ليس إلى هذه الدرجة يا خالد , قال وسيم مرتبكا
- على كل حال , الحمد لله أني كنت معكما لكي لا أدع واحد منكما يجن لهذه المفاجأة .
نهض خالد مدعيا أن لديه نكالمة سريعة ثم يعود , و قد ذهب وهو غير مصدق أن وسيم ل
يعرف رؤوف .
- ماذا تعمل ؟
قال رؤوف : صحفي ...
- أين ؟
صحيفة الصباح .
- و أين تعيش ؟
رد : في القصبة .
استفسر منه كيف جاء إلى هنا و هل لزيارته هذا المكان علاقة بعمله .
رد بإيجاب : رغم أنه منذ بداية هذا التحقيق لم يخبر أحدا بهذا الأمر .
قال منتبها : أين آلة التصوير , أين الورق و القلم ؟ أليست هذه أدوات الصحفي ؟
إبتسم رؤوف : بلى هي أدوات الصحفي , و هي معي ... و لكن لم أسألك أنا عن حياتك .
إنتبه وسيم : ما لها حياتي ؟
إبتسم ثانية : لا شيء , و لكن التحقيق يسلط بعض الضوء على الناس الأكثر ثراء في
الجزائر , و حياتهم .
قال مطنئنا : عادي , كأي واحد من هؤلاء , ألم تتحدث مع خالد ؟
- بلى .
- إذن , ما قاله لك ينطبق علي .
رجع خالد إليها , نهض وسيم ليتمشى قليلا معه , مشيا قليلا ثم عاد خالد إلى رؤوف
بينما كان الأخير بالخروج .
- رقم هاتفك من فضلك وسيم صديقي و سنلتقي معا قريبا قال ذلك بعدما بدأ يشك في هذين
المتاشبهين .
تبادلا أرقام الهاتف , ربما ليكونا مستقبلا صديقين ثم إفترقا .
ترى هل يفكر وسيم و خالد و الذين إلتقيتهم من شابات و فتيات في الشيراطون و سان
جورج و شاطئ موريتي و نادي الصنوبر , هل يفكرون في رمزي و أمثاله أم البرج العاجي
سيبقى عاجيا و أن الأثرياء أثرياء و الفقراء فقراء , و هذه هي الجزائر , و كل واحد
ينام في الفراش ألي قدو و ما يحاولش يطول رجليه أكثر من فراشه ؟
كان هذا ما يقوله رؤوف هذه المرة و هو في باب الواد , الوجه الآخر من الجزائريين ,
جزائريي الجوع و العطش , و التشرد , ... لا جزائريي الجان سات , و نادي الصنوبر ,
... و بينما كان الحديث مع أصحاب الجيوب المنتفخة يتم بصعوبة , و دون مصارحة في
أغلب الأوقات , كان الحديث مع أصحاب الجيوب الفارغة سهلا يسيرا , و فيه تكشف على
الأوراق .
في ذلك الحي الفقير , على مقربة من إحدى المزابل وجد شبابا في مختلف الأعمار ,
عددهم ثلاثة تحلقوا حول رؤوف و هو يتحدث مع أكبرهم الذي يدعى رمزي .
دون مواربة أخبره حين سئل عما يفعل هناك و عن الشيء الذي إضطره لذاك قال يسرد همه ,
ذلك الهم الذي لم يسع به وسيم , و لا خالد , و لا فلان , و لا أحد من طوافي بلدان
العالم ذوي القلوب المتحجرة , لا ... بل عديمي القلوب أساسا , فذكر أن والده الذي
كان أجيرا و عدم إيجاده العمل منذ ذلك الوقت كانت دافعا للمجئ إلى هذا المكان ,
لولا الفقر الذي طاردهم كالقدر المحتوم , نبحث عن أي شيء يصلح للأكل أو اللباس ...
كان رمزي يحمل كيسا أسودا جمع فيه بعض قطع الخبز اليابسة التي وجدها مرمية هناك ,
منها النظيف و منها ما لونه المرق , أو التراب و يحتاج للبقاء عند أشعة الشمس ليجفف
أو لنفض الغبار عنه , مع بعض الخضروات التي لا تسلم أغلبها من الرائحة النتنة يعقب
على أنه بمجرد طهيها ستصبح قابلة للأكل .
البعض يدفع للوجبة السبيسيال ثلاثة آلاف دينار كحد أدنى للفرد الواحد و عائلات
بأكملها تأكل طماطم نتنة , ثم يقال أنها بلاد الديمقراطية و العدالة الإجتماعية ...
البيوت القصديرية لديها مكانها الواسع في مثل هذا المكان , و هي تنتشر كالبثور على
وجه الفتاة الحسناء , عائلات بالمئات يسكنون حيث تسكن الجرذان , و حيث تنعدم المياه
الصالحة للشرب , و حيث رائحة المياه القذرة تأخذ مجراها أمام هاته البيوت لإنعدام
قنوات الصرف الصحي .
أمهات تعيسات , أغلبهن لا يحلمن إلا بسكن لائق يسترهم و يستر أولادهم و يقيهم من
برد الشتاء و حر الصيف , و يحميهم من أمراض و أوبئة تأتي بها قذارة المياه و عفونة
الخضروات النتنة .
سألأ رؤوف أحد أصحاب رمزي , الذين كانوا متجمعين حوله , ما رأيكم في الفئة التي
تعيش في رخاء مادي , قال شاب : بنبرة لا تترجم ما يقول : الله يزيده من نعمته .
و حين ذهب إلى شاطئ "لافونتان" وجد شبابا هناك , بعضهم يصطاد السمك ... بعضهم إختار
زوايا بعيدة فوق الصخور الحجرية ليشرب كحول "هنكل" , و بعضهم جاء ليتأمل ... فيما
كانت مجموعة كبيرة من هؤلاء تسبح في البحر .
- أين تريدنا أن نسبح في موريتي و نادي الصنوبر ؟ لا , تلك للحيتان الكبيرة , ...
نحن يا سيدي مثلنا مثل السردين , حشيشة طالبة معيشة , أما موريتي فهو لـ "الدولة" .
بعد هؤلاء الشباب زار رؤوف مركز الشرطة القريب من هناك ليضع نفسه في الصورة , و كان
السؤال يدور حول إنحرافات الشباب , لماذا ؟ و من هم المنحرفون من الشباب ؟
كان الجواب واضحا , السرقة لا تكون من الأغنياء , تخيل واحد مثل وسيم يملك والده
إحدى أكبر الشركات الخاصة في الجزائر و يصرف يوميا الملايين يمكن أن يسرق عقدا
رخيصا لفتاة في الشارع ثم يسلم ساقيه للريح ؟ و الإعتداءات المسلحة , و عصابات
الأشرار التي يكونها بعضهم ليست إلا نتيجة لذلك الفقر ... حتى أن بعضهم لم يجد حرجا
في القول بأن أعمال السطو و الإعتداء بالسلاح لا تكون إلا ضد الأثرياء إنتقاما من
المستوى الذي وصلوه في وقت يعيش فيه غيرهم مع الجرذان .
بعد يوم من هذا سلم رؤوف المقال الطويل العريض إلى رئيس التحرير الذي طلب أن تخصص
له المساحة الكاملة التي يستحقها , دون أن يتعرض له بتعديل أو تنقيح .
- تحقيق رائع , أهذا ما شغلك كل هذه الأيام . سأل فيصل .
رد رؤوف : أجل المهم أن يكون في المستوى عندما ينشر .
- أكيد أنك تعبت كثيرا لإنجازه .
أجاب مرتاحا : حين أعرف نجاحه , عندها يزول كل تعبي .
عاد إلى البيت منهكا في ذلك اليوم , إستطاع أن ينام نصف ساعة قبل العشاء , ذهبت
والدته لتحضر "الملوخية" التي يحبها , إستيقض فذهب يشاهد بعض الأخبار قبل أن تناديه
أمه بأن الأكل جاهز .
في ذلك الوقت كان يفكر في "وسيم" و الشبه الكبير بينهما , هل هو مجرد شبه ؟
الإختلاف الوحيد كان في اللباس و هو إختلاف عادي , أما كل ما سوى ذلك فمثله تماما
كأنه ينظر إلى نفسه في المرآة ...
سألته والدته : ما لك يا رؤوف , فيم تفكر .
نفي أن يكون مفكرا في شيء ذي بال , كل ما قاله لها أنه تذكر طفولته , كيف دخل
المدرسة أول مرة , و كيف أخذته معها لتعرفه عليها , ... ربما قال لها هذا ليفتح لها
المجال لذكر شيء ما , و لكنها لم تزد على ما ذكر ما كان يعرفه من قبل .
- ربما لم أسألك من قبل هذا السؤال , و لكن هل كنت أنا المولود الوحيد في العائلة
أم سبقني إخوة و ماتوا ؟
تنهدت ثم قالت : هذا الكلام يعود إلى أكثر من أربع و عشرين سنة , ماذا يهمك فيه ؟
لم يرد أن يحكي لها عن قصة "وسيم" كان شيئا ما يقول أن لديه علاقة كبيرة بهذا الشاب
, و أن تلك الفروقات المادية بينهما مختلفة و ليست أصلية في كليهما .
- فقط تذكرت الأمر ... أحب هذه الأشياء .
و لكنها لم تحدثه بالكثير , ذكرت له أنها أنجبته بعد أن توفي والده بأشهر , و أنها
كانت في تلك المدة تعمل في بيت إحدى السيدات الثريات معتنية بالمنزل , حتى حين
إقتربب موعد الولادة لزمت بيتها فلم تخرج منه إلا إلى المستشفى حيث ولد .
كان هذا الكلام قد سبق أن سمعه منها ... و لكنه هل هو كل الكلام ؟ هل هو كل التاريخ
؟ سأل نفسه بينما كان في فراشه يريد النوم .
في صباح الغد كان متوجها للعمل بينما كان يتناول فطوره لاحظت والدته أنه على غير
عادته , فهو لم يلق عليها تحية الصباح و لا يتحدث معها مثلما كان يتحدث , سألته :
- ما لك ؟ هل بك شيء ؟ كان ربما متجهما أو غاضبا أو أي شيء إلا أن يكون ما عليه
عاديا.
- حلم ... قال باقتضاب .
- خيرا إن شاء الله ؟
قال في عجالة : حلمت بعصفورين كانا عند أمهما , فجأة أخذت الرياح واحدا و ركت
الثاني .
- و الأم ؟ ماذا فعلت ؟
قال و هو عازم على الخروج : لم تفعل شيئا ... ثم ذهب .
بدأت الدراسة الجامعية أواخر سبتمبر , غير أن حسام كان يذهب و يعود كل يومين لغياب
أغلب الطلبة , رغم إعلان الوزارة بدء السنة الجامعية , و تزامنت تلك الأيام مع
إبتداء شهر رمضان , ففضل أن يقضيه مع العائلة أفضل , على الأقل يكون برفقة والدته
فلا تحس بألم الإفتقاد أكثر , إفتقاد البنت الوحيدة التي قتلت , و افتقاد الإبن
الوحيد الذي يدرس و يعود إلى حضنها و هو اليوم سيدرس و لن يعود إليها ... و في
الجامعة إستطاع أن يلتقي برانيا رغم المحنة التي أصابت كلا العائلتين , و هي المرة
الأولى التي يعلم فيها حسام عن مرض كريمة , كان الحزن لا يزال جاثما على صدر
الحبيبين , , عيون تتلاقى فتكشف من دون شفاه كل ما لا تقول الألسنة ... , آه منك
أيها الحزن ... آه منك ... أين كنا و أين صرنا ... أنا ضيعت أختي الوحيدة , و أنت
تمرض والدتك مرضا يستعصي على الأطباء ...
و في الشهر المعظم نفسه جاءت والدة كريمة فأقامت يومين معهم ثم إصطحبتها إلى وهران
... لم تكن قد غادرت هذه المدينة إلا منذ أسابيع قليلة , و ها هي تعود إليها لا
كالمرة الماضية بوجه ممتلئ , و عينين ثاقبتين , و لكن بشحوب و نظرات ضعيفة تعني أن
ذلك الإنسان يذبل و يذوي و ليس من المستبعد أن تتساقط أوراقه كلها ... هكذا كانت
تفكر جدة رانيا , لم تكن قد جاءت فقط من أجل أخذ إبنتها لتقيم معها أياما ثم تعود
دون شيء ما , و لكن قررت أن تعرض كريمة على عرافة من العرافات هناك في مدينتها , و
الذي عجز عنه الأطباء لن تعجز عنه هذه العجوز ...
كانت والدة كريمة إمرأة فاضلة , و عليها مظاهر الطيبة و الخير , غير أنها خدعت
بكلام بعض النساء فذكرت الأمر لابنتها و زينته لها .
و في الوقت الذي رفضت فيه كريمة هذا الأمر رفضا مطلقا متعللة بأنها سيدة من سيدات
المجتمع و هي تحارب هذه الأفكار لا تساهم فيها و تخضع لها أخذت أمها تلقي في روعها
كلمات لتطمئنها و تيسر لها الفكرة , ذاكرة أنها إن لم تربح شيئا فلن تخسر , رغم أن
الربح أقرب إلى الحدوث لأن العجوز التي ستزورانها ليست أيا كان , فهي من ذوات الحول
و القوة , و يأتيها الناس من كل أقاصي الأرض , و تزدحم عند مدخل بيتها "سيارات
فاخرة , و أصحاب المقام الرفيع ... " و في نهاية الأمر إستسلمت لأمها , فذهبتا إلى
تلك العجوز و بائتا بتميمة كبيرة قيل لها أن تضعها في صدرها ... ثم مضى أسبوع على
مغادرتها البيت فعادت إلى الجزائر و أكملت أيام رمضان فيها فداومت على الصوم و
الملاة في أوقاتها , و استمعت إلى الذكر أوقاتا طويلة , حيث لم تكن تخرج من المنزل
إلا نادرا , و جاء فيصل براق فبقى معها بعض الوقت يقرأ القرآن و يعطيها ماءا تشرب
منه قرئ عليه أيضا , فشعرت بعد مداومتها على ذلك بتحسن كبير , و جاء عيد الفطر كما
اعتادوا أن يمضوه و قد عاد إلى وجهها الإشراق , و إلى قلبها تلك الجسارة لترجع إلى
سابق عهدها .
كانت رانيا قد عادت إلى دراستها منذ أيام , و بسبب هذا طلبت تغيير أوقات ذهابها إلى
معهد الفنون و هو ما كان سيحدث دون طلبها , فأمضت أييام الشهر العظيم كأحس ما يكون
.
بعد ذلك إطمئنت للقاء حسام عدة مرات في الأسبوع , فقد كانا يحلمان بمدينة واحدة
تجمعهما , و تلغي مسافة الأربع ساعات التي ملت منها , و ها هو قد تحقق لها ما كان ,
و أصبحت سعيدة ضنينة به عن غيره .
و مع نهاية سبتمير , حملت الصحف أنباءا جديدة , تلك الأنباء الي قالت في وقت سابق
أن الإعلامية كريمة قد أصيبت بالجنون ...
و "خناق في مبنى التلفزيون طرفه الأكبر كريمة ..." أصبح اللآن يقول غير ذلك .
قطعت إجازتها التي امتدت إلى أكثر من حوالي الشهرين , و رآها الناس في بيوتهم تطل
عليهم ببرنامج مطور عن برنامجها الأول , و بـ " نيولوك" مختلف كثيرا عن الأول , و
أصبحت لأسابيع عديدة حديث الوسط الصحفي .
الشيء الذي سألت نفسها عنه : هل شفائي تم على يد الرقي أم العرافة ؟
إستغفرت الله حيث تذكرت ذلك اليوم ... أما الشيء الجميل الذي تغير في هذه السيدة
أنها أصبحت أكثر حنانا و عطفا على رانيا , و أكثر إهتماما و تعلقا بـ "فيصل" ,
فمحنة المرض قد عرفتها على ابنتها و قربتها منها , و وجدت أنها كانت قد قصرت في
حقها طويلا , أما الآن فالأمر يختلف , و لن يكون لدي في العالم إلا بيتي و عملي ,
لا عملي فقط ... هذا العام سيشهد إمتحان البكالوريا بالنسبة لرانيا و تفوقها الدائم
يجعل أمها مطمئنة لنجاحها في هذه السنة كذلك , و لكن لا بد من رعاية أكبر لتكون
النتائج أفضل .
أما حسام فإنه من الأسابيع الأولى بدأ يظهر تفوقا عظيما و نشاطا غير محدود , فكان
إلى جانب أنه لا يتخلف عن أية محاضرة , يحضر الكثير من الندوات و الأمسيات الأدبية
التي تقام في جامعته و لايزال يقتني الكثير من الكتب , و يعود في نهاية الأسبوع
بسيارته مثقلا بخلاصات الفكر الإنساني .
و يعود مع رانيا إلى لقاءاتهما , و كان أغلبها بين الواحدة و الثالثة مساءا حين لا
يكون لأي منهما دراسة و كانت ربما تحضر محاضرة معه , أو يأتي إلى الثانوية لينتظرها
هناك قبل أن تعود للبيت.
