وقُرِعَ الجَرسُ يأمرُه بدخولِ الحِصّة ...
انتشلَه شيطانٌ من الجِنّ لئيمٌ وأحضَره من جِنان الأندلسِ الساحرة .. جرجَرَهُ من
ربيعِها ، من أنهارِها وأهوائها وأندائها ، وأفيائها ، وأطيارِها ..
كانتْ وُرَيْقاتٌ خُضرٌ من عنقودِ عِنَبٍ أحمرَ تَدَلّى إلى الأرضِ ؛ تُداعبُ خدّه
المُسَلّمَ أمرَه إلى كفِّ التربة البَضّةِ الحنون ..
كانَت رائحةُ الرّياضِ تَعْبِقُ بأنفاسه ؛ فتطيرُ به فوقَ رؤى الشّعرِ ..
وكانت تُداعبُه نسماتٌ مُخمليّةٌ سافرت طويلاً فوق المُوَرّدِ ، والمُوَرّسِ ،
والمُمَسَّكِ ، والمُصَنْدَل ..
وكانَت الظلالُ تَلْحَفه ؛ فتردُّ إليهِ قلبَه الطفلَ ، وتُعيدُه إلى مرسمه ، إلى
ألوانِهِ وخيالاتِه ..
إنّه يعشقُ الطبيعةَ ويحِنُّ إليها ، وهي تتجلّى له حين يقرأ شعرَ الطبيعة في
الأندلس ؛ فيطيرُ إلى عناقيد العنب ، وأوراق الكرمة ، ورطوبة التربة ، وغَرِدٍ ،
وظِلٍّ ، وماءٍ وأنسٍ .. هنالكَ يجدُ بعضَ روحه الضائعةِ – منذ سنين - في رمال
الصحـراء تحتَ شمسِ الغربة ..
قبل
قليل ، قُبيلَ أن يُصميَ صوتُ هذا الآمرِ الناعقِ مَسْمَعَهُ ؛ كانَ يقرأ لابن سهلٍ
الإشبيليّ :
-
الأرضُ قد لبستْ رداءً أخضرا والطّلُّ يُنثَرُ في رُبـاها جَوْهـرا
-
وكأنّ سوسَنَها يُصافحُ وردَها ثغـرٌ يُقبّلُ منــه خـدّاً أحمرا
-
والنهرُ ما بينَ الرياضِ تخاله سـيفاً تعلّقَ في نجادٍ أخضــرا
ولابنِ سِفْر المرّينيّ :
-
في أرضِ أنْدَلُسٍ تلْتَـذُّ نَعْمـاءُ ولا يُفارقُ القلبَ فيها سَـرّاءُ
-
وليسَ في غيرِها بالعَيْشِ مُنْتَفَعٌ ولا تقومُ بحقِّ الأنسِ صَـهْباءُ
-
أنْهارُها فضّةٌ والمِسكُ تربتُهـا والخزّ روضتُها والدّرُّ حَصْباءُ
-
ولِلْهـواءِ بهـا لُطْفٌ يرِقُّ بـهِ مَنْ لا يَرِقُّ ، وتبدو منه أهْواءُ
يا سالمُ يا بُنيّ ، لِمَ لَمْ تُحضر كتابَ " اللغة العربيّة " ؟!
-
نسيتُه ..
وكيفَ تنساه ؛ وأنتَ النجيبُ اللبيبُ ! ؟
-
غير مهمّ ..
كيف
يا بني يا سالم ؟ ! وفيه النصوص ، وفيه الأنشطة والتطبيقات ؟!
آمل
ألا تنسى خيرَ رفيقٍ في الأنامِ مرّةً أخرى ..
أبنائي الأعزّاء :
على
شاطئ غزّةَ الأبيّةِ تجري أحداثُ نصّنا اليوم .. فأينَ تقبع هذه اللبؤة من وطننا
الحبيب ؟
-
في مصر ..
-
في ليبيا ..
-
في الخليج ..
-
دمشق ..
-
تركيّا ..
أبنائي ، إجاباتكم ، تجلب الأسى ، وتُقَطّعُ الأحشاء !!
غزّة أيها الأحباب مدينةٌ أبيّة ، طاهرة ، نقيّة ، من فلسطين .
غزّةُ أيّها الأحبابُ اغتصبوا بين يديْ أمِها كلّ أخواتها ، وبقيت هي ، تتشبّث
بالطّهر وتشربُ من القهرِ والحرمان ..
هذه
غزّة ، فلنر في هذا النصّ ماذا جرى على شاطئها ، صباحَ ذلك اليوم المشؤوم ..
أنصتوا جيّداً وأنا ألقي النصَّ عليكم ، وأرجوكم يا أحبّائي ، حين أنتهي ، أرجوكم
أن تُحاكوني في الإلقاء وأن تُحاولوا التفوّقَ عليّ :
بِنْتٌ ، ولِلْبِنْتِ أهْلٌ
ولِلأهْلِ بيتٌ ولِلْبَيْتِ نافِذتانِ وبابْ
وفي
البحْرِ بارجةٌ تَتَسلّى بصَيْدِ المُشاةِ
على
شاطئِ البحْرِ : أربَعَةٌ ، خَمْسَةٌ ، سبعةٌ
يسقطونَ على الرملِ والبنتُ تنجو قليلاً
لأنّ يداً مِنْ ضَبابْ
يداً ما إلهيّةً أسْعَفَتْها
فَنادَتْ :
-
أستاذ .
-
ختروش .. ماذا تريد يا ختروش ؟!
- "
أسير الحمّام " ..
-
لا ، لن تذهب إلى الحمّام .. لقد ذبحتَ موسيقا النصّ يا ختروش ! تعلّمْ أدبَ
الاستماع يابنيّ اجلسْ ولا تُقاطعْ بعدَ الآن ..
-
يُتابع :
لأنّ يداً مِنْ ضَبابْ
يداً ما إلهيّةً أسْعَفَتْها
فَنادَتْ : أبي
يا
أبي قُمْ لِنَرْجَعَ ، فالبَحْرُ ليسَ لأمثالِنا
لَمْ يُجِبْها أبوها المُسَجّى على ظِلِّهِ
في
مَهَبِّ الغيابْ
دمٌ
في النخيلِ ، دمٌ في السّحابْ
يطيرُ بها الصوتُ أعلى وأبعدَ
مِنْ شاطئِ البحْرِ
تصرخُ في ليلِ برّيّةٍ
-
أستاذ ..
-
منصور .. ماذا تريد يا منصور ؟!
-
أشرب الماء ..
-
لا .. لن تشربَ الماءَ ، لقد أزهقتَ روحَ الشعرِ يا منصور ! ألا تصبرُ على العطش
ساعة وأنت الشابّ الفتيّ ؟! اجلس يا بنيّ ولا تُقاطعْ ..
-
يُتابع :
تصرخُ في ليلِ برّيّةٍ
لا
صَدى لِلصّدى
فتصيرُ هيَ الصّرخةَ الأبديّةَ في خَبَرٍ
عاجلٍ لم يعُدْ خبراً عاجِلاً عندما
عادتِ الطّائراتُ لِتَقْصِفَ بيْتاً بنافِذَتَيْنِ وبابْ
-
أحسنتم يا أحبائي .. وأشكركم على حُسن الإنصات00 والآن مَن يَودّ أن يُمْتِعَنا
بِعَذب إلقائه ؟
.....................
-
ما لكم غيرَ متحمّسينَ للإلقاء ! ؟ والإلقاءُ يا أبنائي يُقوّي ثقتكم بأنفسكم،
ويُذهب عنكم الخوفَ من مواجهة الآخرين.. حسناً ، أنا سأختار ... قُمْ يا سعيد –
أسعدَ اللهُ أيامَكَ – وألقِ علينا المقطعَ الأول هيّا أيّها الجريء الهُمام ..
-
بَيْتٌ ، وللبيتِ أهلٍ ..
-
بِنتٌ ، ولِلْبِنتِ أهلٌ .. ارفع صوتَك يا سعيد ، وحاولْ أن تستعين بتعابير وجهك ما
استطعتَ .
-
بِنتٌ ، ولِلْبِنتِ أهلٌ / ولِلأهْلِ بِنْتٌ ولِلْبِنتِ نافِذتانِ وبابْ ..
-
ولِلأهْلِ بيتٌ ولِلْبَيْتِ نافِذتانِ وبابْ .. شكراً يا سعيد ، تفضّلْ اجلس ،
واقرأ بشكلٍ أجود في المرات القادمة ..
-
أكملْ يا راشد .
-
لأنّ بدا مِنْ ضَبابْ / بَدا ما إلْهِيّهْ أسْعَفَتْها فنادت ..
-
لأنّ يداً مِنْ ضَبابْ / يَداً ما إلهيّةً أسعفتْها فَنادَتْ .. ونحن لمّا نصلْ إلى
هنا بعدُ يا راشد ! انتبه ولا تدع ذهنك يشرد يا بنيّ ، لأن شرود الذهن في الصفّ
طالما أخّرَ الطالبَ في تحصيله الدّراسيّ ..
والآن – أبنائي– وقبلَ أن نُبحرَ في النصّ أودّ أن نتعرّف معاً إلى مُبدعِه الشاعرِ
" محمود درويش " أمامَكم ، في الكتاب ، بطاقةٌ تُعرّف به ، اقرؤوها قراءةً صامتةً
، وسأسألكم عمّا قرأتم بعدَ قليلٍ .
-
يا ختروش لا تُكلّمْ " مُصبّح " ..
-
القراءة صامتة يا " سيف " فلا تَجْهَرْ بها ..
-
دعْ عنكَ " منصور" يا " حَمَد " ليفهمَ ما يقرأ ، لا تُكلّمه ..
-
القراءةُ الصامتة يا أبنائي أدْعى إلى الفهْمِ والاستيعاب .. فلْيقرأ كلٌ منكم
بعينيه وعقلِه وحَسْب .
..............................................
-
توقّفوا عنِ القراءةِ لو سمحتمْ .. مَنْ يُخبرنا عن مولد الشاعر، مكانِه وتاريخه؟
تفضّلْ يا " سيف "
-
وُلدَ في " عكّا ".. أستاذ .
-
أحسنتَ ، متى ؟
-
عام 1941 .
-
أحسنتَ ، وبارك الله فيك يا " سيف " أنا أشكرك جزيلَ الشكر . منْ يذكر لنا عناوين
بعض دواوين الشاعر ؟
-
أوراق الزيتون .
-
لا ، لا أستاذ : ابن سينا ، ولينين ، ودرع الثورة الفلسطينية .
-
يا " منصور" ، هذه أسماء جوائز حصل عليها الشاعرُ ، وليست عناوينَ لدواوينه ..
انتبه لما تقرأ !
-
أستاذ ، أستاذ : آخر دواوينه اسمه " معجم البابطين للشعراء العرب المُعاصرين ط1 "
..
-
يا " ختروش " يا بنيّ ، أنتَ تقرأ علينا اسمَ المصدر الذي نُقلت عنه بطاقة التعريف
بالشاعر! ألا تلاحظ أنّ ما قرأتَ اسمٌ لمعجم ، لا لديوان .. انتبه يا ختروش لِما
تقرأ !
-
أودّ الآنَ أن أطرحَ عليكم بعضَ الأسئلةِ ، وأرجو أن تتعاونوا في مجموعاتكم
لاستخلاص الأجوبة السليمة من استقراء النص المعروض أمامَكم.. السؤالُ الأولُ :
أينَ وقعت حادثةُ اعتداءِ البارجةِ الإسرائيليّة على عائلةِ هذه البنت ؟
-
في فلسطين أستاذ ..
-
أين بالتحديد ؟ لا تُجيبوا بسرعة ، بل فكّروا ، وتأمّلوا النصّ جيّداً ، وتشاوروا ،
ولْيُجب واحدٌ من كلّ مجموعة ، لا المجموعة كلّها ..
-
أنا أستاذ .
-
تفضّل " حمد " .
-
في غزّة ، على شاطئ البحر .
-
رائع ، أحسنت يا حمد ، وأحسنت مجموعتك ، بارك الله فيكم جميعاً.. السؤال الثاني :
كم شخصاً بريئاً قُتلَ فيها ؟ عودوا إلى النصّ و استقرئوا الجواب ..
-
عشرة .. أستاذ
- (
أكثر ، أستاذ ، أكثر .. كان علْ بَحرْ مو بْواحِدْ ولاّ اثنين .. كْثير نَفَرات
يْروحون البحر ، أنا أغول أكثر عن عشرين نَفَرْ ماتَوْا.. )
- (
أستاذ .. أستاذ ، أنا أغول ثلاثين ، هذه بارجة ، أستاذ ، ( مُبْ بُندغيّة صيد ) ..
-
أنا.. أنا .. أنا أستاذ ، أنا جمعتهم من النصّ !
-
كيف يا " راشد " ؟! ماذا جمعتَ ؟!
-
أستاذ ، أربعة زائد خمسة زائد سبعة ، يستوي المجموع ستة عشر .. صحْ أستاذ ؟
.......................
هنا في هذه اللحظةِ ، وفي الثانيةِ المناسبة ، سَمع رنيناً عَذْباً ، رائعاً ،
كأنّه السـحرُ الحلال.. يهبطُ على أذنيه ليُعْلمَه بانتهـاءِ الحصّـة.. وهبطتْ
إليهِ معـه " من المكـانِ الأرفعِ " روحُهُ .. ومعها دمُهُ وأعصابُهُ وهَدْأةُ
قلبهِ .. فلملمَ كتبَه وأوراقه وجرجرَ قدميه ، وخرج من باب الصفّ ..
في منتصف الطريقِ بين غرفة الصّف وغرفة المدرّسين ، وفي أعلى الجدار، قريباً من
السـقف كانَ الجرسُ مُعلّقاً ، وقد سكت لتوّه من آخرِ رنينٍ له ..
وقفَ تحته دقائقَ ، يتأمّله ويُفكّر .. ثم تابع طريقه وهو يتمتمُ باستغراب : "
ولكنّه الجرسُ نفسُه " !!
