأخيرة .
يتذكر الآن رحلة على (دراجة هوائية ) قام بها ، وهو فتى شاب لم يتجاوز الخامسة عشرة
، من مسقط رأسه ( جسر الشغور ) إلى مدينة ( اللاذقية ) .
كان
ذلك في مطلع فصل الربيع ، حيث تشرق الشمس الدافئة ، كالمرآة الذهبية ، على التلال
والمنحدرات المكللة بتيجان الثلوج ، فتجري حبيبات الماء العذب البلوري سواقي منحدرة
مترنمة بالنشيد وبالحصى النضيد .
خمسة
من الأصدقاء الفتيان : حامد ومعين ومصطفى وعبد السلام ومحمد تعاهدوا وتواثقوا على
القيام برحلة جماعية ، كل على دراجته الهوائية ، من الجسر إلى اللاذقية . المسافة
تستغرق تسعين كيلو متراً ، تتسلق دروب الجبال الشاهقة في أكثر مراحل الذهاب . رحلة
تستحق المغامرة في حساب الفتية الخمسة .
صباح
اليوم الموعود تساقطت وعود الفتيان واحداً واحداً ، ولم يبق مستعداً للمغامرة
الحلوة غير حامد ومعين .
أصرّ
معين العنيد على تنفيذ المشروع المغامرة ، على حين تعلل حامد بفوات الفرصة ، حين
تخلى الآخرون رفاق الدرب ، وارتفعت شمس الضحى في السماء ، ولم تتخذ أهبة السفر من
زوادة الطعام والشراب ، ومستلزمات الدراجة الهوائية لمسافة طويلة ، كأدوات النفخ
والقص واللصق وما شابه ذلك .
معين
من طبعه العناد ، والإصرار على القرار الذي يتخذه ، ولو كانت عاقبة قراره الهلاك .
أما حامد فهو أقرب إلى (المسايرة ) ، ولاسيما في القضايا العادية . إنها رحلة
يمكن تنفيذها ، ويمكن التخلي عنها ، كما يمكن انتهاز فرصة أخرى لتعويضها . هكذا
تسير الأمور .
إذا
اجتمع صديقان أحدهما ملحاح والآخر مساير ، فالنتيجة أن إرادة الملحاح سوف تمضي .
وهكذا خرج الفتيان من أعماق وادي العاصي ، مع سطوع شمس الربيع العارية ، يتسلقان
المرتفع الأول . بعد توغلهما في الطريق المتعرج الصاعد . . نزل كل منهما عن دراجته
ليجرها جرّاً ، بدلاً من أن تحمله هي ، حتى بلغا القمة العالية ، كمن يخرج
منتصراً من معركة .
في
الحقيقة لم يستطيعا الفوز بسهولة ، لولا المحطات التي اتخذاها بين الفينة والأخرى .
يقفان فيها أو يجلسان على حوافي الصخور الكلسية ، المغسولة حتى البريق بماء المطر
والجداول الفضية ، ذات الخرير الأخاذ ، فيستنشقان الهواء البكر ، ويحدقان في ملاءات
السحب الشفافة ، أو يرميان بنظريهما إلى السجاجيد الخضر ، التي تستلقي على السهول
والمنحدرات بارتياح ، عابقة بأريج الأزهار البرية ، ثم يلهجان بعبارات الاستمتاع
العميق :
-
يا سلام ! أين أنت يا عبد
السلام .
عبد
السلام هذا أحد الأصدقاء الخمسة الذي تخلى عن الرحلة ، وهو أكثرهم تعلقاً بمشاهد
الطبيعة : أزهاراً ومياهاً ونسيماً عليلاً بليلاً .
كلما
قطع حامد ومعين شوطاً ، أو وصلا إلى محطة استراحة ، استأنفا تذوق الرحلة والاستمتاع
بنعميات الطبيعة استمتاعاً مضاعفاً . يستمتع الواحد منهما عن نفسه أولاً ،
وبالنيابة عن عبد السلام الغائب الحاضر المحروم منها ثانياً ، ويتخيلانه ، وهو
يتشمم العبير ، ويتمايل مع النسيم ، تمايل السكران .
في
كل مرة يكتشف الفتيان أنهما لم يخطئا حين قررا إنجاز الرحلة ، لما يصادفانه من
ألوان الجدة في مفردات الطبيعة ، والنجاح في قطع المسافات ، لكن الرحلة كالحياة لا
تخلو من منغصات ومفارقات . لقد اجتازا ثلث المسافة من غير طعام ولا شراب ، ولم يصلا
إلى منطقة (القساطل ) ، حيث المقاهي والمطاعم والمياه المتدحرجة من أعالي الجبال .
صارت العضلات التي تجر الدراجتين متعبة ، تنادي على الطعام ، ولا طعام . الطريق
الأسود يمتد خالياً من البشر والعمران بين الجبال والصخور والحقول .
أخيرا اكتشف الفتيان بعض الأبقار ، يصاحبها شبح طفل ، يمكن أن يظن بأنه راعٍ لها ،
أسماله بالية حائلة لألوان ، وشعره نامٍ شذرات متناثرة كالنباتات البرية
باتجاهات مختلفة ، و وجهه ملوح بالشمس والهواء الخفاق .
-
هل عندك طعام ، خبز ، ماء
؟؟
-
ما عندي شيء .
-
خذ نصف ليرة ، وأحضر لنا
خبزاً من قريتك .
غاب
الشخص الذي يسكن الطفل ، ثم عاد ببعض الأرغفة التي أتى عليها المغامران ، فاشتدت
العضلات ، واستوى العمود الفقري ، وانطلقت الدراجتان كالسهم .
بعد
استراحتين متتابعتين في (قسطل الشيخ نوري ) و(قسطل وادي الشيحان ) اضطر الفتيان من
جديد إلى تسلق (طلعة السفكون ) ، وهي طريق طويل صاعد في جبال اللاذقية كالسلم ،
يجران دراجتيهما كخيول منهكة ، ونسيم أشجار الصنوبر البري الطري يملأ خياشيمهما ،
حتى مرّا بغابة البرتقال والليمون المطلة على ضفاف (النهر الشمالي الكبير ) ،
فتتداخل أنسام الصنوبر بأنسام القداح ، فتتدافع حواس الشم واللمس والتذوق والخيال :
-
يا سلام . أين أنت يا عبد
السلام ؟
أخيراً وصل المغامران إلى مدينة اللاذقية ، والشمس منحدرة برأسها البيضوي على
البحر الممتد ناعسة ، تتساقط حبات التعب من أهدابها الطويلة . لقد انتصر
المغامران ، لكنه انتصار لا يختلف عن الهزيمة في العضلات والأوصال . البحر عميق
واسع لازوردي شفاف ، والشمس لطيفة ساحرة والناس على الشاطيء تغدو وتروح بألوان
زاهية ، وباعة النقل والمكسرات يصيحون على مشهياتهم ، لكن أين العيون الصاحية ،
والحواس المتفتحة ؟؟ أجهزة الاستقبال دخلت في خدرٍ ، له ملمس شوكي .
لكي
يعالج الفتيان ما ألمّ بهما من عناء التسلق والتدحرج ذهبا إلى حمام السوق ، ثم
استسلما إلى نوم أهل الكهف في فندق ، وفي الصباح اكتشفا أن استكمال الرحلة إلى
مدينة ( جبلة ) القريبة من اللاذقية غير وارد ، وأن تعجيل العودة هو القرار الأفضل
. أهلهما الآن يبحثون عنهما .
كان
طريق العودة أسهل وأسرع . ولما اقترب الفتيان من مدخل (جسر الشغور ) عصراً ، كان
الناس يتوجهون إلى منتجع (اشتبرق ) الكائن في ضواحي المدينة البعيدة . قرية مقتطعة
من الجبال والأنهار والحدائق والبساتين ، تجري من تحتها الظلال والثمار وواحات
البلور المتماهي مع فُرُش النعناع البري العطري ، ذي الرائحة النفاذة ، حيث تتدلى
أغصان الأشجار من حور وصفصاف ، كجدائل الشعر النسوي الطويلة ، تداعب مجموعات الرقص
والغناء والشواء ، وحيث تَنصِب أشجار التين وعرائش العنب خيماً مسكونة بالأخيلة
والأحلام . انعطف الفتيان في مغامرة جديدة ، وانغمسا في حشد المصطافين إلى (اشتبرق
) ، كأن شيئاً من السفر والتعب لم يكن ، وكأن روحاً جديدة دبت فيهما . عجيب هذا
الإنسان ، كيف يعاني ، وكيف تنصرف معاناته ؟
هذه
الرحلة الصبيانية تشغل مساحة خضراء بضة في ذاكرة حامد عبد الواحد ، يستعيدها كلما
أراد أن يعوض عن الواقع الجاف الذي هو فيه . لكن التذكر شيء ، وتذوق الرحلة نفسها
شيء آخر ، ومن لا يملك إلا التذكر فماذا يصنع ؟
ثمة
رحلة أخرى ، قام بها حامد بعد مضي أكثر من ثلاثين عاماً من الرحلة الأولى ، لا تكاد
تفارق مخيلته ولا أعصابه ، وهي الرحلة التي اجترحها مع صديق آخر لا يقل عناداً عن
معين ، حين اضطر حامد إلى أن يعبر منطقة الحدود السورية شمالاً على قدميه ، هارباً
بجلده .
الرحلة الثانية كانت في مطلع الربيع البكر أيضاً ، في طريق غير معبد ، وعبر الجبال
الوعرة ، والأودية المخضلة بالخضرة اليانعة ، نفذها حامد برغبة كاملة ، وإرادة
واعية ، خَبِرت الحياة حلوها ومرها طوال خمسين عاماً ، وهي جزء من حياته ، التي
يعدها حافلة بالعزم والتصميم ، لكن أثرها في نفسه يختلف عن ذكرى الرحلة الأولى . هل
لأن الرحلة الأولى كانت من جزء في الوطن إلى جزء آخر ، والرحلة الثانية كانت من
الوطن إلى الغربة والتشرد والحنين والشوق ومرارات التذكر والتحسر ؟ أيُّ الذكريين
هي الأفضل في ميزان الامتلاء والفراغ والضياع ؟
-
بل ما أهمية الذكريات بعد
سنّ السابعة والستين ؟
-
أهميتها بالغة . تخيلْ
إنساناً بلا ذاكرة ، بلا ذكرى !! الحياة كلها ذكرى ، وما الموت إلا رحلة من مراحلها
، لو ندري . وقد قيل : الناس في الحياة نيام ، فإذا ماتوا انتبهوا .
-
إذا كان الأمر كذلك ، فأي
المراحل أهم ؟ ما قبل الموت ، أم ما بعد الموت ؟

*
كاتب سوري عضو رابطة أدباء الشام