تقول الحكاية : في بلدة عريقة وكبيرة ، في إحدى الدول العربية
في أواسط السبعينيات من القرن الماضي ، كان ثمة رجل عسكريّ برتبة رائد.
وكان
هذا العسكري يشغل منصب " محافظ " للبلدة المذكورة. وقد زاره
ذات يوم ، في مكتبه الرسميّ ، رجل أشيب نحيف . نظر المحافظ في
وجه
الزائر ، فهبّ واقفاً ، واحتضنه بلهفة ، وهو يقول :"أ أستاذي..أ
أستاذي..
يا
مرحباً ..يا
ألف أهلاً و سهلاً .. شرفتنا .. نوّرتنا .. مُرنا
بأيّة خدمة تشاء.."
وبعد ا نتهاء حفلة الترحيب ، فهم المحافظ من أ ستاذه أنه – أي
الأستاذ
–
أحيل على ا لتقاعـد ، بعد خدمة طويلة في الجيش . وأن را تبه
التقاعدي ّ
لايكفيه ، وأنه يرغب في العودة إلى التعليم ، وأنه جاء إلى
تلميذه المحافظ
ليعيّنه في إحدى المدارس الواقعة في نطاق محافظته
.
ابتسم المحافظ التلميذ ا بتسامة الزهو والخيلاء ، وقال لأستاذه
: (كنا
نتوقع أن تطلب منا أهم من هذا الطلب بكثير .. إن طلبك هذا أسهل من شربة الماء
)
وتناول التليمذ المحافظ ، ورقة رسميّة من أوراق المحافظة وكتب عليها أمراً
موجّهاً إلى مدير التربية – في المحافظة نفسها طبعاً – بتعيين الأستاذ ( فلان ) في
إحدى مدارس المحافظة ، ويجب أن يعيّن داخل المدينة وفي مدرسة يرتاح فيها
..
وختم الورقة بخاتم المحافظ , ومهرها بتوقيعه :المحافظ الرائد
(فلان)
.
حمل الأستاذ الورقة فرحاً إلى مدير التربية , الذي نظر فيها
..
وابتسم , وحولها إلى الديوان المختص
..
قال رئيس الديوان للأستاذ : ( أمرُ سيادة المحافظ على الرأس
والعين , ولكنه مخالف للقانون، إذ ليس من صلاحيات سيادته تعيين الموظفين في وزارة
التربية ) وكتب حاشيته على ورقة المحافظ "نأسف لعـدم تمكننا
من تلبية أمر المحافظ ، لمخـا لفته نصوصاً صريحة في ا لقا نون
"
عاد الأستاذ إلى تلميذه ، وأطلعه على حاشية رئيس الديوان ، فبدأ
التلميذ
الرائد يرغي ويزبد، ويهدّد با لويل والثبور ، ونبش عظام ا لموتى
من القبور
..
فتناول ورقة أخرى ، وكتب عليها أمراً صريحاً جازماً قاطعاً ،
بوجوب تعيين الأستاذ (فلان ) . ولا يُقبل أي ّعــذرفي هذا المجال . ولم ينس
با لطبع ، أن يُذَكر برتبته العسكريّة ،عند ختم الورقة وتوقيعها
..
عاد الأستاذ إلى رئيس الديوان ، الذي أصَر على موقفه إصراراً
شديداً ،
مستَمَداً من قوّة القا نون ،الذي ينظم ُعمله
..
فعاد الأستاذ المسكين مرّة أخرى إلى تلميذه ، الذي ثار الدم في
عروقه هذه المرّة، فأمسك بسمّاعة الهاتف ، وبدأ يخاطب الموظف – الذي لا يقدّر
قيمة الرتب العسكرية – ويََعُنف عليه ، بينما ذاك كان يتكلم بأدب
، وفي حدود القانون
.
وقد احتجّ – أي الموظف – بالجريدة الرسميّة ، التي تتضمن قوانين
تعيين الموظفين
.
وهنا طلب منه ا لمحافظ أن يَحضر إليه ، وأن يُحضر معه الجريدة
الرسميّة ليّطلع على ا لقوا نين التي تحول دون تنفيذ أوامره
.
وحين جلب الموظف الجريدة الرسميّة ، ونظر فيها السيّد المحافظ ،
ألقاها على الأرض بقرف شديد ، وهو يقول با لحرف :" انقلع ْمن هون .. جاي تضحك
عليّّّ بكلام جرايد..!؟"
قال الموظف با بتسامة سخرية باهتة خجلى : ياسيدي هذا ليس كلام
جرايد،هذه الجريدة الرسميّة التي تحتوي على القوا نين.."
قال الرائد التلميذ : " اخرس .. أنا ما حدا يضحك عليّ بحكي جرايد
.."
ثم أمر المحافظ ُ الموظف َ بالا نصراف، وهو يكيل له الشتائم
والتهديدات..
فانصرف المسكين ، متأبطاً"حكي ا لجرايد "والتفت ا لتلميذ إلى أ
ستاذه
محاولاً أن يستعيد هيبته أمامه – بعـد أن حطمها موظف عادي ، لا
يحمل على كتفيه أيّة رتبة عسكرية – ويَعدُ أستاذه بأنه سيُعيّّن في ا لتربية،مهما
كلفت الظروف ، وأنّه- أي التلميذ الرائد – سيصفي حسابه مع هذا الموظف المشاكس
"
وانتهت الحكاية عند هذا الحدّ
..!.
