راحت سعدة تجول أرجاء البيت الواسع و قد انتابها قلق فظيع لماذا لم يعد أحمد
حتى هذه الساعة ؟ لا شك أن سوءا قد أصابه " ماذا أفعل يا إلهي "
هاهي تطّل من جديد بوجهها الملائكي الرائع من نافدة غرفة الجلوس ... لا أثر
لسيارته من بعيد .. و عادت تروح و تجيء يمينا و شمالا و الأفكار السوداء
تتجاذبها بين الحين و الآخر إلى أن سمعت صوت سيارته و هو يدخل فناء البيت .
سارعت نحو الباب و الفرحة تغمرها ، لكنها تمالكت نفسها و رسمت على وجهها
تكشيرة تنّم عن قلقها و خوفها عليه فهو زوجها الحبيب و أخوها و والدها و كل
من لها في هذه الدنيا بعد وفاة كل أفراد أسرتها في حادث رهيب .
ترّجل أحمد من سيارته حاملا حقيبته الطبيّة كعادته و سار بخطى متزنة متأهبا
لفتح الباب ، لكن سعدة فتحته قبله ، حاولت أن تعبس في وجهه لتأخره لهذه
الساعة لكن حنينها و خوفها عليه فضحاها ، فعانقته معاتبة : " لم كل هدا
التأخير حبيبي ؟ لقد كدت أجّن خوفا و قلقا "
فاستطرد قائلا ،" آسف حبيبتي لقد اضطررت لإجراء عملية دقيقة لمريض نقل إلينا
في حالة مستعجلة. "
سعدة : " و لكن ... و قبل أن تكمل سعدة قولها
قاطعها أحمد :" أعلم أن مناوبتي بعد يومين و لكن بسّام اضطر للسفر و سأخلفه
طيلة الأسبوع ."
سعدة : "أفهم من كلامك أنك ستتأخر باقي الأسبوع الى هذه الساعة و تتركني
فريسة للـــقلق و الوحدة ".
أحمد : " هذه طبيعة عملي يا حبيبتي و أنت من شجّعني على امتهان الطب ، أنسيت
؟ "
سعدة :" كلا ، كلا لم أنس و مهنتك أشرف مهنة على وجه الأرض ، أذكر أنك كنت
تتوق لامتهان التجارة ، لكني أصرّيت عليك لدخول كلية الطّب ، و لم أندم أبدا
فإنقاذك حياة مريض إحياء للناس جميعا ، لكني أشتاق إليك و أخشى عليك السياقة
ليلا" .
أحمد : " لا تخشي شيئا حبيبتي ، لن يحدث لي أي مكروه."
و بعد تناول العشاء ، خلدا للنوم فقد كان كلاهما منهك القوى .
و في صباح اليوم التالي ، توجّه أحمد رفقة زوجته ليفتتحا عيادته الخاصة
الكائنة غير بعيد عن مسكنهما .
عمل هناك حتى الزوال ثم عادا معا للبيت ليأخذ أحمد قسطا من الراحة ليواصل
عمله بالمستشفى مساءا.
و استمرا على هذا الحال عدة أيام و في كل ليلة كان أحمد يزداد تأخرا فلا يعود
إلى البيت إلا سويعات قليلة قبل الفجر وازداد قلق سعدة و بدأت الشكوك تساورها
سيّما بعد انقضاء الاسبوع و عودة بسّام الطبيب المسؤول عن المستشفى و صديق
أحمد الحميم .
كانت سعدة تتحرّج من مضايقة زوجها بالسؤال عن سبب تأخره ، فالأسباب معروفة
أو على الأقل أجوبة أحمد لم تكن لتخفى عليها ، حالة مستعجلة ، عملية مستعصية
، نيابة زميل و هلّم جرّا كلها أعذار ضاقت سعدة بها ذرعا و لم تعد تقنعها
خاصة بعد ما علمت بالصدفة من زوجة بسّام ، أنه لم يسافر قط مؤخرا ، كما زعم
زوجها ، الشيئ الذي عمّق مخاوفها فهي لم تعهد أبدا أن يكذب عليها أحمد أو أن
يخفي عنها شيئا مهما كان حقيرا .
وفي غمرة ظنونها و هواجسها ، قامت ذات ليلة من فراشها بعد أن رأت كابوسا
مزعجا حقا بل و مريعا ، حلمت فيه أن زوجها يحمل مشرطه و يسير نحوها ببطئ
متناه إمعانا في ترهيبها ، لكنها استيقظت قبل أن يصل إليها . حمدت الله على
أنه مجرّد كابوس سبّبه لها قلقها الزائد و أفكار خيالها الواسع و مافتئت تضع
رأسها على وسادتها حتى عادت تحاور نفسها من جديد ، لكن كذبته لم تكن خيالا و
تأخره كل ليلة ليس كابوسا ، إنها حقيقة . ثمة سرّ في الأمر ولا بدّ أن أعرفه
.
أتراه يعاشر امرأة أخرى ؟ أيعقل أن يقدم على خيانتي بعد كل سنين الحب و
العطاء هاته ؟ كلاّ .. لا أصدق هذا فهو متيّم بي و لايزال ؟ هل يعمل حقا
بالمستشفى كل ليلة ؟ هل ينتقم مني لأني دفعته لامتهان الطب بعد ما كان يميل
لممارسة التجارة و الأعمال الحرة ، فهي أسرع ربحا و أكثر راحة على حد قوله ؟
كلا .. كلا .. هذا غير منطقي بتاتا ، يتأخر كل هذا الوقت و طيلة هذه الأيام
من أجل إغاظتي فقط ؟ لم يفعل ذلك الآن ؟ لم لم يفعل هذا في أصعب المراحل التي
مررنا بها ؟ كلا .. كلا لقد صرت أخلط الأمور و لم يعد فكري واضحا أبدا . لكن
لم يكذب ؟ لو لم يكذب و يدّعي أن بسّام مسافر لما كنت لاشك به ثمة لغز لا بد
لي من حلّه و سأفعل ، هكذا قرّرت سعدة بينها و بين نفسها .
ارتدت ثيابها في عجلة من أمرها و استقلت سيارة اجرة و قبل أن تصل وجهتها ،
لمحت سيارته و قد غادرت المستشفى ببضع أمتار ، فأمرت السائق أن يغيّر وجهته
و طلبت منه اقتفاء اثر سيارة زوجها ، تذمّر السائق وتمتم ببضع كلمات لم
تستوعبها سعدة ، لكنه امتثل لأمرها .
كان زوجها قد اتخد طريق العودة إلى البيت فاحتارت ولعنت لحظة خروجها من بيتها
للتجسس عليه و كادت تنهار لفكرة وصوله قبلها الى البيت ، لكنه سرعان ما سلك
الطريق المؤدية الى العيادة ، ازدادت حيرة سعدة و لم تدر هل تفرح لأنه لم
يسلك طريق البيت و لم يكتشف خروجها ام تزداد قلقا لتوجهه الى عيادته الخاصة
في مثل هده الساعة .
ركن أحمد سيارته أمام باب مبنى العيادة ، نزلت هي من سيارة الأجرة والسائق لا
يزال يتمتم متعجبا من أمرها فقد كان الوقت متأخرا جدا . لمحت سعدة أحمد و هو
يجرّ شيئا بالكاد كان يحركه. استغربت للأمر وارتعبت ايّما رعب لكنها حبست
أنفاسها و تبعته في سكون .
كانت العيادة في الطابق الثالث والأخير و كانت البناية مظلمة ظلام لغز زوجها
الذي فضّل عدم إنارة الدرج عند دخوله و لم تفعل هي حتى لا يكتشف امرها . ظلّت
تتبعه و مع كل درج كانت تصعده كانت روحها تصعد معها لشدة خوفها و ارتباكها .
مادا بوسعه أن يعمل في العيادة في مثل هذا الوقت ؟ هل يلتقي بعشيقته هنا
ليلا ؟ هل سأجده بين أحضانها ، كلا لن أطيق ذلك .... فكرت في العودة لكنها
تعالت على نفسها و صرخت في أعماقها ، لا بد أن أنهي هدا العذاب ، لابد أن
أكشف الحقيقة .
و بينما هي تستعد لصعود آخر درج سمعت قرع نعال خلفها ، سارعت خطاها و اختبات
في زاوية من الطابق الثاني و أطلت فإذا بها تلمح شبحا يصعد و بيده شيئ ما ،
إن هذا الشكل ليس غريبا عنها . دّق الجرس ، أضيئت العتبة و
ۥفتح
الباب ، لقد كان النور خافتا ، لكنّها استطاعت أن تتعرف على الزائر لقد كان
بسّام ، زاد فضولها أكثر فأكثر و عزمت على مباغتتهما بعد أن انتظرت بضع
دقائق استجمعت خلالها كل شجاعتها و تصميمها على مواجهة الأمر مهما كان ..
تقدّمت بخطى متثاقلة و بسطت يدها في تردد واضح، تقبضها حينا و تمدّها أخرى
ثم دقت الجرس بكل رباطة جأش. و في الوقت ذاته الذي تفاجأ فيه أحمد و بسّام
برنين جرس الباب و تساءلا في حيرة و ريبة عمّن يكون الزائر في مثل هذا الوقت
، وقد ظنّا أنه أحد الجيران ، كانت سعدة تتساءل عن موقف زوجها منها و كيف
تجرأت على التجسس عليه و ملاحقته ليلا من المستشفى حتى عيادته .... و بينما
هي مسترسلة في تخمينها ، جمع صوت قفل الباب و هو
ۥيفتح
شتات أفكارها و تأهبت لمواجهة زوجها لكنّ من فتح الباب كان بسّام و قد كان
مرتديا مئزره ممّا أذهلها، تقدّمت سائلة عن زوجها و ما كاد بسّام يجيبها حتى
لمحت و هي تجول ببصرها في كل أنحاء الشقة ضوءا في الغرفة المقابلة دفعت الباب
بقوة ... تبعها بسّام ليمنعها لكنّها فعلت و رأته و يا لهول ما رأت حتى أنه
أغمي عليها من شدة الفزع لقد رأت زوجها العزيز بمئزره و بيده المشرط كما رأته
في الحلم ، لم يكن يجري عملية لمريض لا !لقد
كان يستأصل أعضاء من جثة شاب صغير بدا أنه توفي حديثا ، أهذا ما كان بالكاد
يجرّ و هو يدخل البناية ، هل يقوم باختطاف جثث مرضى المستشفى ليسرق أعضاءهم و
يحفظها لإجراء عمليات أخرى تدّر عليه أموالا طائلة ؟ أهذه هي التجارة
المربحة التي طالما حلم بها ، تجارة الأرواح ، هل هذا هو أحمد الذي
أحــبّـــته و قضت معه أحلى سنين عمرها ... أيعقل أن يتواطأ هو و بسام على
هذا العمل المشين ؟ أينقدون أرواحا على حساب أرواح ؟ .
غرقت سعدة في غيبوبة قصيرة ، عمل أحمد على إيقاظها منها لكنها بمجرّد أن
أفاقت و ما أن رأت وجه زوجها و صديقه حتى اغرورقت عيناها بالدموع ، حاول
أحمد أن يقترب منها ليهدئ من روعها لكنها صرخت في وجهه ، أبعد يديك عنّي
أيّها القاتل .. لا
!لا
تلمسني!
لا!
.. لا
!...
و راحت تصرخ و تصرخ في هستيريا أشبه بالجنون .
خاف الجراحان من الفضيحة، فلقد تعالت صيحاتها و ازدادت حدّة ممّا دفعهما
لإعطائها مخدّرا قويّا يجعلها تنام يوما كاملا.
و تمّ ذلك بالفعل أكملا الزميلان عملهما في صمت رهيب قاتل ، أحمد يفكّر في
علاقته مع زوجته و كيف يستطيع النظر في عينيها البريئتين مجدّدا ، هل يستطيع
إقناعها بخلاف ما رأت و أن ذلك لم يكن سوى كابوس مزعج أو أن كل ما رأته كان
خيالا و أنها حسبت المريض الحيّ جثة ، هل ستفضحه ؟ هل ستبلغ عنه ؟ لكن كل ذلك
لم يكن يهمه بقدر ما أهمّه فقدان زوجته الحبيبة . أمّا بسّام فكان يخشى أيضا
على مستقبله لا سيّما أن وضعه بالمستشفى حسّاس جدا ، فهو الطبيب المسؤول و كل
شيء يتم بأمره و موافقته ، كان يخشى أن يفقد كل شيء و يخسر زوجته هو الآخر .
و بين كل تلك التخمينات و الأفكار المتضاربة ، كانت سعدة غارقة في سبات عميق
و كأنها لم تنم من سنين ، كان أحمد يتفقد نبضها من حين لآخر ، فقد خشي عليها
من قوة المخدر الذي حقنها به .
و في صباح اليوم التالي، توجّه بسّام إلى بيته مغادرا العيادة.
و حمل أحمد زوجته للبيت ووضعها في سريرها ليوهمها بأن كل ما ستقوله بعد
استيقاظها كابوس مزعج و عزم في قرارة نفسه أن يتوقف عن عمله ذاك و أن يهتم
بزوجته أكثر ويعوّضها عن كل ما رأته و عانته في غيابه و انشغاله عنها .
و حان موعد استيقاظها، السادسة أو السادسة والربع ، كان يعلم مسبقا ميعاد
انتهاء مفعول المخدّر ، كان نجيبا جدا و هو طالب في كليّة الطب و ذكيا لأبعد
الحدود ، لكن ذكاءه خانه هذه المرّة ، مرّت السادسة و مرّت السادسة و الربع و
السابعة و سعدة لا زالت غارقة في نومها ، اقترب أحمد من زوجته و قد اصفّر
لونه ، أمسك بسماعته و يداه ترتجفان تحسّس قلبها الكبير الذي احتواه لسنوات
فإذا به ساكنا سكون الموت حاول تنشيطه حاول إيقاظها ، لكن عبثا كان يحاول ،
فقد أسلمت الروح مند بضع دقائق ، لم تتحمل المسكينة هول الصدمة ، كما أن
المخدّر كان فعّالا أكثر من اللازم و قويّا جدا بالنسبة لمن لم يتعاط في
حياته أي قدر و لو بسيط جدا منه ، مثلما كان حال سعدة ، لقد خانه ذكاؤه
بالفعل هاته المرّة ، كيف يعطيها ذلك الكمّ الهائل من المخدّر و هي منهارة أو
لم تكن تهمّه حياتها ، لقد قضى عليها مرتين بل ثلاث ، عذبها بغيابه و انشغاله
عنها و حطمّها بعمله الشنيع و وضع حدّا لحياتها بمخدره القوي . هكذا كان يهذي
فموتها أتى على ما بقي من حطامه ، لقد دمّر نفسه بنفسه ، ما عساه يفعل بكل
تلك الأموال ؟ مع من سيتقاسمها ؟ و هل تحلو الحياة من غير سعـــدة ؟؟ و ليتها
أموال طاهرة إنها نجسة نجاسة فعلته . لقد ضيع ثروته الحقيقية التي كانت بين
يديــه و لم يشعر بقيمتها إلا بعد رحيلها و تسربها من بين يديه . لقد عبث
بجثث عديدين فهل سيعبث بجثة سعدة ، فالقلب سليم و أعضاء أخرى سليمة أيضا ،
هل أقوم باستئصالها لأواصل سلسة جرائمي ، هكذا كان يعذب نفسه بهذا القول و
توجّه كالمجنون نحو حـــقيبته و أخرج مشرطه كعادته و توجه نحو جثة سعدة باكيا
مرتجفا و همس في أذنها " أحبّك ... سامحني " و غرز المشرط عميقا في بطنه
منتحرا ، لم تكن الدنيا كلها و لا حياته تهمّه بعد أن فقد حبيبته سعده ،
لكنّه أدرك أنه كان جبانا لآخر لحظة في حياته ، لم يكن يخشى السجن أو الفضيحة
بقدر ما لم يكن يستطيع تحمل تأنيب ضميره و تأنيب روح سعدة . و في تلك اللحظة
بالذات ظل بسّام يتصل بالهاتف و بعد أن يئس من رّد أحمد و زوجته تنقل لبيتهما
ليجدهما جثتين هامدتين تصلحان لجراحة أخرى في منتصف الليل.
