‏‏ارتعش شيء، حسبته قلبها، أقصى يسار صدرها كما لم يحدث من قبل، فانتشت باللحظة المرتعشة لثانيتين قبل أن يحتل الخوف بقية جسدها المرتعش كله الآن.

‏ما الذي يحدث؟

‏بل ما الذي لا يحدث؟

‏تساءلت بينها وبين نفسها، وهي تفتح عينيها بعد أن اكتشفت أنها أغمضتهما خلال الثانيتين المرتعشتين دونما سبب واضح. لكنها لم تجد إجابة وربما لم تبحث عن إجابة.

‏كانت فقط تحاول أن تلملم أطراف جسدها المرتعش، كعصفور بلله المطر، وهي تضع سماعة الهاتف.

لم تنجح في محاولتها تلك إلا أنها اقتنعت ألا تستمر في تلك المحاولة الفاشلة حتماً.

‏امرأة دون الثلاثين بقليل. جميلة إلى درجة الإغواء، وأنيقة كما لو أنها عارضة أزياء خرجت للتو من إحدى مجلات الموضة. لكنها تضع نظارة طبية كئيبة كما لو كانت تحاول أن تدلل على أنها امرأة جادة ومثقفة وفقاً لنظرية قديمة لم يعد يهتم لها أحد الآن.

‏بحثت عن شيء ما في قاع حقيبتها المعلقة على ظهر الكرسي القريب منها، ولعلها لم تجده أو انه لم يكن موجوداً أبداً وهي تعرف ذلك.  لكنها استمرت في البحث لتعثر على مالا تريده؛  صغير أخرجته ووضعته على سطح المكتب دونما هدف محدد.

‏تداهمها الآن ذكريات الماضي القريب، فتمسك بالقلم لترسم بعض الخطوط والدوائر المتشابكة، وكأنها ترسم خريطة لحياتها كلها كما تراها في لحظة صفاء نادرة.

‏تتساءل، وهي تتشح بنسيج الماضي المتشابك بين الخطوط والدوائر على الورقة البيضاء أمامها؛

هل يعيد الماضي نفسه بهذه السرعة وهذه البساطة؟

‏تغزل عيناها إجابة مبهمة على سؤالها المراوغ، ثم يهدهدها الحلم، وتغفو على رنين الأغنيات والخطوط والدوائر المتداخلة.

تكسرها أغنية طافحة بالفرح، وتجبرها أخرى تئن مفاصلها الموسيقية تحت وطأة الأسى على الاستسلام للانكسار وتضيع ثالثة مرتجلة في رأسها الثقيل!

تبللها دموع الكلمات الحزينة، وتتراكم في الطريق إلى الماضي الذي لا يريد أن يخلي زمنه ولا مكانه في روحها ولا ذاكرتها المزدحمة بكل شيء.. كل شيء!

‏الزمن يستطيع في واحدة من فضائله الكثيرة أن يشذب الأحداث ويهذبها ويعيد تلوينها بألوان مبكرة جديدة تناسب موضة هذه الأيام، لكنه يعاند كثيراً ويحرن كطفل مدلل قبل أن يقوم بتلك المهمة.

ها هي الآن تستدرج ذلك الطفل المدلل للقيام بمهمته،  وتسترضيه بحلوى الأغنيات الجميلة والمكالمات المفاجئة.

‏عصافير صغيرة ورمادية اللون تقف على سياج النافذة، ثم تبدأ بحركات متناغمة تنقر شيئا من الوهم من خلف الزجاج بحثاً عن حياة كامنة في حبة قمح شاردة أو ما هو أقل وربما أهم وأجمل وأكثر خفة!

‏السكون يلف المكان كله في ذلك الصباح الباهت، عندما يرن جرس الهاتف المكتب فتقرر تلك المرأة، المتباهية بروح مشرقة ووجه صبوح وذكريات لا تموت وأغنيات صادحة وألم كبير وأمل أكبر، ألا ترد.


المراجع

atheer.om

التصانيف

قصص   روايات   فنون   كتب   روايات وكتب ادبية   الآداب