انتهت تلك الليلة حوالي الثالثة صباحا لما عاد جميع أعمام حسام إلى بيوتهم , و
جيرانه و أصدقائه خلى إلى نفسه , كانت عواطف شتى تملأ صدره , فرحة كبرى بنجاح
متميز , و حب عائلي ظهر أكثر من أي وقت آخر , و حب لفتاة تفرح من أجله أكثر مما
تفرح لنفسها , و قبل هذا و ذاك , توفيق من الله جعله ينجح و يحقق أملا رجاه
كثيرا , و كان مجرد التفكير في إمكانية عدم تحققه يخنق النفس , في ثورة هذه
العواطف , وجدت الدموع طريقها سهلا إلى عينيه فبكى كثيرا , أحيانا يكون البكاء
نعمة ... أجل إنه نعمة ... نهض و خرج من غرفته فتوضأ , و عاد فصلى كثيرا ثم رجع
إلى فراشه فنام جيدا .
بعد يومين من ذلك , أقام صالح عشاءا فاخرا على شرف حسام دعا خلاله أصدقاء العائلة ,
و كان المفاجأة رانيا التي لم يعرفها الأبوان , و قدمها حسام على أساس أنها زميلة
ناجحة , ففرحا بها , إلا أن بزينة جعلها تنتبه وسط ذلك الجمع الكبير من الناس , إلى
أت لهجتها عاصمية لا قسنطينية , و هو ما أربك حسام و جعله يخلق أعذارا .
- على كل حال , نتشرف بك كثيرا سواء كنت عاصمية أو قسنطينية .
نظرت رانيا إلى حسام نظرة لها دلالتها , و في نهاية السهرة غادرت إلى فندق "بانوراميك"
فباتت ليلتها هناك , بعدما حجزت غرفة فيه .
في صباح الغد , ذهب بسيارته ليقلها بنفسه إلى العاصمة و كان قد أخبر والديه قبلا
أنه سيمضي أياما هناك للإستجمام .
قال حسام بعدما سألته رانيا عن أمه : تراها شكت بشيء ؟
انتفضت رانيا لهذا الكلام و قالت : تشك في شيء ؟ لماذا ؟ هل فعلت شيئا خاطئا ؟ أم
أردت أن لا أحضر هذه المناسبة ؟
هذأها بكلامه العسلي و أضاف : قصدت أنك كنت مختلفة , فقد حضرت الكثير من الزميلات ,
و لكنك أثرت إنتباه أمي دون غيرك .
حين عادت قليلا إلى هدوءها قالت : كيف أثرت إنتباهها ؟
قال : يا عيني ... واحدة بهذا الجمال , و هذه الأناقة , و خطوات كخطوات الملكة ,
أكيد أنها تسترعي إهتمام الجميع ... و الحق أقول , قلب الأم يحس , خاصة إذا كان
إبنها الوحيد , يحس بكل ما يتعلق به ...
ربما فهمت أنك ...
ابتسمت : ماذا ؟ نسيت كلماتك ؟
- لا لم أنسى , و لكن ماذا أقول ؟ بصراحة : أنت كل هذا الوجود .
قالت له : إذن إنتبه أمامك و سق جيدا , دعنا نعود إلى لعاصمة ...
قال : كل الوجود لديه ... كل الوجود ؟
إبتسم كلاهما و راحا يقطعان مسافة كبيرة في فصل ساخن كهذا , الشيء الوحيد الذي خفف
وطأة الحر هو وجودهما مع بعضهما و اطمأنانهما إلى أنهما سيمضيان وقتا جميلا مع بعض
, و في النهاية وجدا نفسيهما أمام البحر .
17/08/2007 م
عاد كلاهما إلى شأنه مع العائلة , و كان حسام حين رجع قد وجد أباه قد حضر له مفاجأة
جميلة , و سعد كثيرا بها .
- و تتركاني وحدي ؟ قالت زينة لصالح و حسام حين حزما حقائبهما للسفر .
قال صالح : أنت ذهبت إلى مصر عدة مرات , حتى قبل أن يولد حسام , و أيضا أنت لم
تنالي الباكالوريا هذا العام بتفوق , و إنما حسام الذي فعل .
و أضاف حسام : ستبقين مع سلمى , و كثيرا ... ثم ابتسم و قال : على الأقل ستتخلصين
من متاعبنا اليومية .
زاد صالح : ثم هل نسيت بأنك معتادة في هذا الوقت على تمضية أسبوع أو أسبوعين في بيت
الأهل ؟
قالت سلمى : و ماذا تحضران لي ؟
قال حسام و قد هوى إليها و مسك وجهها براحتيه يداعبها , سأحضر لك كل شيء جميل
يناسبك .
في الصباح غادرا إلى القاهرة و كان برنامجهما يتضمن زيارة لأماكن سياحية جميلة , ثم
التوجه إلى دمشق التي يزورها حسام لأول مرة .
و كان مما حمس حسام كثيرا و جعله يعشق تلك الأيام التي يمضيها في مصر هي حضوره
برفقة والده الكثير من الأتشطة الثقافية , خاصة مؤتمر بعنوان " الملتقى الدولي
للترجمة و تفاعل الثقافات " , و الذي أعجب به حسام كثيرا و حضر مجموعة من ندواته
دون أن يؤثر هذا أبدا على المتعة الروحية التي تثيرها مصر خاصة على شاطئ النيل
الساحري و كانت أسعار الغرف في الفنادق القريبة منه مرتفعة للغاية , و رغم ذلك لم
يكن يمضي يوم لم يستمتعا بساعاته كلها , حتى إذا عادا ليلا إلى ذلك الفندق تسامرا
قليلا و ناما طويلا ليبدأ يوم جديد .
و في اليوم العاشرمن هذه الرحلة , كان يوم الإثنين كانت الساعة تشير إلى العاشرة
حين كانت الطائرة تقترب من سماء دمشق , إرتاحا قليلا في فندق بوسط العاصمة , و بدأـ
متعتهما مع بداية المساء .
و في خضم هذه الأيام كان حسام رانيا كثيرا , و كانت قد علمت بأمر سفره قبل يومين من
ذهابه , و فضلت البقاء في العاصمة .
مضت الأيام العشر الأخرى سريعة , قال حسام لوالده :
- لا أدري كيف تأكل دمشق الأيام من عمر المرء , فلا ينتبه إليها كيف تمر .
قال هذا حين حزما حقائبهما مرة ثانية , و هذه المرة كان إتجاههما صوب الجزائر ,
العودة كان إتجاههما صوب الجزائر , العودة ليها حانت بعد عشرين يوما كاملة من
المتعة
و في الطائرة شعر حسام أن الشوق الذي كان في قلبه لرانيا اضطرم مرة واحدة فجعله
يتمنى أن يصل إلى مطار هواري بومدين سريعا , و فكر فيها , عدة أسابيع لم يرها , هل
يستطيع الإنتظار أكثر ؟ فكر في أن يقترح على والده المبيت في العاصمة قبل أن يذهبا
إلى قسنطينة , على الأقل يستطيع رؤيتها و لو لفترة قصيرة جدا .
و قد حدث ما أراده , كأن صالح قرر أن يلبي لهذا المتفوق كل ما يطلبه , و كان حسام
يستحق هذا من والده أكثر من أي وقت مضى , و استغل سويعات قليلة ذهب فيها أبوه إلى
شأن من شؤونه فسارع إلى رانيا و التقاها حاكيا لها قصة شوق كبيرة .
- و الهدايا ؟
قالت ذلك حين كانا يجلسان في
le café d’or
الذي اعتادا إرتياده , فسارع في إعطاءها مجموعة جيدة من الهدايا اقتناها بعناية من
مصر و سوريا , و كانت فرحة بهذا كثيرا .
بعد ذلك بأيام سلم حسام كل الأوراق إلى الجامعة , و اختار دراسة الأدب في العاصمة ,
رغم وجودها في قسنطينة بمستوى عال للغاية , و لكنه أراد الجزائر , و غادة الجزائر
فكان له ذلك .
عاد حسام في مساء ذلك الإثنين , لقد بدأ أيلول منذ أيام قليلة , بعد أسبوعين سيذهب
إلى الجامعة و ستدخل أخته سلمى عالم الدراسة لأول مرة ... كانت صغيرة و محببة لدى
عائلتها , وجد أمه في المطبخ تحضر العشاء , في حين لم يرجع والده بعد ... فتح
الثلاجة فأخرج زجاجة بلاستيكية من الماء , صب في الكأس حتى ملأها و شرب ثم خرج .
قالت زينة و هي منهمكة في شيء أمامها لا تنس أن تنادي أختك ...
توقف و نظر إليها : أين هي ؟
ردت : لقد خرجت للعب مع البنات خارجا , ألم تجدها عند دخولك ؟
قال : لا , سأنادي منى , أكيد أنها معها .
و لكن عبثا حاول أن يجدها , سأل جميع صديقاتها اللائي يعرفهن , بل ذهب حتى إلى بيوت
هؤلاء , دون أن يجدها .
عاد إلى أمه سريعا : لم أجدها عند أي منهن و لعلها ذهبت لابتياع شيء .
ردت زينة : اعتادت على الذهاب إلى المحل القريب فقط , إذا لم تكن هناك فلن تكون في
أي محل آخر .
تجهم حسام , و أحس بضيق شديد , ثم عاد و سأل أمه مرة ثانية عن تفاصيل خروجها :
- لقد خرجت عند الخامسة كعادتها , و منذ ذلك الوقت لم ترجع , و لم أحسب أنها ستذهب
أبعد .
قال قلقا : لم يحدث أن تبتعد هكذا . أترين أن أخبر الشرطة ؟
و قبل أن تجيب سارع إلى "الأمن الحضري السادس عشر" بـ "جنان الزيتون" القريب جدا من
مسكنهم و أبلغ عن إختفائها , قبل أن يتصل بوالده الذي أسرع في المجيء و قد إتصل
صالح بكل إخوته ليسألهم , ربما لديهم معلومات عنها رغم أنه إحتمال ضعيف , إلا أنهم
سارعوا في المجيء و بحثوا كثيرا ,عادوا كلهم إلى البيت منهكين , فزعين أمام هذه
المشكلة , أين ذهبت هذه الصغيرة أما زينة فلم تضن بعبراتها على إبنتها الوحيدة ...
كل الأماكن التي من الممكن أن تذهب إليها سلمى فتشوا فيها و لم يجدوا لها أثرا ,
سألوا كثيرا و لم يجدوا , أغلب الذين رأوها كان في حدود الخامسة و النصف , في حين
عاد حسام عند السابعة , و بين الأولى و الثانية ساعة و نصف كاملة تستطيع أن تذهب
فيها إلى أبعد مما يظنون .
رجع صالح إلى مركز الشرطة ليسأل : هل من خبر ؟ و أعلمهم بأن العائلة بحثت كثيرا دون
نتيجة.
قال رئيس المركز : يبقى هناك إحتمال إختطاف ؟
ضحك صالح ضحكة يأس : إختطاف ؟ بنت في السادسة تختطف من أمام البيت ؟
رد الرجل : ممكن جدا ... حوادث كثيرة مشابهة لهذه حدثت , و كثير منها حلت و رجع
الأطفال إلى منازلهم .
حين عاد إلى المنزل كان حزينا جدا , أخبر الجميع بما قيل له , ففزعوا .
أيمكن أن تختطف ؟
جاء إتصال رانيا سريعا كالعادة غير أنه لم يكن أبدا في وقت مناسب , وجدت في صوته
حشرجة , أخبرها بعد أن وقع قلبها أرضا أن أخته إختفت , و أعلمها بكل ما يعرفه عن
الحادث .
فكرت في طريقة لمساعدته , إنه في محنة حقيقية "يا رب فوتها على خير" هكذا قالت , و
توصلت أن الصحيفة ستقدم شيئا ما للموضوع .
و كانت ذكية , حيث بعثت بفاكس مثير للغاية إلى الصحيفة بإسم عائلة حسام , و كانت
عند والدها حين قرأه , و قد طلب من مكتب الصحيفة في قسنطينة أن ينظروا في الموضوع و
يعطوا معلومات دقيقة عن الحادث , بحيث كان الموضوع منشورا في أول عدد صدر بعد
الحادثة ...
تمنت أن يوفقوا في إيجاد البنت في القريب العاجل , و اتصل بها حسام و شكرها كثيرا
على هذه الخدمة التي تهافتت بعدها الصحف فتحدثت عن الموضوع و أصبح يمثل قضية وطنية
إهتم لها الكثير .
و لم تأتي أية أخبار عن الإختفاء رغم التعاون التام و الذي تشكر عليه فرقة الشرطة
في قسنطينة غير أن الأسرة لم تسمع أنباء عن مكانها .
مضى على حادثة الإختفاء أسبوع , إستجوبت خلالها الشرطة الكثير من السكان هنا , و في
معلومة مهمة علم أن هناك شاب في العشرينيات من العمر قد ظهر لأيام عديدة في أوقات
كثيرة و إرتبط إختفاؤه بإختفاء الطفلة .
إضطرت الشرطة فيما بعد إلى إستخدام كلب تفتيش مدرب على مثل هذه الأمور للبحث عنها ,
الآن لم يعد هناك شك في أنها قد خطفت , و هي الحقيقة التي أفزعت زينة و جعلتها
تنهار .
المفاجأة المحزنة التي حملها إستخدام كلب التفتيش أنه وجد بعد هذه المدة سلمى و هي
جثة هامدة في بئر مهجورة على مسافة مئتي متر من المنزل ... كان السور الذي بني على
فوهة البئر أطول من أن تستطيع صغيرة مثل سلمى تسلقه , مما أثبت فرضية القتل بعد
الإختطاف .
كان الخبر مروعا , حين علمت زينة هذا صرخت بأعلى صوتها صرخة واحدة و سقطت أرضا ,
فيما أسقط في يد صالح و لم تخرج منه كلمة , و لكن نزلت دموع كثيرة ... و لم تكن
حالة حسام بأفضل من حالة والديه , فلقد حزن و حزن إلى أقصى درجات الحزن .
أن تختطف بنت في عمر الورد و ترمى في بئر , ليس عملا يفعله آدمي , إنه شيطان هذا
الفاعل إنه شيطان , شيطان ... هكذا قالت زينة و هي تنتحب أمام الكثير من الذين
جاؤوا إلى المنزل يوم العزاء ...
و لقد حضر رئيس مركز الشرطة و قدم العزاء للأسرة بإسمه و إسم جميع التابعين للمركز
, متوعدا هذا المجرم بأنه سيبحث عنه و سيجده و ستنزل العدالة به أقصى أنواع
العقوبات .
و كان رد فعل رانيا لا يختلف في شيء عن رد فعل أسرة حسام , فلقد اندهشت للأمر و
غرقت في بحر من الدموع لا قرار لها .
لا يدري المرء من أين تأتيه المصائب ... الله وحده يعلم كيف تأتي و كيف تنتهي , و
لولا الجلد الذي أظهره حسام و عائلته في هذه المحنة لكانت أسرتهم قد انهارت للأبد
...
ليس لنا أعداء ... كلمة أعداء نسمعها فقط في الأفلام , أما في بيئة قسنطينة هادئة
رغم كل شيء و لم يسمع أن مثلها قد حدث من قبل فإن الأمر يختلف . أريد إبنتي ...
أريد إبنتي ... صرخت زينة الأم التي فقدت أعز الناس إلى قلبها , و أصغر أفراد
عائلتها ...
- كانت سعيدة بملابسها الجديدة , و أدواتها المدرسية ... تريد أن تدرس اليوم قبل
الغد , و تتفوق على زملائها , و تنجح مثل أخيها ...
و لكن المجرمين اختطفوها خطفا ... لماذا ؟ لماذا يحدث هذا لي يا إلهي لماذا ؟ لماذا
لم أهنأ بإبنتي؟
و يحاول صالح أن يهدئها و هو الحري بالتهدئة ... كانت عينا زينة قد خضبها الدمع , و
أنهك الهزال هذا الجسد الذي امتلأ يأسا ... فقط بقي الدعاء إلى الله ملجأ وحيدا
يخفف قليلا على قلب هذه الثكلى .
أما رانيا فإن إنشغالها بحسام و عائلته كان كبيرا غير أنها لم ترد أن تكثر عليه
بالمكالمات خوفا من قلقه , و قد علم هذا منها , و حمد الله على أن هناك قلوبا بمثل
هذا الصفاء و المحبة .
غير أن هذا المجرم لم يظهر , و هذه القضية بقيت مبهمة لا يعرف لها سببا , و هو ما
أثار غضب صالح و جعله يذهب إلى الشرطة و يعود كثيرا للسؤال عما وصلت إليه التحريات
.
و لم يكن منزل رانيا بأوفر حظا من منزل حسام و لا أهنأ و لا أطيب حالا , فكريمة
التي أمضت شهرا كاملا في العاصمة الفرنسية كانت قد عادت في أغسطس إلى الجزائر ,
فذهبت إلى وهران فأقامت أسبوعين عند أهلها بدل أن تعود إلى منزلها و لوحظ عليها
تغير في حالها و تبدل , و قد كانت من قبل فاترة مع زوجها و ابنتها , و أصبحت أكثر
برودة و قسوة , إلى درجة أنها أصبحت تراقب رانيا في كل تصرفاتها , و انتزعت منها
المحمول غاضبة و رمته في الماء , و جعلتها تبكي كثيرا حتى تتدخل فيصل و منع كريمة
من التمادي , حيث أوقفها عند حدها منبها إياها رغم مستواها و تعلمها , و المسؤولية
التي من المفروض أن تتحملها و الواجب الذي تلتزم به إلا أنها لم تأخذ رأيه قط حين
غادرت نحو أوروبا أو عندما ذهبت إلى وهران , كأنها تعيش وحدها و لا وجود لزوج يدعى
فيصل , في حين أن رانيا التي من الطبيعي في مثل سنها أن تخطئ و تزل خطاها إلا أنها
عاقلة جدا و إمرأة بمعنى الكلمة , بل زاد على هذا و قال لها أنه يطمئن لوجود رانيا
معه و لا يطمئن لوجودها هي , و هذا ما أغضب كريمة , و تحفظت عليه رانيا , و حين
أغلقت زوجته الباب حانقة رجته إبنته أن يكلمها و يحاول تصفية الجو العكر , غير أنه
لم يفعل بإعتبار أنه لم يخطئ , و أن هذا الكلام كان من الواجب قوله قبل اليوم
بسنوات .
زادت الأحوال سوءا عندما رجعت كريمة إلى عملها , كانت قد سجلت عدة حلقات من
البرنامج قبل سفرها , لتعرض أثناء غيابها , و كانت أهميتها في التلفزيون كبيرة , و
لها علاقة مهمة مع مدير التلفزيون على أساس أن لديها خبرة كبيرة في المجال , و
أمالها تحضى بإهتمام جماهيري كبير . و لكنها صورت حلقة واحدة و عادت بعدها إلى
المنزل و لم تعد إلى التلفزيون , و طلبت كثيرا في الهاتف و كانت لا تجيب , أما إن
أجابت فلكي تصرخ في وجه المتصل , و أوقعتهم في ورطة حين غابت كل تلك الأيام بعد
عودتها من الإجازة , دون أن تطلب تمديدها .
هكذا عادت إلى المنزل و لم تخرج منه مدة , و رفضت التحدث مع فيصل أو رانيا , و لم
تقترب من أكل و لا شرب , سوى أنها تشرب الماء بشكل كبير , و تتكلم عن اختناق تحس به
تكاد بسببه تمزق ثيابها .
تغيرت بمئة و ثمنين درجة , و في أول ما بدأت حالتها تسوء بشكل داع للاهتمام استدعي
طبيب صديق للعائلة و لم يزد على القول بأنها تعاني من إرهاق , هذا ما قاله أمامها ,
و هذا ما قاله أمام رانيا , أما ما قاله لفيصل و هما منفردين فهو مرورها بحالة لا
يستطيع الطب العضوي حلها , و اقترح عليه أن يتحدث مع أخصائي نفساني ربما يصل إلى
نتيجة جيدة .
و لم تؤد لقاءات هذا الأخصائي إلى أي تحسن , اللهم إلا بعض الهدوء الجزئي الذي يحل
عليها دون أن تصل هذه الحالة إلى شفاء كامل .
رغم كل الجهود التي بذلت , و الساعات التي استغرقتها تلك الجلسات , فألزم فيصل على
الذهاب إلى التلفزيون و طلب إجازة مفتوحة لزوجته و لكنه اصطدم بخبر لم يعلم به إلا
في ذلك الحين حين أنبئ بأن كريمة قد قامت بشجار وسط مبنى التلفزيون مع زميلتين لها
, و أنهما وصفتاها بالمجنونة.
عاد إلى المنزل بعد أخذ الموافقة على إجازة زوجته , تلقته رانيا بعدما جلس محاولا
إسترجاع هدوئه و أعطته بعض الصحف الجديدة و أخبار بالبند العريض تقول "جنون المذيعة
كريمة" "نجمة برامج التلفزيون الجزائري تصاب بالجنون" قالت له رانيا : شفت يا بابا
؟ إستغلوا خبر مرضها ليقولوا هذا الكلام , اصطادوا في المياه العكرة .
أخبرها محاولة إستجماع بقايا الهدوء الذي ضاع في الهواء : الخبر الذي ذكروه صحيح يا
رانيا .
إندهشت لكلامه و لكنه لم يتركها تحتار كثيرا فأخبرها بقصة شجار أمها مع زميلتاها و
ما أخبر عنها من أقاويل.
