غير أنه أخبر بإستماعه المطول إلى زميلتي كريمة , اللائي يعملن معها منذ فترة , و
كانت بعضهن يعرفن فيصل و يحضرن أحيانا للبيت , فعلم من بعضهن أن زوجته تغيرت كثيرا
في طريقة العمل , و كن شعرن بما يشبه مرض ألم بها , أو مشكلة ما إعترضتها , دون أن
يعرفوا منها شيئا محددا .
هذه المشكلة أرهقت رانيا كثيرا , كانت لا تخرج من البيت بسبب أمها , و بصعوبة تذكرت
رقم هاتف حسام , فهو كان منذ مدة محفوظا في ذاكرة الخلوي , فلا حاجة لأن تحفظه , و
إنما تبحث عن الإسم و تتصل مباشرة , و لقد إستغرب منها إتصالها من هاتف المنزل , و
أخبرها بأنه قلق عليها كثيرا , دون أن تخبره بأمر أمها , فقط ذكرت له أن محمولها
سقط في الماء و ستقتني آخر قريبا .
و رغم حرص رانيا و أبيها على إخفاء تلك الصحف عن والدتها إلا أنها علمت بما كتب
عنها حين عثرت عليها في المكتبة بينما كانت تبحث عن أمر يخصها , فثارت ثائرتها , و
أخذت تصرخ فأسرعت إليها رانيا و بصعوبة أدخلتها الغرفة لترتاح .
حين إتصل والدها من الصحيفة ليسأل عن أمها , أخبرته بالأمر فأسرع بالمجيء و بقي
معها .
ذهبت رانيا إلى الصحيفة على حين غرة , منذ فترة طويلة لم تزر والدها في العمل و
أحضرت معها نماذج من الرسوم التي كانت قد أنجزتها في الفترة الأخيرة نزولا عند رغبة
والدها .
كان قد صدر منذ أيام العدد الثالث من مشروعه الجديد "صحيفة الكتاب" و بلغت أرقام
مبيعاته رقما ممتازا و اعتبر فاتحة نهضة أدبية كبيرة في الجزائر مما جعله يفكر في
جعله نصف شهري حتى يعطي للمشروع حيوية و سرعة في الوصول إلى الناس و إنتشار أكبر و
كما وجدت رانيا أنه اهتم في هذه الأعداد بإبداعات شبابية سواء من حيث المضمون أو من
حيث الغلاف الخارجي و أبدى رغبته في نشر بعض رسومها على واجهة بعض الأعداد أخذت
تختار من بين العديد مما رسمته شيئا ما تطمئن لجماله فتعطيه لوالدها .
جلست أمامه في ذلك المكتب الواسع , يتحدثان عن المشروع , و عن إزدياد القراء مدة
بعد أخرى و النداءات الكثيرة التي وصلته ليقدم هذا الغذاء الشهري ليصبح أسبوعيا ,
غير أنه إستبعد هذا و إعتبره مخاطرة , على الأقل في هذا الوقت , و أعجبته بعض
الرسوم , فأخبرها بنشرها إبتداءا من العدد المقبل .
دخل حينها صحفي في قسم التحقيقات , سأله فيصل :
-
هل من جديد يا رؤوف ؟
إلتفتت رانيا إلى رؤوف , وجدته هو الشاب الذي كان يعمل في مكتبة "القادسية" , سألها
: عفوا ماذا تفعلين هنا ؟
أجابت : جئت لأعرض على رئيس التحرير بعض الرسومات لـ "صحيفة الكتاب"
قال : زارتنا بركة
ضحك فيصل قائلا لرانيا : هو يعرف ؟
قالت : أكيد , تساءل رؤوف : ما الذي لا أعرفه ؟
قال فيصل : إنني أنا رئيس التحرير , و في نفس الوقت أنا والد هذه البنت
-
معقول ؟ أنت إبنة الأستاذ فيصل ... يعني ... يعني ...
و حك جبينه و هو يفكر : أنت من ...
قال فيصل : أجل من حدثني عن مستواك و نوع دراستك و ثقافتك العالية لذلك جئت و تكلمت
معك في الموضوع .
إبتسم رؤوف و لم يستطع قولا : لا أدري ... لا أدري ماذا أقول لك ... حقيقة أنت فتاة
طيبة ...
شكرته رانيا , و سألته عن أحوال العمل , فذكر لها والدها أنه أثبت جدارته من أول
يوم جاء فيه إلى الصحيفة .
قالت ضاحكة : ظني كان في محله إذن .
قال فيصل : أجل .
أعطى رؤوف بعض الأوراق لفيصل لينظر فيها , و كانت تحقيقا جديدا قام به , ثم استأذب
بالإنصراف بعد أن أعاد شكر رانيا و والدها كثيرا , و بقي الإثنان معا إلى وقت
الغداء ثم عادا إلى المنزل .
بعد أيام كان رؤوف يحضر لتحقيق جديد , عن أبناء الطبقات الأكثر ثراءا في الجزائر ,
كيف يمضون أوقاتهم , و أين , كيف يعيشون , و كيف يتعايشون مع غيرهم .
و كان هذا التحقيق تحولا تاما في حياة هذا الصحفي النشيط , و قد أنشأ يفكر فيه منذ
وقت طويل ربما من أول ما ابتدأ العمل في "الصباح" .
إتجه رؤوف مساءا إلى شاطئ "موريتي" بالضاحية الغربية للعاصمة , لم يكن يدخل إلى
هناك إلا أصحاب الجيوب المنتفخة و الأرصدة الممتلئة , الذين لا يعرفون إلا حياتهم
أما حياة السواد الأعظم من الجزائريين فلا علاقة لهم بها , أصلا هم يعيشون أغلب
أوقاتهم بين دولة و أخرى , تتعدد الدول , تتعدد العواصم , و لا مكان للجزائريين
البسطاء في قائمة تفكيرهم , هكذا كان يفكر رؤوف عندما دخل مع أحد رفاقه إلى الشاطئ
, حمد الله أن رفيقه هذا يمتلك بطاقة الدخول الخاصة بالمكان و إلا لما دخله .
حياة أخرى وجدها هناك , الشمسيات الكثيرة بألوان الطيف ملأت المكان , و في البحر ,
لم تتوقف دراجات "الجات سكي" عن اللعب على أوتار هذه اللجة العميقة , المترامية
الأطراف , على امتداد البصر .
استرق السمع من بعض الشباب خيل إليه لحظة أنه في مقاطعة فرنسية , إذ كان كل ما
يسمعه من كلمات من هذه اللغة , أما اللهجة العامية فهي لم تكن تستعمل أبدا في ذلك
المكان ... كانت المنطقة راقية جدا , و دليل رقيها هذه اللغة الأجنبية التي لم يسمع
غيرها ؟!
إلتقت عيناه بعيني شاب في نحو العشرين من العمر , حياه بإبتسامة فرد عليه بفرنسية
صحيحة , و استأذنه في الجلوس معه لبعض الوقت , كان شابا في كامل أناقته و قوته
البدنية , و نظارات آخر موضة , سأله عن يومياته , فأخبره أنه يقضي منذ حوالي أسبوع
ما يشبه عطلة , مضيفا أنه سيعود إلى روما بعدها ليستمتع أكثر بالعطلة الصيفية , و
رغم أنه تحفظ عن الدخول في حديث حول حياته الخاصة , إلا أنه ذكر أن والده يمضي
إجازته الصيفية في إحدى الدول الأوروبية مع والدته أما أخواه فهما بين الجزائر و
إنجلترا و لا يلقيهما إلا أحيانا ... كانت السلسلة الذهبية التي تحيط بعنقه تكاد
تصرخ بثمنها الباهظ و كذلك ساعته التي أحاطت بمعصمه و نظاراته و نوعية لباسه الذي
لم يقتنيه من الجزائر تقول أن هذا الشاب ثري إلى درجة الفحش , جاءت فتاة حينها
فنادته طالبة منه أن يتمشى معها قليلا ثم يسبحا , فرافقها ذاهبا .
لم يستغرق حديثه مع الشاب دقائق معدودات سار بعدها رؤوف يلتقط بعض الصور خاصة
لأصحاب دراجات "الجات سكي" التي يسمع هدير محركاتها من بعيد و صوت اضطرابات الماء
تحتها .
إلتفت إلى شاب آخر أقل سنا من الأول دون أن يكون مظهره أقل وشاية بثرائه من السابق
و أخبره بعد أن إقترب منه إبن رجل أعمال أنه يفضل السباحة في مثل هذا الوقت لأنه
يقضي معظم النهار غارقا في النوم ,
سأله عن سبب إختياره لهذا الشاطئ دون غيره فأجاب بأنه لا يستطيع تغييره لأنه يوفر
له الحماية الكاملة .
و يتلخص يومه الذي يبدأ عند المساء في اللقاء بالأصدقاء في النادي الذي يكلف الدخول
إليه يوميا ألف دينار للدخول فقط ثم إختيار منزل أحدهم للسهر بالموسيقى الصاخبة و
أنواع الكحول و التقى بفتاة تدعى "ماني" لا تختلف في ثرائها عن سابقيها جاءت مع أحد
الشبان حاكيا عن خطبتهما , هذه التي يتطلبها مركز أبويهما و تفرضها المصلحة
المشتركة .
ثم أخذ المزيد من الصور و فكر في الذهاب إلى أحد الفنادق الضخمة ليتابع الموضوع لم
يدر كيف إجتذبه هذا العالم و أراد الخوض في متاهاته , ما له و ما لهذه الدنيا
المختلفة عني , لا أنا منها و لا هي مني في شيء , قال هذا حيث جلس في غرفته في
المنزل , كان يعيش مع والدته لوحدهما أغمض أبوه عينيه هن هذا الكون قبل أن يبصر هو
النور , و منذ ذلك الوقت و هما وحيدان , لا أحد يزورهما و لا هما يزوران أحد.
-
أين كنت طيلة اليوم ؟
كانت حينها الساعة متأخرة , و لم يكن من عادته الرجوع في هذا الوقت .
-
تحقيق جديد يا أمي .
تنهدت قائلة : ألا يكفي العمل في النهار لتعمل في الليل ؟
قال لها : التحقيق لا يرتبط بوقت معين ... هناك تحقيقات يمكن القيام بها في النهار
, و هناك تحقيقات لا تصلح إلا في الليل ... و ربما ليالي كثيرة .
ذهبت لتحضر له العشاء , و كانت قد إنتظرته طويلا دون أن تسمح لنفسها بالأكل دون أن
يشاركها ولدها .
كان بيتهما متواضعا جدا , يدل على فقر ساكنيه , و لم يكن فيه من الأثاث ما يكفي
ليقال أنه بيت كامل ... و لكنه إستطاع في مدة قصيرة و التي عمل فيها أن يوفر الكثير
من الأشياء , أكثر مما كان يوفرها عندما كان يعمل في المكتبة من قبل ... و رغم ذلك
كانت لقمة العيش متوفرة , و قد أعطاهما الله عفاف يومهما بحث لم يحتاجا إلى غيرهما
, و كانت أم رؤوف تدعوا الله كثيرا أن يجعل له في كل خطوة سلامة , و أن يوفقه و أن
ينير دربه .
في أمسية الغد ذهب إلى فندق "الشيراطون" , و كان في هذه المرة أيضا برفقة أحدهم ,
دخل إلى هناك و وجد أحد الموظفين تقرب منه رؤوف سائلا إياه عن زوار هذا الفندق , و
الذين يقضون أسابيع هناك , قال له بأن الفقير ليس هذا مكانه أبدا , ما يجنيه موظف
في سلك التعليم مثلا في شهر بكامله يصرفه شاب واحد في يوم واحد , بل يصرف أكثر منه
و يزيد , دخول المسبح بألف دينار و الوجبة السبيسيال بثلاثة آلاف , و الجلوس إلى
أصدقاء و صديقات يعني المزيد من المصاريف ثم السهر "ستار ستوديو" يستنزف منه شيئا
ذا قيمة , و هكذا .
تحدث مع مجموعة من الفتيان في تلك الأمسية , أخذ مجموعة من الصور لبعض من رآهم من
بعيد , و عاد مثل الليلة الماضية إلى البيت متأخرا .
عمل طيلة نصف يوم في الصحيفة و غادرها ليذهب إلى فندق "سان جورج" ذو الخمس نجوم
أيضا , كانت هذه هي المحطة الأخيرة في تحقيقه فلذا الآن كتب الكثير , و إلتقط من
الصور الكثير.
و مثل اليومين السابقين قام بالمزيد من الحوارات القصيرة مع شباب "الجات سكي" أو
هكذا كانوا يسمون لإرتحالهم الدائم في طائرات بين الجزائر و عواصم أوروبية و
أمريكية كثيرة .
كان هذه المرة أيضا مع رفيقه الذي إصطحبه في الأيام الماضية بقي هناك شاب واحد في
عشرينيات العمر تقريبا سيتحدث معه ثم يذهب .
بلغته الفرنسية الفصيحة , إستغرق في كلامه مع رؤوف , لم يحدثه الكثير عن حياته
الخصة فقط لأنه لا يعرف الجزائر إلا بإسمها , و لا يعرف من مدنها بعد العاصمة سوى
وهران , عاش طيلة حياته بين لندن و باريس , و لم يأت إلى الجزائر التي هي البلد
الذي ولد فيه هو و أبواه من قبله إلا في مرات نادرة , و هو قد جاء منذ أيام من
فرنسا مع أمه التي لديها أكثر من خمس سنوات لم تزرها .
سأله رؤوف : ماذا تعني لك الجزائر بصراحة ؟
قال غير مبال متحدثا بالفرنسية دائما : لا شيء ... هي المكان الذي ولد فيه أبواي لا
غير ... لا أستطيع المقارنة بين أوروبا و الجزائر , هذا غير معقول ...
-
و الجنسية ؟
أجاب : عندي الجنسية الفرنسية : منذ أن كنت صغيرا , إضافة إلى الجزائرية ...
بالمناسبة هل جئت تبحث عن أخيك ؟
قال رؤوف : لا , لماذا ؟
رد الشاب : أكيد أنك تمزح ... أم أنك بحثت عنه و قيل لك أني صديقه , فأردت التحدث
معي إلى أن يأتي ؟
قال رؤوف : أي أخ هذا الذي تتحدث عنه ؟ ليس لدي أي أخ .
قطع حديثهما شاب أطل على صديقه : ها قد جئت .
نظر رؤوف إلى هذا الشاب , قال جليس رؤوف : هذا الذي كنت أحدثك عنه .
لم يصدق الشاب الواقف نفسه , كان يدعى وسيم , بقي ينظر مليا إلى رؤوف فيما بهت هذا
الأخير جوابا .
-
معقول كل هذا الشبه ؟ سبحان الله .قال رؤوف أخيرا .
نطق خالد : لا تلعبا علي لعبة الجهل , ... قل يا وسيم لماذا لم تخبرني بأن لك أخ
توأم .
قال وسيم : توأم ؟ ماذا تقول أنت ؟ ذكر هذا مندهشا .
كان هذا في آخر أناقته و أكملها , قد جاء سعيدا ثم إنطفأت إبتسامته بمجرد رؤيته
لرؤوف .
جلس وسيم إليهما تحت تلك الشمسية , بعد إلحاح من خالد .
قال الأخير : ماذا ؟ ألا تقول لي ما الموضوع ؟
كان التطابق بين شكليهما يثير الدهشة , غير أن طريقة اللباس التي ظهر عليها كل واحد
منهما مختلفة تماما عن طريقة الآخر , ففي حين كان رؤوف يلبس سروال جينز أزرق و
قميصا أبيض عاديين , و ينتعل حذاءا يلبس مثله مئات الآلاف من الناس , و عنده ساعة
يوجد مثلها في الأسواق بشكل كبير , كان وسيم يلبس سروال و صدارا أنيقين جدا , و
قبعة بيضاء زادته وسامة منتعلا صندلا لا يقل ثمنه عن الأربعة آلاف دينار , ... كان
الفرق بينهما الفرق بين ملكة إنجلترا و أمة سوداء رغم عدم تماثل المشبه بما شبه به
.
نطق وسيم في النهاية بهدوء مصطنع : كيف جئت إلى هنا ؟ لأول مرة أراك .
تطلع إلى لباسه ثم قال : ثم هل أنت من رواد هذا المكان ؟
سعل رؤوف ثم إبتسم مدعيا أنه في حالة عادية : لا أول مرة آتي إلى هنا .
قال خالد : أريد أن أعرف هل تلعبان علي أم ماذا ؟
أجاب رؤوف : لا , و لكن المفاجأة أذهلتني , لم أعرف أنه يوجد من يشبهني لهذه الدرجة
, خاصة إذا كان ثريا بهذه الدرجة .
قال وسيم : و أنا أيضا عقدتني الدهشة .
قال خالد : يخلق من الشبه أربعين .
