وها أنذا أعدك فأفي لك بوعدي .. أفإن تأخرت فلا تؤاخذني بمانسيت ولا ترهقني من أمري عسرا .. ألا ترى للناس يفزعون إلى أرائكهم كل قد دعا النوم لزيارته ، وهو يؤمل الأمل كله أن يطيلها هذه الليله .. ثم ألا ترى إلي أفزع إليك من دونهم .. ها نحن أولاء ندخل الهزيع الأخير من ليلتنا .. أنا وأنت والشمعة .. فقط .. فحدثني ما بدا لك أن تحدثني .. واروني من خمرك حتى تسكرني فأثمل ليلي كله ، ثم لا يفيقني سوى الفجر ونوره .. ها أنذا أرعيك سمعي وبصري وجوارحي كلها ، وأهبك إياها كما تهب الفتاة جسدهاإلى حبيبها .. فانطق إلي بلسانك العذب ، وطر بي مع الطير في عرض الفضاء ، أو اسبح بي مع السمك في عمق الدأماء .. فإني لك الليلة ، وكل ليله .. أي كتابي ، أي صديقي ، أي خليلي ، أي نديمي : قل لي .. ما يكون حديثك اليوم .. ومن عساه ذا الذي ستعرفني به في هذه الليله .. أيا يكون هذا ، وأيا يكون ذاك .. فأنا أحضركم الليلة يا أصدقاء .. وأرجو أن لا تحرموني سمركم هذا ..فهل لي أن أشارككم ؟..

من أنت ، وما شأنك ؟ إنني فتى قد وهى عقله ، وضعف لبه ، وخدعه كلام الناس عن حقيقة نفسه ..وكنت فيه من الخاسرين .. وما ذاك ؟ إنهم قالوا أنني فتى جميل الصورة وسيم المحيا عذب الصوت ، وحسدوني في ذلك كأنما قد عرفوا الكمال .. ألا فالكمال لله وحده .. ثم إني غررت بي كلماتهم ، وخدعتني عن سبيل الصواب من دهري شيئا .. حتى إذا استبان لي الحق ، وعرفت ثوب الحق من ثوب الباطل .. وعلمت أنالغنى غنى النفس لا غنى المال .. وأن التمام تمام العقل لا تمام الصورة ..إذ به أسير حياتي كما أرضى لها ، لا كما أرضاني الناس عنها .. وتلوت عليهم : النفس تجزع أن تكون فقيرة ** والفقر خير من غنى يطغيها وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت ** فجميع ما في الأرض لا يكفيها قالوا : أجدت ، وأحسنت ، ألم يأتك نبأ الجاحظ إذ وقف به مولا ه يوما ، ثم فزع إلى رجل ذي علم وحكمة فقال : الحق بي ، فما أحسب إلا أن سيدي قد ذهب عقله أو أضحى من يومه أعمى !! قال : آلجاحظ؟ فما ذاك ؟ ، قال: إنه وقف بالمرآة فقال: الحمد لله الذي صورني فأحسن صورتي ..وهو دميم الوجه قصير القامة جاحظ العينين .. فابتسم له وقال : ارجع إلى سيدك ، فما أحسبك في حاجة لغيره وغير عقله .. قلت : هذا الذي أريد ، فلا تحتجنوه عني أعزكم الله .. إني آنست ناركم ، فهرعت إليكم لعلي آخذ منها بقبس أو أجد عندكم هدى .. فصدق ظني ، وما وجدت إلا خيرا .. قالوا [FONT='Times New Roman','serif']بصوت تحطمه العبرة حطما[/font]: قد هجرنا من دون كل شيء ، وما نحسب اليوم إلا أن قد أكرمنا الله .. فهلم ،ثم ادع قومك ، وقل لهم : ما صرفكم عنا؟ قلت : لأرجعن ، ولأقولن : ( اقرأ) ولأرتلنها بأنواع القراءات وضروب المقامات وفنون التلاوات .. ..........وعسى أن أجد قلبا يرق إلى قلبي ، أو مسمعا يصغي إلى كلمي.. حـــادي


المراجع

الموسوعة الإلكترونية العربية

التصانيف

أدب  مجتمع   الآداب   قصة