الثلاثاء, 21 رمضان 1447هـ الموافق الثلاثاء, 10 آذار 2026

كان لي تجربة مهمة في «التوجيهي»، ولا بد من التعريج عليها..

كرهت الرياضيات كثيراً، ولم أحب هذه المادة، ولكني أحببت المتنبي ووجه أمي والعراق، وكنت أحفظ قصائده عن ظهر قلب.

أحببت المتنبي، لأنه كان عظيماً فقد اختصر الحياة، في قصيدة واحدة.. واختصر الفلسفة، وعلم النفس أيضاً.. والأخطر من كل ذلك أنه سخف الإنسان حين وظف بعض شعره لأجل المنصب.. لأجل أن يكون وزيراً في بلاط سيف الدولة.. لهذا في تلك المرحلة، لم أفكر بحفظ قصائد المتنبي، بل فكرت في شخصية هذا الشاعر وقصته.. ومقتله، وكنت أقول في داخلي: لو لم يقتل، ترى كم قصيدة كان سينتج بعد.

وأحببت وجه أمي، حين كانت تحضر لي الشاي.. وتضع بعض الدنانير أسفل الكتاب.. خفية، ثم تغادر.. بصراحة أمي، لم تكن واثقة في نجاحي، فقد شكت لها بعض النسوة في الحارة.. مني، وقالت واحدة منهن: أني أطارد البنات وأنتظرهن عند سور المدرسة.. وطالبة من الحارة أكدت هذه الرواية، أمي بطبعها.. كانت تعاتبني خفية، ولم تخبر أبي.. ومنذ أن ماتت، لم أرفع كتاباً.. قرأت الكثير من الكتب، لكن رائحة يد أمي.. لم تكن تحت أي واحد من هذه الكتب..

وأحببت العراق، كان الحرب والقصيدة والرجولة.. ودجلة لم يكن نهراً بل كان دمع العين، وارتواء العاشق.. كنت كثيراً ما أتابع الأخبار، وحين أفشل في فهم معادلة رياضية، أضع أغنية (منصورة يا بغداد).. كانت تثير في قلبي الحماسة، أتخيل إيران في المعادلة.. وأنتصر، لا بد أن أنتصر وأحلها كما علمني الأستاذ.. أو كما علمني العراق، فهو أستاذ الدنيا ومن يديه تعلم العالم الأبجدية.

في"التوجيهي».. لم أكن أقرأ كثيراً، كنت أتعلم فلسفة الحياة.. وعظمتها من المتنبي وفي ذات الوقت أتعلم.. كم هذا العمر هش وتافه، وعلمني وجه أمي العتب.. أصلاً أنا نجحت لأجلها، يا الهي.. كم أشتاق لعتبها، فهي تسامح.. لا يوجد في الدنيا رحم ينتج قسوة أبداً.. كنت أشعر أنها لم تكن تضع تحت الكتاب بعض الدنانير، كانت تضع قلبها كي يقرأ معي.. وكنت أبحث عن وطن ومنفى.. والعراق كان الوطن والمنفى.. والمستقر.

غادرت تلك المرحلة منذ زمن، لكني ما زلت أبحث عن وطن ومنفى ومستقر..

Abdelhadi18@yahoo.com

 



المراجع

alrai.com

التصانيف

أدب  مجتمع   الآداب   قصة  
login