إن الفراق كلمة أجمع على نبذها جميع البشر ، لما لها من معنىً قاسٍ ومؤلم ، فلا تتحمل النفس البشرية المحبة البعد عن أحبائها ، وغالباً مايكون الفراق مصحوباً بالأسى والألم ، سواء أكانت الظروف هي التي تجبر العاشقين على الافتراق أو القدر المحتم على جميع الخلائق وهو الموت . في كلا الحالتين يوجد دموع ، يوجد شجون ، يوجد حرمان ، يوجد اشتياق ، توجد آهات لا تتوقف ..
بينما الحب هو أجمل شعور في الحياة ، الفراق هو أبشع شعور في الحياة ، إنهما صديقان متناقضان تماماً ، فالحب يدعو للحياة والفراق يدعو للممات. ويروي التاريخ الكثير من قصص الحب ، وكفاح الأحبة ونزولهم في ساحة القتال مسلحين بحبهم للدفاع عنه ، وكان مصير كل تلك الملاحم ، ملاحم العشق والولاء ، هو الفراق . وبالرغم من دراية الناس بهذه النهاية الأليمة ، لا يزال الحب قائما منذ هبوط أول آدمي الى الأرض ، وسيكون موجوداً الى أن تسكن آخر نفس بشرية ..
يقال أن الليل هو نهار العاشقين ، فترى العشاق قد دأبوا على السهر ، أرهقت جفونهم ، غرقى مدامعهم ، تملأ زفراتهم الأفق ، يأنسون بالليل ووحشته ، فالظلام غطاء وستار يستر دموعهم وحنينهم ، يتضرعون الى خالقهم أن يجمعهم مع أحبائهم ولو للحظه واحدة ، ليشفى غليل الفؤاد . وما يبعث على الحزن هو أن للانسان ذاكرة تمحى ذكريات وتبقى أخرى ، فالتي تبقى لا ينساها المرء ولو حاول ، فهي منحوتة في ذاكرته ، فكيف يسعد الانسان ويفرح وصدى ذكرياته المؤلمة تغزو مخيلته بين الحين والآخر؟ كيف ينسى جرح الفراق !
وهل يبقى عشقي ماضي والمحبب *** دنى ميتاً من مالك الموت والأمل
هنا .. فراق من نوع آخر ، ربما أشد لوعة وأشد مرارة وأشد حسرة ، فعندما يكون الحبيب موجوداً في دار الدنيا ، يكون هناك بريق أمل للقائه ، ولكن أصعب ما في الأمر عندما يكون الحبيب ليس على سطح الارض ، بل تحتها ووسط ثراها ..
حين يكون الفراق الفراق هو مصدر كل الألم ، حين يكون الفراق محراباً يقضي فيه العاشق لياليه ، حين يكون الفراق بطاقة دعوة للمرض والهم ، حين يكون الفراق أقسى ما في الوجود ، حين يكون الفراق أتعس قدر يقف بوجه العاشق ولا مفر منه ، حين يكون الفراق سجّان يقيّد أسيره بقيود من نار ، حين لا يملك العاشق إلا قبر حبيبه أمامه وأنهار من دموع يذرفها على رحيله ..
وقبل أن يحمل الجسد على الأكتاف ، ذلك الجسد الذي طالما شعر العاشق بالأمان الى جانبه ، يقترب منه يقدّم خطوة ويؤخر أخرى ، يتساءل هل هذا الجسد الممدد أمامه هو نفس الشخص الذي أحبه وعشقه؟ نفس قسمات الوجه ونفس اليد ونفس الجسد لكن بدون روح ، كم يكون لذلك الجسد الذي غادرته الروح رهبة غير عادية !
في تلك اللحظة ، وفي ذلك اللقاء الأخير ، ما موقف العاشق؟ وكيف تقدر الكلمات على أن تصف مشاعره؟ وكيف يكون التوديع؟ لو يجتمع جميع الشعراء في العالم والكتّاب ليصفوا مشاعره في جميع لغات العالم لما استطاعوا ، فهذا الموقف أكبر من أن تصفه الكلمات . هي مشاعر لا تترجم ، فهل تكفي الدموع لتعبر عنه؟ إن الدموع ، وهي رمز عظيم ، لها قدرة عجيبة في التعبير عن مكنونات البشر ، سواء في الفرح أو الحزن ، ذلك الماء المالح الذي ينحدر من المقلتين يستطيع أن يحل محل ألف كلمة في التعبير ..
يعتصر القلب كمداً حين يواري الثرى جسد محبوبه ، فذلك منزله الأبدي الذي لا خروج منه ، وحين ينصرف الآخرون ، يبقى العاشق حائراً ، فهل ينصرف أم يبقى؟ واذا قرر البقاء فإلى متى؟ فإن هناك دنيا تنتظره ، وعمراً يعيشه ، ولكن من لهذا الميت؟ الذي لو كشفنا عنه لوجدنا الحزن يكسو وجهه لفراق دنياً يعيش بها أحبابه . إن الفراق طريق مملوء بالأشواك والأوجاع لا يذوق مرارته إلا المحب المخلص المتيم ، فغياب الحبيب سهام تخترق أضلاعه وتهدم أحلامه الجميلة ، فينصب عزاءً عنوانه لحن الأنين . ويبكي الغرام ذلك المحب الوفي ويرثيه ، الذي يتجرع الغصص ويكتم في داخله صرخاته الحارقة ، ويقطع للحب وعداً وعهداً يوقعه بنزيف دمه بأن يعانق حبه وهواه مدى الحياة . فما جدوى الحب إن عشناه ونسيناه؟ وهل يكون الحب موجوداً فقط حين تكون قلوب العاشقين تنبض؟ أم تبقى حتى بعد سكون دقات قلب أحدهما؟
لا أراكم الله مكروهاً بعزيز ولا فرقكم عنه